; يوسف الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم | مجلة المجتمع

العنوان يوسف الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم

الكاتب إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 12-أبريل-2008

مشاهدات 54

نشر في العدد 1797

نشر في الصفحة 54

السبت 12-أبريل-2008

لم تمنعه جدران السجن السميكة من أداء مهمته وتبليغ دعوته إلى توحيد الله وعبادته

لقد اجتمعت له أطراف الكرم، فهو الكريم في نسبه الكريم في أصله، الكريم في منبته وفي نشأته، الكريم في خلقه وفي خلقه، الكريم في ورعه وفي دعوته، في خوفه من ربه وفي عفته، في عفوه وجوده، داخل سجنه وفي وزارته، الكريم مع إخوته ومع من ظلمه.

نزلت فيه سورة كاملة من القرآن الكريم تحمل اسمه الطيب، وحين سئل رسول الله ﷺ: من أكرم الناس؟ قال: «فأكرم الناس يوسف نبي الله، ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله» (البخاري). وقال إن الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبرهيم خليل الله» (البخاري).

وهو دال على فضيلة خاصة وقعت ليوسف عليه السلام لم يشاركه فيها أحد؛ فالرسول ﷺ وصفه بالكرم؛ لأنه اجتمع له شرف النبوة والعلم والجمال والعفة وكرم الأخلاق والعدل ورياسة الدنيا والدين، وهو نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي.

رآه النبي ﷺ في رحلة الإسراء والمعراج في السماء الثالثة كما جاء في قوله ﷺ «..ففتح لنا فإذا أنا بِيُوسف عليه السلام، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن فرحب بي ودعا لي بخير» (أحمد).

الابن المحبوب.. وغيرة إخوته

لقد قص الله تعالى علينا في سورة يوسف ما يدعو إلى العبرة والفائدة.. فقال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ﴾ (يوسف: 7) أي لقد كان في قصة يوسف وخبره مع إخوته عبرة ومواعظ للسائلين عن ذلك المستخبرين عنه؛ فإنه خبر عجيب يستحق أن يخبر عنه.

ولنأت للحكاية من البداية فقد شب يوسف يتيم الأم، والأم لا غنى عنها في صغر الولد، ولا يعوض عن فقدها أي رجل، ولو كان الأب! لذا فقد كان يعقوب يحاول أن يهب يوسف حنانًا زائدًا وعطفًا وحبًّا وإشفاقًا؛ حتى لا يشعر بفقد أمه، وزاد ذلك الحب بعد الرؤيا التي رآها يوسف وعلم منها أنه سيكون له شأن دون سائر إخوته، لكن إخوته وهم من هم، إنهم لا يحملون بين ضلوعهم قلب الأم، ولا عطف الأب؛ لذا فقد ازعجهم هذا الحب الظاهر من أبيهم ليوسف، وظنوه ظلمًا لهم وتفضيلًا عليهم وهم كما يقولون عصبة وجماعة فقالوا: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (يوسف: 8) أي حلفوا فيما يظنون والله ليوسف وأخوه يعنون «بنيامين» وكان شقيقه لأمه ﴿أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أي جماعة فكيف أحب الاثنين أكثر من الجماعة ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾، يعنون في تقديمهما علينا ومحبته إياهما أكثر منا، ومن هنا دبت الغيرة في نفوسهم البشرية الضعيفة، وغاروا من أخيهم، والغيرة إذا تمكنت من القلوب فتكت بالعقل وأفقدته التمييز بين العمل الطيب والعمل الخبيث، وشوشت على مواطن السيطرة والأفكار والتركيز فتتحول العواطف الدافئة إلى عواصف عاتية تدمر كل جميل! لذا فقد تمنوا نزع ذلك الحب من قلب أبيهم له وكان أن قرروا أمرا واتفقوا عليه فقالوا: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ (يوسف: 9).

يوسف في غيابت الجب: قال محمد بن إسحاق عن إخوة يوسف: لقد اجتمعوا على أمر عظيم من قطيعة الرحم وعقوق الوالدين، وقلة الرأفة بالصغير دونما ذنب فقد احتملوا أمرًا عظيمًا... غفر الله لهم!

وها هو يوسف ملقى في قعر الجب وحيدًا غريبًا، خائفًا جائعًا، ضعيفًا مكروبًا. يرى فعلة إخوته الشنيعة به وهم الذين ائتمنهم أبوهم عليه، وظلم ذوي القربي أشد.. إنهم من يفترض أنهم هم راعوه وحافظوه حتى يرجعوا به إلى أبيهم سالمًا، ولكن ذلك لم يحصل منهم، وها هو يوسف في ظلمة الجب يتجرع مرارة عملهم ذاك، وهنا يمتد حبل التواصل بينه وبين مولاه وخالقه، ليس له من أحد إلا الله.. وكفى به حسيبًا ووكيلًا، ومن وسط ظلام الجب ووحشته يلمع شعاع من نور، وينسلخ مضيئًا قلب يوسف الصابر الشاكر، متمثلًا في وحي الله تعالى له بما يسكن الطمأنينة فيه ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (يوسف: 15) فيرى من خلاله حبل النجاة وطوق الإغاثة من رب العالمين.

وكأني بأحدنا مكان يوسف وقد فقد الوالد الحنون والأخ الشقيق، وألقي به في جب سحيق لا يدري متى وكيف سيخرج منه؟ وماذا سيؤول إليه أمره وينتهي به الحال؟ ماذا كنا فاعلين؟ قد يصل الحال ببعض ضعاف الإيمان أن يسبوا الدهر ويلعنوا الأيام عند أول نفحة من الابتلاء في دنيا البلاء والتمحيص فيقعوا عند أول درج السلم! أو يتهموا الأيام بعدم الإنصاف، وذلك والله، ليس بحال المؤمن الصابر الموقن بقدر الله والراضي به!!

محنة إثر محنة.. ثم كان المخرج والمنحة: وفي قصة يوسف درس لكل مبتلى.. فلقد مر في حياته بمحن كثيرة وكلما خرج من محنة تلتها أخرى، ولا عجب في ذلك أليس نبيًّا، وفي الحديث الشريف يقول ﷺ: «أشد الناس بلاء الأنبياء؟! ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشى على الأرض وما عليه خطيئة» (البخاري).

وكل محنة من هذه المحن لا تقل عن أختها، فمن محنة الجب، إلى محنة بيعه بيع الرقيق، وبها ينتقل إلى محنة الغربة عن وطنه والبعد عن أهله وذويه، حيث اشتراه عزيز مصر، ثم محنته مع امرأة العزيز التي راودته عن نفسه، وقد كانت أكبر المحن؛ إذ تسببت في سجنه بضع سنين، لكن ماذا كانت النتيجة؟ لقد قام بدعوته إلى الله في السجن ولم تمنعه جدرانه السميكة ووقوف السجان ببابه عن أداء مهمته وتبليغ دعوته إلى توحيد الله وعبادته، وكان تغير الحال وتحوله؛ إذ إن دوامه على وتيرة واحدة محال، فالصغير لا بد له أن يكبر، والضعيف سيأتي عليه يوم يشتد فيه عوده ويقوى، والمستضعف سينتصر حتمًا ويمكن، والبلاء والفتن من سنن الحياة، والمحن تأتي بالمنح، ولا مناص من الصبر عليها حتى تنفرج، وقصة يوسف مثال على ذلك فقد خرج من كل محنة بمنحة عظيمة، وتفضل الله عليه فصار على خزائن الأرض.

درس للآباء والأمهات

إن على الآباء والأمهات أن يتعلموا الدرس من قصة يوسف –عليه السلام –وأن يسدوا أمام أولادهم كل طرق الوساوس الشيطانية وأسبابها التي توغر الصدور بالغيرة الحمقاء والحقد والكراهية، وغالبًا ما يكون ذلك من الوالدين عن غير قصد؛ لذا فليحذروا من إظهار حب ولد معين من الأولاد أمام بقية إخوته، وإن كان ذلك الحب لسبب يوجبه كمرض، أو غياب، أو صغر سن، أو زيادة بر، وبالتالي يجب ألا يجر ذلك الحب الزائد في القلب لظلم أحد الأولاد أو تفضيله على بقية إخوته بعطية أو هبة فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أمرنا بالعدل وقال: «فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» (البخاري).

.. ودرس لكل شاب وفتاة

إذا ذكر يوسف- عليه السلام- تجسدت العفة في أعلى صورها وتمثلت في أكمل مظاهرها أمام أعيننا، وذلك فيما قصه الله تعالي عنه في كتابه الكريم فقال: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ (يوسف: 23).

إنها صورة قلما يصبر أمامها الرجال إلا من عصم الله، فهي لیست عادية، وإنما لها بريق آخر ومظهر مختلف تمامًا عن غيرها من الصور؛ إذ نادرًا ما تجتمع تلك الخصال والصفات والأحوال لامرأة ترغب في الفاحشة وترغب فيها وتدعو إليها وتتخذ الأسباب الميسرة لها.. لكن يوسف عصمه الله تعالى من الوقوع والزلل.

كما أنه كذلك درس لكل فتاة وامرأة مسلمة إلا تجعل من التبرج سمتها، وألا تتخذ من الزينة وسيلة لجذب الرجال إليها والإيقاع بهم في شباك حبها، أوسلاحًا للفتك بحرمتها، وأن تلتزم بأمر الله تعالى لها من فوق سبع سماوات، حيث أمرها بالحجاب وحصنها بالعفاف وحفظها بالحشمة والتستر من أعين من تسول لهم أنفسهم التطفل والنظر إلى العورات.

ذنب كبير.. وعفو أكبر

وتتجلى إشراقات نفس يوسف الطاهرة لتفصح عما بداخلها من حب للخير ومقدرة على العفو والتسامح، ومع تواصل الأحداث وتتابعها ها هم أولاء يتهمونه بالسرقة، فجمعوا بين ظلمه مرتين، وفي أحلك المواقف التي يمر بها إخوته في محنة الجوع التي ابتلي بها الناس في ذلك الزمان يظهر معدنه النفيس، فلئن كانوا ألقوه في الجب قديمًا فها هم الآن يقفون أمامه وجهًا لوجه يعرفهم ولا يعرفونه، بل لا يخطر ببالهم أنه هو الذي يرونه بأم أعينهم، إنهم في تلك اللحظة يقفون ببابه ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ (يوسف: 89) إنه الآن يفصح عن الحقيقة التي خفيت عليهم ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾ (يوسف: 89) ويدور الحوار بينهم لتكتمل الصورة ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَا أَخِي ۖ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ۖ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ (يوسف: 90، 91).. ومع هذه اللحظات التي اختلطت فيها المشاعر والأحاسيس واستعيدت الذكريات، يأتي الجواب الشافي من يوسف فيكفيهم مؤنة العتاب ليزيح ما بالقلوب من آثار الماضي وجراحه وآلامه ويضرب لنا مثلًا عاليًا في الصفح الجميل ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (يوسف: 92) حقًّا.. إنه الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل