العنوان يوميات امرأة مسلمة: كيف نجدد نظرتنا للوقت؟
الكاتب ابتهال قدور
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يوليو-1988
مشاهدات 101
نشر في العدد 876
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 26-يوليو-1988
- المستقبل وليد الحاضر فمن نظم حاضره ضمن بإذن الله مستقبله.
- حياة المؤمن تقوم على الاتزان وبذل الجهد لضمان دنياه وآخرتها!!
وأنا أقرأ كتابًا للشيخ الفاضل محمد الغزالي أثار انتباهي موضوعه الجميل وقد بدأه بعبارة لنجدد حياتنا... وسرت معه لكي أعرف طريقته الجديدة في تجديد الحياة... فمن منا لا يجب تجديد حياته؟؟ ولم يعط الشيخ الكريم وصفة سحرية... ولم يعط اسمًا لدواء معين يجدد العمر... إنما أعطى رأيًا نابعًا عن نظرة عميقة للأمور ودقيقة في آن واحد..
يومنا كيف يمضي؟!
هذا اليوم الذي يمضي بدون أن نشعر به كيف مضى؟ هذه الساعات التي تمر سريعة أو بطيئة تبعًا لحالة كل منا... هذا النهار الذي يبدأ رضيعًا ثم ينتهي كهلًا بلا حياة... أصبحنا لا نحس به وذلك بتأثير الألف والعادة....
ولكن الإسلام بحد ذاته لا يحب أن يتبلد إحساس الإنسان المسلم تجاه الكون وظواهره.. إنما يحب الإنسان المتأمل في كل صغيرة أو كبيرة.. فيصبح صاحب الإحساس المرهف والمشاعر الجياشة... وكثيرًا ما نراه ينبهنا إلى ما في الكون من جمال وروعة وسحر وكأنه يطالبنا بتجديد نظرتنا إليه لكيلا يفقد جماله في أعيننا لمجرد أننا أصبحنا نراه كل يوم.
خطورة العادة:
كل شيء في بدايته جميل ولكنه بفعل العادة والألف يصبح عاديًا في نظرنا هكذا قال محمد قطب في كتابه منهج التربية الإسلامية: ما أعجب كل شيء يحدث لأول مرة! إنه تجربة نفسية رائعة حية.. كأنها لمسة رفيقة تلمس عصبًا مکشوفًا فيتقزز ويتأثر وينقل اللمسة إلى مركز الحس بكامل وقعها وكامل تدفقها... إنها عملية جميلة ممتعة... تملأ الحياة ثراء وسعة ومتاعًا متجددًا على الدوام.
تساؤل..
أنا لا أريد أن أتحدث هنا عن تجديد نظرتناللكون بأكمله إنما أريد التركيز على يوم واحد فقط.. يوم من أيام العمر هو العمر بأكمله لننسى أن هناك عمرًا طويلًا ينتظر كلامنا... ولنعش في حدود يومنا، ولنجعل من هذا اليوم عمرًا كاملًا ليقل كل منا أنا لم أخلق إلا ليوم واحد... ترى لو فعلنا هذا ماذا سيحصل؟؟
لو كان العمر يومًا!!
سيصبح للدقيقة وزنًا وستصبح الثانية ذات قيمة، والأهم من هذا وذاك أن عبارة «فيما بعد» ستنمحي من حياتنا.. هذه العبارة التي تكون السبب الأكبر لتقاعسنا عن أعمال ضرورية وهامة.
وسنجد أنفسنا نخلق برامج دقيقة تتيح لنا استغلال كل دقيقة من هذا اليوم على الوجه الذي يرجع بالفائدة والمنفعة علينا وعلى من حولنا.
سأنظر حولي وأرى الكون جميلًا وهذا سيعطيني دفقات حيوية للعمل بنفسية فعالة... وستتغير نظرتي لكل شيء... فيما كانت نظرتي عابرة للأشياء... ستصبح نظرة متأملة.. مفكرة.
قصة من الواقع:
ويحضرني هنا... موقف مررت به ولا بد أن معظمنا قد مر به... أصبت بمرض عابر... ولكن موقف الطبيب كان غامضًا، واعتقدت أن وراء غموضه سرًا لمرض خطير يخفيه علي... وأقنعت نفسي بذلك ووجدت نفسي أتغير نهائيًا تغيرًا ما كان من السهل حدوثه لولا هذه الحادثة... أصبح لكل شيء أهمية.. والأهم من كل شيء هو تفكيري بأنني سألقي ربي بعد أشهر قليلة... فرحت أستعد لذلك اللقاء بكل ما أعطيت من قوة وصبر... صلاتي أصبحت غير الصلاة المعتادة دعائي أصبح دعاء فقير لغني.. وضعيف لقوي...
أصبح دعاء عبد لرب وأصبحت الدنيا في نظري لا تساوي شيئًا... وظهرت على حقيقتها فهي حقًا لا تساوي جناح بعوضة.. تطلعاتي بدأت تتوجه إلى اليوم الآخر وماذا سأحقق فيه.
صوت الحقيقة الكبرى:
قد يقول قائل: «ولكن هذه الحالة قد تخلق نوعًا من التقاعس في أداء الواجبات اليومية وتعطي إنسانًا حاملًا غير منتج» وأقول لا... قد يحدث هذا عند غير المسلم، الذي كتب الله له حسنة على كل عمل يؤديه في صالح نفسه وأسرته ومجتمعه ما دام لوجه الله. ولكن ما يحصل حين تفكر في العيش ليوم واحد إنك تفيق من نوم عميق على صوت الحقيقة الكبرى التي تنتظرك لا محالة.
الحاضر والمستقبل:
ما أراه أيضًا هو أننا حين تركز معظم تفكيرنا لتنظيم يوم واحد ستصبح النتائج أفضل من أن نشتت تفكيرنا في تنظيم الأيام القادمة التي لا نعرف ماذا سيحدث فيها من أشياء خارجة عن إرادتنا.. بالإضافة إلى كوننا لا نملك الأيام القادمة فكيف نخطط لها.. كيف نخطط لأيام لا نملكها ولا نعرف ماذا سيحصل لنا فيها... أما يومنا الذي نعيشه فلو أننا نظمناه التنظيم الدقيق سنكتشف أننا قد نظمنا كل أيام حياتنا بدون أن نشعر...!! لأن المستقبل هو ابن الحاضر!! وإذا كان الحاضر يولد من أحشاء الماضي فإن المستقبل يولد من أحشاء الحاضر.. ومن نظم حاضره ضمنبإذن الله مستقبله!!
أعتقد أنه ضرب من الحماقة أن نرسم لأنفسنا مستقبلًا معينًا ثم نروح نستعد لهذا المستقبل... أعرف أناسًا قدروا أن الأزمة الاقتصادية مستقبلًا ستأكل العالم... فامتنعوا سلفًا عن إنجاب الأطفال!! بالإضافة لجريهم المتلاحق وراء الطرق المؤدية لجمع المال من أجل اتقاء الأزمة الاقتصادية المتوقعة...!!!
وفي غمرة البحث عن المستقبل واستشراف المتوقع نسوا حاضرهم، وإذا بالغد يلتهم الحاضر، وبالمستقبل يبدد الطاقات، وبذلك يخسر أولئك حاضرهم ومستقبلهم.
الاتجاه إلى الحاضر دنيا وآخرة بقوة خلاقة
أليس أفضل من هذا العمل خلال اليوم بقوةخلاقة؟؟ أليس الأفضل أن يضاعف مجهوده وإنتاجه؟؟
من قال إنه سيعيش للسنة القادمة؟؟
«من أصبح آمنًا في يومه معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها» (الترمذي).
قال رسولنا صلوات الله عليه... من أصبح، وأصبح أرى فيها يومًا واحدًا لا أكثر، فلو أصبح عليك اليوم وقد ملكت الأمان والعافية والرزق لهذا اليوم فكأنك ملكت الدنيا...
أجارنا الله من طول الأمل... بينما لا نملك الساعات...!! والملاحظ في طول الأمل أن الإنسان ينشط في طلب الحاجات الدنيوية في حين يؤجل أعمال آخرته.
فبينما يشعر طويل الأمل أنه يجب أن يدرك نفسه لأن العمر قصير يجد نفسه يؤجل عباداته وحسن طاعته لأن العمر طويل وما زال في مقتبله.. وهذا تناقض عجيب...!!! فلو طرحنا موضوعًا دنيويًا مثلًا أمام إنسان طويل الأمل ستجد أنه يجب أن يدرك الأيام ليحقق لنفسه ولأولاده من الحاجات المادية ما أمكن فالساعات تمر بسرعة... وفي نفس اللحظة أطرح موضوعًا يخص العبادات والطاعات ستجد أن الجواب سيكون معاكسًا تمامًا.. فما زلنا في مقتبل العمر.. والأيام ما زالت طويلة... عجبي للإنسان.
ويستمر في معاصيه على أمل أن يتوب غدًا... ذلك الغد البعيد الذي قد لا يدركه... ويترك نهاره يمضي هباء وتبكي الساعات على تفريطالعبد بها.. بينما لا يجد العبد أهميتها إلا في تسخيرها طبقًا لحاجاته الدنيوية..
الاتزان عند المؤمن:
ولكن الاتزان عند الإنسان المؤمن يجعله ينظر للأمور على حقيقتها وبدون شوائب من التناقضات.
فالعمر إن كان قصيرًا فهو قصير على جميع الأصعدة.
وإن كان طويلًا فهو طويل في جميع الميادين... فعندنا... العمر قصير، معرضون للموت في كل لحظة.. ولا نملك ساعاتنا لذلك لا نستطيع تأجيل أعمال دنيانا وإهمال مسؤولياتنا.. وفي ذات الوقتهو قصير فيجب أن نستغله في كسب ما نستطيع من حسنات تؤهلنا لخوض الامتحان الأكبر.
وحاليًا لا نملك سوى يومنا الذي يشبه إلى حد كبير عمرنا فيبدأ صغيرًا نديًا ثم يشرق... فيصل إلى قمة ضيائه... ثم يأخذ بعد ذلك بالأفول تدريجيًا إلى أن يصبح ظلامًا دامسًا بلا حياة... فلو نظمناه كأنه العمر... نكون قد كسبنا ما قدر لنامن العمر...!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل