; يوم من أيام الانكسار | مجلة المجتمع

العنوان يوم من أيام الانكسار

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 25-مارس-2006

مشاهدات 61

نشر في العدد 1694

نشر في الصفحة 15

السبت 25-مارس-2006

على امتداد حقبة الصراع العربي الصهيوني ظلت الحرب النفسية، أحد معالم ذلك الصراع وأدواته المهمة، فتحقيق الاختراق النفسي يسبق دائما اختراق الحدود، وإشاعة الانكسار والانهزام كانت مقدمة لفرض الإملاءات والشروط سواء في زمن الحرب أو المفاوضات.. وحركة الآلة الإعلامية الدعائية بما تبثه تسبق حركة الجيوش.. سمعنا كثيرًا قبل حرب عام ١٩٧٣ عن أسطورة الجيش الذي لا يقهر وقرأنا وتابعنا قصصًا تفوق قصص ألف ليلة عن أسطورة خط بارليف وأساطير أخرى، لكن مع تبدد تلك الأساطير في حرب رمضان أكتوبر ۱۹۷۳ وانكشاف كثير منها على يد ضربات المقاومة الفلسطينية. اتجهت الحرب النفسية إلى ما يمكن تسميته بالضربات المباشرة للنفسية العربية، أقصد الشعوب، وتتمحور رسالة تلك الضربات حول التأكيد على أن زمام المبادرة ما زال بيد الطرف الصهيوني، وأنه القادر على فرض إملاءاته وتحقيق مخططاته ورغباته بصرف النظر عن القانون أو المنطق أو حتى كرامة الدول وما شاهدناه من التاسعة صباحًا حتى الثامنة إلا الربع من مساء يوم الثلاثاء الرابع عشر من مارس الجاري في عملية اعتقال السيد أحمد سعدات الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ومن معه وما صاحب ذلك من عمليات هدم السجن أريحا، ثم مشاهد الاستسلام بطريقة مهينة، ومفعمة بالإذلال لقوات الأمن الفلسطينية، تمثل لونًا من ألوان الضربات المباشرة للحرب النفسية.. 

وقد تم التركيز فيها على الإمعان في إهانة قوات الأمن الفلسطينية أكثر من المطلوبين المستهدفين. ما الذي يمكن أن يخرج به المواطن العربي البسيط وهو يشاهد تلك العملية على مدى إحدى عشرة ساعة ويتابع أيضًا كيف أخلى المراقبون الأمريكيون والبريطانيون الطريق للقوات الصهيونية متخليين عن اتفاق دولي سابق، محملين الطرف الفلسطيني مسؤولية ما وقع... هكذا؟! وما الانطباع الذي يخرج به المواطن العربي البسيط وهو يبحث عن رد فعل عربي يشفي غليله أو يساعده على رفع رأسه الذي نكس في ذلك اليوم فلا يجد.. ألا يضيف ذلك إلى إحباطه وحزنه المزيد خاصة وهو يشاهد إيهود أولمرت خليفة. شارون وهو يستعرض حرس الشرف مزهوا بالنصر؟!

ليست تلك هي الواقعة الأولى في مجال الضربات النفسية المباشرة، وإنما سبقتها وقائع عديدة نذكر منها الإفراج المفاجئ عن الجاسوس الصهيوني عزام عزام من القاهرة، بداية ديسمبر من عام ٢٠٠٤م الذي حكم عليه القضاء المصري عام ١٩٩٧م بالسجن لمدة خمسة عشر عامًا.

 فقد جاءت عملية الإفراج المفاجئة وسط أجواء غاضبة وساخنة في الساحة المصرية عقب قتل الجنود الصهاينة ثلاثة جنود مصريين على الحدود، وخلال عمليات الحصار والمجازر المكثفة ضد الشعب الفلسطيني.. ويومها وبينما كانت الساحة تترقب موقفًا على مستوى الأحداث الساخنة عند الحدود إذا بهم يفاجؤون بالجاسوس الذي طال الجدل حوله موجود في الكيان الصهيوني حيث تقام له احتفالات التكريم إنهم يسيرون في خط الحرب النفسية بخطى واسعة ويطور سلاحهم النفسي جنبًا إلى جنب مع تطوير جيوشهم. وقد استحدث الجيش الصهيوني وحدة خاصة ضمن قواته أسماها مركز عمليات الوعي، رسالتها «كي الوعي» وفق تعبير موشيه يعلون رئيس هيئة الأركان الأسبق. ومن يطلع على الدراسة المهمة التي أعدها الباحث الصهيوني رون شليفر، الحرب النفسية في إسرائيل.. وغيرها بالطبع الكثير من الدراسات - يدرك إلى أي مدى يحول الكيان. الصهيوني على الحرب النفسية في حروبه مع الأعداء الفلسطينيين والعرب والمسلمين وغني عن البيان أن لعبة الحروب النفسية خصلة يهودية متأصلة فيهم ولازمة من لوازمهم.. ومن يراجع تاريخهم منذ بدايات الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، عندما قدم الرسول إليها من مكة يدرك إلى أي مدى ينسجون خططهم وينفذونها.

الشاهد.. أنني كغيري. أنظر على الجبهة المقابلة الفلسطينية أو العربية، فلا أجد اهتمامًا بتلك الحرب سوى في بعض الدراسات الأكاديمية حبيسة الأدراج، أما خطوط المواجهة الفلسطينية العربية فهي خالية من هذا النوع من السلاح، مثلما صارت خاوية من الجيوش! خاصة في حقبة

السلام والهرولة.. والتطبيع.. التي لم نحصد من ورائها إلا السراب لكن الأمل يبزغ من حركات المقاومة ومن التيار الشعبي الجماهيري الكبير الذي يمثل حصن المقاومة والصمود، والأهم أن هذا التيار وفي القلب منه حركات المقاومة الإسلامية – قد أحدث توازنًا في الضربات النفسية والحرب النفسية مع العدو، مثلما أبدع توازن الرعب بالضبط.. وما فعلته عمليات المقاومة بكل أنواعها من تأثيرات نفسية على الجانب

الصهيوني كبير ومؤثر ويكشف هشاشة هؤلاء، ويسقط أساطيرهم التي تهوي بين الحين والآخر كالبالونات التي تبدو ضخمة في السماء ثم تكتشف حقيقتها الرقيقة والضعيفة والهزيلة عندما تهوي.

الرابط المختصر :