العنوان 11سنة على مذبحة جسر محمد باشا كم من مذابح أخرى ترتكب؟
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر السبت 07-يونيو-2003
مشاهدات 59
نشر في العدد 1554
نشر في الصفحة 39
السبت 07-يونيو-2003
مصارع المسلمين في كل مكان. مآس تتوالد في كل لحظة، وتترك ندوباً في كل محطة تمر بها أو تحل بدار الإسلام، في أركانها المبعثرة والممزقة بين جدران الزمن، وجدران السياسة والجغرافيا. إحدى عشرة سنة مرت على مذبحة جسر محمد باشا على نهر درينا في شمال البوسنة، التي راح ضحيتها أكثر من ثلاثة آلاف مسلم ومسلمة في يوم واحد. حصدهم الحقد الأعمى القائم من القرون الوسطى والمسلح بأحدث تكنولوجيا القتل والإبادة والمتعطش للدماء تعطش الشيطان لغواية بني آدم. قُتل ۳۰۰۰ مسلم في يوم ٢٥ مايو سنة١٩٩٢؛ لأنهم مسلمون، ولم يناد أحد يومذاك:« معنا.. أو مع الهمجية البربرية الصربية» كما ينادي اليوم «معنا أم مع الإرهاب» بعد سبتمبر كان يوم ٢٥ مايو الماضي يوماً مشهوداً على نفس الجسر..
جاء الأبناء والأحفاد ومن تبقى من الناجين نفس المكان الذي قتل فيه ذووهم ليتذكروا وليبكوا وليترحموا ويدعو للقتلى بالرحمة وعلى المجرمين الجزاء من جنس العمل، «والله أشد وأقوى» جاؤوا ليتعاهدوا على عدم النسيان ومقاومة ذلك المرض الخبيث الذي تعاني منه الأمة بأسرها ا«لنسيان». لم يأتوا ليعبروا عن حزنهم فحسب بل لتعبير عن إرادة الحياة وإرادة البناء في وجه إرادة القتل والهدم. وللتعبير عن ثقافة الأمل في وجه اليأس القاتل الذي عبر عنه الجناة بقتل ثلاثة آلاف مسلم في يوم واحد؛ للتعبير عن شجاعتهم في وجه الخوف الذي أبداه الجناة المدججون بالسلاح في وجه العزل من المسلمين.
وللتعبير عن إرادة البقاء في وجه ثقافة الإبادة التي عبر عنها المجرمون، ولا يزالون يفعلون في كل مكان وفي كل بوسنة وعلى جسور «محمد» في العالم قاطبة ثلاثة الاف مسلم أُلقوا في نهر درينا كما يلقى المسلمون اليوم في أنهار العالم شرقه وغربه، لا مقابر تضمهم ولا قبور تحوي رفاتهم ولا اطلال يزورها أحبابهم، البعض شاهد الجريمة ومن بينهم أمهات شاهدن كيف ألقي أبناؤهن كما تلقى الأشياء في النهر، وكلما عادوا للمكان تراءى لهم المشهد من جديد.
ويتكرر المشهد المؤلم
وبعد ثلاث سنوات من المذبحة، وفي اليوم نفسه سقطت قذيفة صربية بوسط مدينة توزلا (۱۲۰ كم شمال سراييفو) فقضت على ۷۱ شاباً مسلماً في مقتبل العمر، وجرحت أكثر من ۱۷۰ آخرين. وبين الحادثين وقبلهما وبعدهما حصلت حوادث مؤلمة ومذابح مروعة لا تزال تثير أحزان المسلمين وتحديهم للموت والخوف والترهيب والتجويع والحصار المتنوع والاتهامات المختلفة. وتدور دورة الزمن مع أنباء تكاد تكون أسبوعية عن اكتشاف مقابر جماعية جديدة تضم رفات العشرات والمئات من الضحايا الذين قضوا فيما بين ١٩٩٢و ١٩٩٥.
وسط هذه المعمعة التي غطى عليها ما يحدث اليوم في العراق وفلسطين والشيشان من مآس دعا الرئيس البوسني سليمان تيهيتش المواطنين والتجار البوسنيين؛ لجمع تبرع لتمويل شكوى البوسنة ضد يوغسلافيا التي تقدمت بها للمحكمة الدولية سنة ۱۹۹۳ وقبلتها المحكمة، مما اعتبر نصراً قضائياً للبوسنة، وتخشى بلجراد من تبعات الشكوى البوسنية ضدها، إذ يتوقع أن تتحمل بموجبها المسؤولية عن الخسائر التي حاقت بالبوسنة وإجبارها على دفع مبلغ ۱۰ مليارات دولار كتعويضات.
معركة المستقبل
وكما يخوض المسلمون صراعهم حول الماضي ويطالبون بالإنصاف التاريخي يخوضون حربهم من أجل المستقبل، وهو ما أشار إليه الرئيس السابق علي عزت بيجوفيتش عند حديثه لبعض أعضاء البرلمان إذ قال:« بالأمس كنتم جنوداً في جبهات القتال واليوم أعضاء في البرلمان ومهمتكم الحالية لا تقل أهمية عما كنتم تضطلعون به بالأمس، الدفاع عن البوسنة ومواصلة النضال من أجل الحرية والعدالة في الدولة». من أجل ذلك يطالب الرئيس البوسني سليمان تيهيتش بضرورة تغيير دستور بلاده لتتمكن من دخول الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي «ناتو»، وأعلن تيهيتش عن مساع في هذا السبيل لتغيير الدستور داخل مجلس الرئاسة البوسني والمؤسسات الدستورية الأخرى. وقال: «إذا كانت البوسنة تريد فعلاً الإسراع بالدخول في الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي فيجب تغيير البنود المانعة لذلك في الدستور.. هذه الدولة لا تستطيع الدخول في برنامج حلف شمال الأطلسي» الشراكة من أجل السلام «ولا الحصول على عضوية الحلف إذا لم يتم تغيير الدستور» وذكر بأن هناك مواد في الدستور تعرقل مساعي الاندماج في أوروبا من بينها طرق اتخاذ القرار حسب الدستور ومن بينها أنه «لا يمكن تنفيذ القرارات ذات الصبغة الدولية بدون موافقة كل من كياني البوسنة الفيدرالي والصربي» وأضاف: «هناك عراقيل دستورية من الدفاع وحتى الاقتصاد يجب إزالتها لنكون دولة طبيعية مثل دول العالم الأخرى، وحتى لا تكون البوسنة نهباً لمصالح طائفية ضيقة». وذكر تيهيتش أنه تحدث عن هذه المشكلات مع السياسيين الأوروبيين في الاتحاد الأوروبي ومن بينها طرق التصويت غير المعقولة وقال:« لقد استغربوا ذلك جداً» وأعرب عن أمله في تجاوز تلك العقبات مستقبلاً إذا تفهم المجتمع الدولي المطالب الحقيقية للبوسنة.