; رهان الأمريكان واليهود على العرب | مجلة المجتمع

العنوان رهان الأمريكان واليهود على العرب

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 30-ديسمبر-1986

مشاهدات 68

نشر في العدد 798

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 30-ديسمبر-1986

* عام 1986 شهد ذروة الحملات الأمريكية والغربية لإلصاق تهمة الإرهاب بكل ما هو عربي.

لم يكن حصاد عام 1986 بالنسبة للعالمين العربي والإسلامي طيبًا بكل المقاييس، وإلقاء نظرة على أهم أحداثه يظهر لنا مدى تدهور الأوضاع وازديادها سوءا على سوء في عالمنا العربي والإسلامي، فهذه الحرب العراقية الإيرانية ما زالت نارها مشتعلة تلتهم مقدرات شعوب المنطقة، وتأكل مستقبل أجيالها، وهذا شلال الدم الفلسطيني واللبناني لا يتوقف؛ حيث يتواصل مسلسل التقتيل والتهجير ويطل من وراء مخلفات الدمار شبح الجوع المرعب، وهذه أمريكا وبعض دول الغرب قد أمعنت في إذلال العرب والاستهانة بهم، فحاولت على مدار العام إلصاق تهمة الإرهاب بهم، وفي نفس الوقت مارست عليهم ألوانًا من الإرهاب، ابتداء من الحملات الصحافية، ومرورا بالمحاصر السياسية والاقتصادية، وانتهاء بالأعمال العسكرية العدوانية.

فشلت الوساطات في حرب الخليج وانكشف الدور الأمريكي

ظلت هذه الحرب على مدار عام 1986 حمّى المنطقة وصداعها ليس بسبب كونها أشرس الحروب وأخطرها من حيث إبعادها وآثارها إقليميًّا ودوليًّا فقط، بل كذلك بسبب التغيرات والتطورات التي شهدتها هذه الحرب سواء على ساحة القتال أو على الساحة السياسية، فأما على الساحة العسكرية فقد كانت المعارك متحركة، ووقع تجاوز خطوط حمراء واختراقات من كلا الطرفين، فقد شنت القوات الإيرانية هجومًا في فبراير 1986، واحتلت ميناء الفاو العراقي، لكن العراق تمكن من صد ذلك الهجوم، وتطويق المهاجمين الإيرانيين، ولم يحقق الهجوم الإيراني الذي أطلق عليه اسم فجر 8 كل أهدافه.

لكن التطور الأهم في هذه الحرب حدث لما تمكنت الطائرات العراقية من الوصول إلى مشارف مضيق هرمز آخر معاقل «سلاح النفط» الإيراني، وضربت مينائي «سري» و«لافان»، كما ضربت جزيرة «لاراك»، ومن جهة ثانية اتسعت حرب الناقلات حتى إنها طالت أطرافًا خليجية، كل الحرص على عدم الانزلاق إلى آتون هذه الحرب، وقد أدى ذلك إلى تدهور الأمن في الخليج العربي، وبالتالي إلى ازدياد القلق والخشية من امتداد الحرب واتساعها.

دور أمريكي في الحرب:

أما على الساحة السياسية فإن أخطر التطورات المتعلقة بهذه الحرب كان انكشاف الاتصالات الأمريكية الإيرانية، والتي أدت إلى إبرام صفقة أسلحة سرية تسلمت بمقتضاها إيران صواريخ «تاو» المضادة للدبابات ومعدات عسكرية أخرى، وقد اعتبر كشف النقاب عن صفقة الأسلحة تلك في أمريكا فضيحة كبرى، وأحدث دويًّا هائلًا ما زالت أصداؤه تتردد في الكونجرس والبيت الأبيض، واستدعى الأمر تشكيل لجنة مخابرات على غرار لجنة ووتر غيت؛ للتحقيق في هذه القضية، ولم تنته بعد الاتهامات المتبادلة بين أركان الإدارة الأمريكية حول المسؤولية في هذه القضية. وإذا كنا كعرب لا نثق بأمريكا، ولم نعتبرها في يوم من الأيام صديقة مخلصة لنا، فإن الذي يدعو إلى إسقاط ما تبقى من مصداقية أمريكا ريغان هو ما كشفته هذه الصفقة؛ حيث كانت هذه القوة العظمى تدعي أنها تعمل على وقف القتال، وإنهاء حرب الخليج في حين عملت سرًّا على تغذية نيرانها بصفقات السلاح سواء مباشرة أو بواسطة حلفائها، وكيف لا يكون الأمر كذلك وإيران تهدد بهجوم كبير آخر لعل ما حدث في الليلة الفاصلة بين 24/ 12 و25/ 12 من آخر هذا العام هو بدايته.

الفلسطينيون وعام آخر من المحن:

نقول بتفاؤل إذا كان عام 1986 عامًا آخر من العذاب الفلسطيني، فقد كان أيضًا عام الصمود أمام العواصف العاتية والمؤامرات.

لقد واجه الفلسطينيون خلال 1986 جولات من حرب المخيمات أشد من سابقاتها تلك، التي وقعت عامي 1984 و1985، والتي قادتها حركة أمل، وقد ازدادت الهجمات على المخيمات الفلسطينية في الأشهر الأخيرة من عام 1986 شراسة. ففي 20 سبتمبر 1986 شنت قوات أمل هجومًا ضخمًا على مخيمي «الرشيدية» و«البص»، استعملت فيه الأسلحة الثقيلة، ثم وسعت أمل هجومها ليشمل معظم المخيمات في منطقة صيدا، وانضمت إلى أمل في هذا الهجوم كتيبة من الجيش اللبناني، ولكن الفلسطينيين أفشلوا هذا الهجوم وتمكنوا من احتلال مواقع لأمل في عين الدلب ودرب النسيم، فعمدت أمل إلى تصعيد الموقف في الشمال، وهاجمت مخيمات بيروت الغربية، وضربت في 31 أكتوبر حصارًا حول مخيم برج البراجنة، وبدأت بتهجير ألف فلسطيني من صور، وعندئذ تضامن الفلسطينيون في مواجهة هجمات أمل، التي تريد نزع البندقية الفلسطينية، وتجريد المخيمات من السلاح، ولكن كل الفلسطينيين رفضوا مطلب أمل، وهكذا لم يأيت شهر نوفمبر حتى اشتعلت كل الجبهات، وامتد القتال جنوبًا وشمالًا، فخرج الفلسطينيون من مخابئهم في مخيم عين الحلوة أكبر المخيمات بالجنوب اللبناني، واحتلوا معقلًا استراتيجيًّا على بعد 4 كيلومترات من مخيمهم في قرية مغدوشة، وظل القتال مستمرًا بعد أن سقط أكثر من اتفاق، ورغم كل الوسطات ونداءات الجامعة العربية، ولم تغب إسرائيل عن الساحة فتدخلت زوارقها وبوارجها لضرب المخيمات، وأغارت طائراتها للمرة الثانية خلال شهر ديسمبر 1986 على مخيم نهر البارد وغيره من مواقع الفلسطينيين وتجمعاتهم، ولا تزال تبذل محاولات في الداخل والخارج لإيقاف نزيف الدم، وحل الإشكالات على طاولة المفاوضات.

وفي داخل الأرض المحتلة كان عام 1986 عام الحجارة والسكاكين، فقد واصل الفلسطينيون العزل من السلاح مقاومتهم للعدو، وتصادموا مع قواته الباغية، مستعملين ما أتوا من حجارة وسكاكين وخناجر؛ للإجهاز على بعض أفراده، فقد تزايدت هذا العام عمليات الطعن بالسكاكين إلى جانب العمليات الفدائية الأخرى، ومما يشرف المرأة الفلسطينية أن إحدى عمليات الطعن نفذتها أم لعشرة أطفال تسمى ميسر؛ حيث طعنت في 14 سبتمبر 1986 أحد جنود العدو، واستشهدت بعد أن أطلق الرصاص عليها زميل الجندي المطعون. وفي 15 أكتوبر نفذ الفدائيون أجرأ عملياتهم لهذا العام بالقرب من حائط البراق بالقدس المحتلة، وأعلنوا بصوت القنابل اليدوية المدوي، والتي أسقطت أكثر من 70 قتيلًا وجريحًا باعتراف العدو أن الثورة الفلسطينية لم يصبها الشلل رغم كل ما حل بها من محن، وأنها قادرة على ضرب العدو الضربات الموجعة.

وإذا كان عام 1986 هو عام المحن وعام التحديات بالنسبة للفلسطينيين فالمأمول أن يكون عام 1987 عام توحيد الصف وإعادة اللحمة الجماهيرية والقتالية لمنظمة التحرير الفلسطينية؛ حتى تواصل مسيرتها من أجل استعادة حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، ولن تتحقق الأماني المطلوبة إلا إذا كان الجهاد الإسلامي هو الشعار العملي للمنظمات الفلسطينية.

عام الحملات لوصم العرب بالإرهاب:

سيسجل التاريخ أن عام 1986 شهد ذروة الحملات الأمريكية والغربية؛ لإلصاق تهمة الإرهاب بكل ما هو عربي، وإقناع الرأي العام العالمي بها، ولا غرابة أن تعمل إسرائيل على تنشيط تلك الحملات بكل ما أوتيت من مكر وخديعة، وهي التي قامت أصلًا على الإرهاب، ولم تكف عن ممارسته محاولة تصوير المقاومة الفلسطينية بأنها إرهاب واعتداء على المسالمين، وإذا ما ظهر صوت حر ينادي بضرورة تحكيم العقل، والفصل بين الكفاح الوطني والعلم الإرهابي، والتفريق بين الأسباب والنتائج والبحث عن جذور الإرهاب سارعت الأجهزة الصهيونية لإسكاته، بل إنها أحيانًا تلفق له تهمًا، وتفتعل له ماضيًا مدانًا حتى تسقطه مثلما فعلت، ولم تفلح مع كورت فالدهيام عندما اتهمته بأنه نازي قديم، ولا حاجة لنا للرد على الادعاءات الإسرائيلية فأعمالها وحدها تسفه تلك الادعاءات وتبطلها، وقد استهلت حكومة العدو عام 1986 بعمل إرهابي خرقت به كل الاتفاقيات الدولية عندما اعترضت طائراتها الحربية في 4 فبراير طائرة عربية مدنية، وأجبرتها على الهبوط في قاعدة عسكرية بالأرض المحتلة، ظنًّا منها أن بين ركاب الطائرة قادة فلسطينيون، ولكنها لم تعثر على أحد من أولئك القادة التي كانت تنوي إلقاء القبض عليهم.

فصل آخر من مسرحية وصم العرب بالإرهاب قامت بدور البطولة فيه بريطانيا على إثر محاكمة مواطن عربي يدعى نزار هنداوي، والذي اتهم بمحاولة تفجير طائرة ركاب إسرائيلية في أبريل، ورغم اتهام هنداوي للموساد بتخطيط العملية وفبركتها بالإضافة إلى شهادة صديقته التي أوضحت رجل الأمن الإسرائيلي أخذ حقيبتها، وغاب بها لفترة طويلة، وعاد وبها المتفجرات.

ولم تكد تنته ضجة محاكمة نزار هنداوي حتى جاءت موجة الانفجارات في باريس، فاستغلتها الصهيونية واليمين الفرنسي؛ لتأليب الرأي العام الفرنسي على العرب باعتبار أن السلطة الفرنسية تشك في أن المتسببين فيها هم جماعة من اللبنانيين، وقد أدى ذلك إلى قلق الجاليات العربية الموجودة في فرنسا خصوصًا بعد أن بدأت حكومة الشراكة بين اليمين واليسار بقيادة شيراك تتجه اتجاهًا جديدًا يمتاز بالتشدد في تعاملها مع المهاجرين العرب، ولا سيما المغاربة، ويتفق هؤلاء المهاجرون على اعتبار عام 1986 عام التشدد وفرض قيود جديدة، بعضها بسبب الظروف الأمنية، وبعضها بسبب إلقاء مسؤولية المشاكل الفرنسية كالبطالة وغيرها على الأجانب.

مفاجآت عام 1986

بالإضافة إلى ما تحدثنا عنه من سمات اتسم بها عام 1986 فيما يخص منطقتنا لا بد أن نذكر بعض الأحداث التي فاجأتنا خلال هذا العام، ونقتصر على أهم حدثين، وهما في رأينا اندلاع الصراع المسلح بين أجنحة الحزب الحاكم في اليمن الجنوبي، ولقاء إيفرن بين الملك الحسن الثاني وشيمون بيريز.

قتال اليمن الجنوبي:

منذ بدايته فاجأنا عام 1986 بأحداث غير سارة، فقد تفجر يوم 12 يناير صراع دموي رهيب بين جناحين متنافسين على السلطة ضمن المكتب السياسي للحزب الحاكم في اليمن الجنوبي، وأدى الاقتتال بينهما، والذي دام حوالي 12 يومًا إلى سقوط الآلاف الضحايا من بينهم أعضاء في المكتب السياسي، وهم عبد الفتاح إسماعيل، وعلي عنتر، وهادي شايع.

من خلال ما تقدم من استعراض لأهم ما ميز عام 1986، وبتوقفنا بين المحطات الرئيسية فيه لا بد أن نلحظ أنه رغم المفاجآت غير السارة ورغم المآسي، التي تلف منطقتنا فإن شعوبنا مصرة على الصمود في وجه العواصف، وقد أصبحت أكثر عنادًا في تخطيها للمصاعب ورفعها للتحدي، ولا بد أن يكتب لما يبذل من جهود خيرة سواء في العام الجديد أو فيما سيليه من أعوام النجاح؛ لأننا أمة لا تعرف اليأس، وأمة مصرة على أن تحيا حرة كريمة، ولكن سيبقى ثمة حقائق بارزة انكشف في هذا العام نوجزها فيما يلي: 

1- افتضاح اللامصداقية الأمريكية، وانكشاف أكذوبة «أمريكا راعية السلام».

2- التعاون بين العدو الإسرائيلي وحكومة الولايات المتحدة الأمريكية في الإضرار بالعرب، وتشويه صورة الإنسان العربي في المجتمعات الدولية.

3- محاولات أمريكا وإسرائيل وحلفائهما تأزيم الأوضاع المتعلقة بالعالمين العربي والإسلامي، وصب الزيت على النار في كل مكان مشتعل أو قابل للاشتعال.

4- تعاون أمريكا والعدو الإسرائيلي؛ لتصفية الإنسان الفلسطيني سواء كان ذلك في مخيمات لبنان أو في الأرض المحتلة.

5- إصرار الشعب العربي ولا سيما شعب فلسطين المسلمة على مواجهة المؤامرات والدسائس وكشفها، فضلًا عن التصدي المشرف الذي شهدته الأرض المحتلة طيلة عام 1986.

وإذا انقضى عام آخر، ترى ماذا يحمل العام الجديد للعالمين العربي والإسلامي، هذا ما ستكشف عنه أيام العام الجديد.

الرابط المختصر :