العنوان 6 ملفات معقدة تنتظر بوتفليقة في قصر المرادية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-أبريل-1999
مشاهدات 75
نشر في العدد 1347
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 27-أبريل-1999
جاءت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في الجزائر لتعيد ترتيب موازين القوى في السلطة بشكل أنهى مرحلة الخضوع لضغوط المواقف الخارجية على حساب مصالح البلاد الإستراتيجية، وهي المواقف التي كان يعبر عنها بوتفليقة خلال حملاته الانتخابية والتي كانت تركز على ضرورة تجاوز «السيادة المحدودة» للدولة.
وهي معطيات تُفسِّر إلى حدِّ ما حدة الموقف الفرنسي والأمريكي من الرئاسيات بشكل لم يخف معه عدم رضا هذه الدول عن صعود بوتفليقة الذي يمثل- حسبها- نوعاً من الراديكالية في المجال الدبلوماسي، الأمر الذي لا يريح إلى حد ما عواصم مثل واشنطن وباريس.
و في تقدير عدد من المراقبين سيكون أمام الرئيس الجديد عبد العزيز بوتفليقة بعد تسلمه المهام من اليمين زروال ٦ ملفات أساسية بعضها معلق وآخر محظور، وسيكون مطالباً بالتعامل معها، وبالتالي تحمل التأثيرات التي قد تفرزها على مستوى علاقاته بمؤسسات الدولة والمجتمع. ولتفادي التأثيرات العكسية لوقع هذه الملفات «المعقدة» على الرئيس الجديد فقد فضل بوتفليقة أن يشكل تحالفاً سياسياً أو «كوموندوس سياسي»، حسب تعبير الشيخ محفوظ نحناح رئيس حركة مجتمع السلم، والذي سيضطلع بمسؤولية تحمل الهزَّات التي قد يفرزها التعامل مع مثل هذه الملفات، وهذا على مستوى المجالس المنتخبة مثل البرلمان وهياكل الدولة الأخرى التي ستخضع لمنطق توسيع قاعدة الحكم.
أبرز هذه الملفات ما يعرف بـ«الهدنة» مع جماعة الإنقاذ، حيث يتوقع أن يعطي بوتفليقة الشرعية السياسية والقانونية وكذا الأخلاقية لهذا الملف الذي أشرفت عليه مؤسسة الجيش وحقق نتائج إيجابية تمثلت في توقف عدد معتبر من المجموعات الإرهابية عن عملياتها المسلحة منذ أكتوبر ۱۹۹۷م.
وفي هذا الإطار يتوقع أن يحيل عبد العزيز بوتفليقة إلى البرلمان مشروع عفو شامل يخص المسجونين السياسيين، وكذا الإطارات المسجونة، ويشمل كذلك الذين تابوا من العمليات الإرهابية وخضعوا لنداء الهدنة.
ويصاحب هذا الملف من الناحية السياسية السماح بتشكيل حزب سياسي مقرب من جبهة الإنقاذ المنحلة، وتُرجِّح عدة أوساط أن يكون أحمد طالب الإبراهيمي صاحب هذه المهمة ضمن خطة شاملة تهدف إلى فتح فضاء سياسي لأنصار «جبهة الإنقاذ الإسلامية» للتعبير عن تصوراتهم داخل الجزائر لكن وفق قواعد لعبة جديدة.
أما الملف الثاني فيتعلق بالحوار مع مختلف الشركاء السياسيين ويتوقع في هذا الجانب أن يعمد بوتفليقة إلى توسيع نظام الحكم من خلال إحداث حركة واسعة في دواليب الدولة وأجهزتها بما في ذلك تَوْلِيَة شخصية مدنية على رأس وزارة الدفاع الوطني.
وترتكز هذه الحركة في التعيينات على مراعاة توازن التمثيل وتوسيعه لمختلف الأحزاب والحساسيات في أجهزة الدولة ضمن استراتيجية شاملة إلى تأطير التوترات السياسية ومعالجتها في هياكل الدولة خصوصاً أن حدة الإصلاحات المقبلة تتطلب إشراك الأحزاب وتحميلها تبعات هذه القرارات.
ولتفادي الوقوع في فخ التعيينات المستعجلة وغير المدروسة فضل الرئيس الجديد تأخير التغيير الحكومي، وكذا تقديم برنامجه الرئاسي إلى ما بعد القمة الإفريقية الـ٣٥ التي ستنعقد بالجزائر في يوليو المقبل.
أما الملف الثالث فيتصل بمكافحة المافيا المالية والسياسية والتي ظلت تشكل هاجساً حقيقياً لكل من يعتلي الرئاسة في الجزائر، وقد سبق أن ذهب الرئيس الراحل محمد بوضياف ضحية تبعات هذا الملف المعقد والذي يشمل مجموعات تهريب واسعة النشاط والتحرك ذات صلة بتجارة السلاح خصوصًا في المناطق الحدودية وبالجنوب.
وغير بعيد عن هذا الملف، سيجد الرئيس الجديد فوق مكتبه ملف المديونية الخارجية والعلاقات المالية مع النوادي المالية الدولية والتي ستزداد أهميتها مع الأشهر القادمة حيث سترتفع نسبة مستحقات هذه الدول من الإيراد الوطني العام من العملة الصعبة وبالتالي فإن خطورة هذا الملف ستتحدد أكثر مع التغيرات التي قد تحصل مستقبلًا على مستوى أسعار النفط التي تبقى المورد المالي الأساسي للجزائر.
وبالمقابل سيكون ملف الشراكة الاقتصادية والمالية ذا أهمية خاصة للرئيس بوتفليقة الذي سيجد نفسه مجبرًا على فتح السوق الجزائري واتخاذ قرارات أكثر جرأة بما في ذلك إعطاء ضمانات دولية للمستثمرين وهي الفكرة التي ركز عليها كثيرًا في حملته الانتخابية. بالنسبة لعلاقات الجزائر الخارجية فالملف سيكون محل دراسة من جديد حيث يتوقع أن يرسم بوتفليقة معالم سياسته الخارجية في القمة الإفريقية التي ستنعقد بالجزائر بعد ثلاثة أشهر والتي سيصبح بعدها رئيس منظمة الوحدة الإفريقية لمدة سنة.
وستكون مسألة إعادة تأهيل الدبلوماسية الجزائرية خارجيًا محل بحث مع مختلف الدول سيما العواصم الكبرى لرفع الحصار المفروض على الجزائر وفق منطق «السيادة المحدودة» والتي تجلت بوضوح منذ إلغاء المسار الانتخابي في ١٩٩٢م.
قلق فرنسي وخيبة أمل أمريكية من رئاسيات الجزائر
جاءت مواقف العواصم الغربية على خلاف ما كان متوقعاً بسبب التصريحات الحادة التي وجهها بوتفليقة لكل من أمريكا وفرنسا على الخصوص، ومباشرة بعد فوزه في الانتخابات أعربت فرنسا عن انشغالها العميق من صعود بوتفليقة للرئاسة، وإلى ما آلت إليه الرئاسيات في الجزائر.
و في رده على الموقف الفرنسي أكد عبد العزيز بوتفليقة أن «على فرنسا أن تتوقف عن جعل الجزائر موضوع اهتمام» وشدَّد بوتفليقة خلال ندوة صحفية عقدها بالجزائر يوم الجمعة قبل الماضي على الدفاع عن مصالح الجزائر السياسية والاقتصادية مؤكدًا معارضته لأية محاولة تدخل في الشؤون الداخلية للبلاد، وحذر من مغبة «بقاء العلاقات على هذه الكيفية التي تكرس الوصاية التي نرفضها جملة وتفصيلًا وعلى أهل باريس الانشغال بما يعنيهم والكف عن الاهتمام بالجزائر».
من جانبه رفض الناطق باسم وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية «الحكم» الذي ورد من وزارة الشؤون الخارجية الفرنسية حول الانتخابات الرئاسية وأوضح الناطق باسم وزارة الشؤون الخارجية في تصريح له أن الحكومة الفرنسية ارتأت أن من واجبها الإعراب عن انشغالها بالوضع السائد في الجزائر، مضيفًا: «نحن نرفض هذا الحكم الذي لا يمكن تبريره كونه يشكل تدخلًا مرفوضًا في الشؤون الداخلية لبلادنا». وخلص التصريح إلى القول «فيما يخص الخيار الديمقراطي الذي تم فإن تحقيقه يتوقف على إرادة الشعب الجزائري دون سواه بعيدًا عن أي تحذير أو دروس خارجية نرفض تلقيها» وردًا على تصريحات كاتبة الدولة الأمريكية حول الانتخابات الرئاسية في الجزائر والذي حمل خيبة الأمل الأمريكية مما حدث في الجزائر اعتبرت الجزائر الموقف الأمريكي غير مؤسس وغير لائق.
وأعربت الحكومة الجزائرية عن رفضها الادعاءات التي يقوم عليها هذا الموقف الذي يشكل تدخلًا مرفوضًا فى شؤون بلادنا الداخلية مضيفًا بأن «الجزائر تظل مفتوحة للتعاون القائم على أساس الاحترام المتبادل والمصلحة المتبادلة لن تقبل أبدأ الدروس الواردة من الخارج فيما يخص تسيير شؤونها الخاصة.
إن بناء الديمقراطية وإجراء الإصلاحات في الجزائر يعتبران خيارًا قام به الشعب الجزائري وإن تحديد السياسات اللازمة لتحقيق هذا الخيار من صلاحيات المؤسسات التي اختارها.
وفي تصريح معاكس للتوجه الأولي للحكومات الغربية وصف رئيس الدبلوماسية الفرنسية الأسبق كلود شيسون الرئيس الجديد المنتخب السيد عبد العزيز بوتفليقة بأنه «رجل قناعة»، يحظى بهيبة دولية أكيدة «وروح استقلالية»، «وقدرة فائقة على التعبير». وقال الدبلوماسي الفرنسي: «لقد عرفته بمقر منظمة الأمم المتحدة حيث كان من بين القادة البارزين لحركة عدم الانحياز والساحة الدبلوماسية الدولية وهو معروف بروح الاستقلالية والقدرة الفائقة على التعبير». وأكد السيد شيسون بقوله «ويبدو لي أنه من المهم جدًا الآن أن تقيم فرنسا في أقرب وقت ممكن علاقات وثيقة مع الرئيس الجديد».
وعن طبيعة الاقتراع يرى كلود شيسون أن تنظيم انتخابات رئاسية أمر «جد مهم» مضيفًا «أن الجميع اعترف بأن الحملة الانتخابية تمت في ظروف تميزت بحرية الكلمة وحرية التعبير بالنسبة للصحافة اعترف الجميع بذلك فهو واقع يجب أن نعتز به».
وألح بأن «هذا الانتخاب لا ريب مرحلة جيدة في تطور الجزائر فلأول مرة تقدم مدني إلى جانب مدنيين آخرين في اقتراع رئاسي ولا يمكن أن ينكر أحد أن الجزائر شهدت تقدمًا مهمًّا في توجهها نحو الديمقراطية».
بوتفليقة سأعطي الشرعية للهدنة مع الإنقاذ وأوقف الفتنة في الجزائر
الجزائر – المجتمع: عبر عبد العزيز بوتفليقة عن قناعته بأنه يمثل الشعب الجزائري بأغلبيته موضحًا: «سأحكم البلاد بشرعية الشعب دون سواه»، وخلال لقاء إعلامي مباشرة بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية أكد بوتفليقة أنه «في الدول الديمقراطية مثل فرنسا أو السويد يحكم الرئيس بأغلبية ٥١٪ وأنا تحصلت على نسبة ٧٤٪». ولم يُخفِ في سياق حديثه تقديره للرئيس اليمين زروال الذي «دخل التاريخ بقراره نقل البلاد من الشرعية الثورية إلى الشرعية الشعبية» واعتبر ذلك انتصارًا تاريخيًا يسجل لصالح زروال.
ولدى تناوله مسألة انسحاب المرشحين الستة من سباق الرئاسيات وتأثير ذلك على الوضع السياسي الراهن قال: «لقد دخل السباق سبعة مرشحين وتوقف ستة عن السباق وبالتالي فإن السابع هو الرئيس».
وبعد أن عبر عن احترامه لمواقف المرشحين المنسحبين من نتائج الانتخابات أوضح المرشح الفائز بالرئاسيات «أنا أحترم رأيهم وعليهم احترام رأي أغلبية الشعب الذي صوت علي» وعن كيفية تعامله مع الحركة الاحتجاجية، أضاف: «سأتعامل معها في إطار القانون وسأستعمل صلاحياتي الدستورية دون زيادة أو نقصان». وعن مصير الحكومة الائتلافية قال بوتفليقة إنه سيحتفظ بالطاقم الحالي الذي يقوده إسماعيل حمداني إلى ما بعد القمة الإفريقية الـ٣٥ المقررة في يوليو المقبل مستبعدًا في سياق حديثه أي نية في حل البرلمان أو المجالس المحلية وبالتالي اللجوء إلى انتخابات مسبقة.
وبالنسبة لملف الخدمة الوطنية الموجود حاليًا على مستوى الحكومة فضل المتحدث إعادة دراسة الموضوع من جديد على أساس رؤيته للملف والتي تشمل من الناحية الأولية تقليص الخدمة إلى ۱۲ شهرًا لمن يريد التجنيد أو ٢٤ شهرًا لمن يفضل الخدمة المدنية والتي يتم توسيعها لمختلف القطاعات وأجل الحديث عن بقية التعديلات الأخرى إلى غاية بلورة لجنة مختلطة تتكون من ضباط في الجيش لتحديد الخطوات المقبلة لإدخاله ميدان الاحترافية. ولدى تناوله ملف الهدنة قال المرشح الفائز في الرئاسيات سأعطي الملف الشرعية السياسية والقانونية، مشيرًا إلى أنه سيستغل كل باب مفتوح لوقف النزيف الدموي، وعن إمكانية إقراره حالة عفو عام كخطوة لوقف النزيف الدموي لم ينفِ المتحدث مثل هذا الخيار وأضاف أن مثل هذا القرار يكون من صلاحيات البرلمان أو الرئيس في حالة لجوئه إلى استفتاء شعبي.
وبشأن موقفه من تعيين شخصية مدنية في منصب وزير الدفاع قال بوتفليقة: «لديَّ الصلاحيات الدستورية وسأمارس صلاحياتي وأتخذ القرار المناسب والرجل المناسب في المكان المناسب».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل