العنوان «أبو حصيرة» حائط مبكى لليهود في مصر
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-فبراير-1999
مشاهدات 84
نشر في العدد 1337
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 09-فبراير-1999
الداخلية المصرية طلبت تأجيل المولد بعد رمضان فأثار اليهود أزمة دبلوماسية
القاهرة: محمد جمال عرفة: في عام ١٩٠٧م كان يعيش في مصر حوالي عشرة آللفيهودي يتركزون في القاهرة والإسكندرية، وكان عدد كبير منهم يعملون في تجارة المنسوجات والساعات وتصليح الأحذية، ويتجولون في القرى المصرية في الشمال والصعيد لبيع منتجاتهم في ذلك العام.
ادعى بعض هؤلاء اليهود الذين كانوا يتجولون في قرية «دميتوه» القريبة من الإسكندرية أنه يوجد في منطقة المقابر التي تقع على ربوة عالية، وتضم رفات بعض اليهود مقبرة الحاخام يهودي من أصل مغربي، يدعى أبو حصيرة، واسمه الأصلي أبو يعقوب، وأنه من أولياء الله في زعمهم وله «كرامات» مشهودة.
ومنذ ذلك العام بدأ يتوافد على القرية في الفترة من ١٧ ديسمبر وحتى أوائل يناير عدد يعد على أصابع اليد من اليهود؛ للتبرك بهذا الحاخام الذي ذاع صيته بين اليهود.
ومنذ عام ۱۹۷۸م وعقب توقيع اتفاق كامب ديفيد بدأ اليهود يطلبون رسميًا تنظيم رحلات دينية إلى هذه القرية للاحتفال بمولد أبو حصيرة الذي يستمر قرابة (15) يومًا، وبدأ عددهم يتزايد من بضع عشرات إلى بضع مئات ثم بالآلاف، حتى بلغ عددهم قبل عامين قرابة عشرة آللف، ومع الزيادة العددية توسع أسلوب الاحتفال من مجرد الجلوس عند المقبرة وذكر بعض الأدعية والتوسلات، إلى البكاء خصوصًا من العجائز الطالبين الشفاء من مرض ما، وذبح أضحيات غالبًا ما تكون خرافًا أو خنازير، وشرب الخمور أو سكبها فوق المقبرة ولعقها بعد ذلك، والرقص على بعض الأنغام اليهودية بشكل هستيري وهم شبه عرايا بعد أن يشقوا ملابسهم، وحركات أخرى غير أخلاقية.
من الطبيعي أن تشهد المقبرة توسعًا مع تزايد عدد القادمين حتى تم كسوة الضريح بالرخام والرسوم اليهودية خاصة عند مدخل القبر، ثم بدأ ضم بعض الأراضي حوله وبناء سور، ثم منشآت أشبه بالاستراحات عبارة عن غرف مجهزة، واتسعت المقبرة من مساحة (٣٥٠) مترًا لتصبح (٨٤٠٠) متر، وبدأت التبرعات اليهودية تنهال لتوسيعها وتحويلها إلى مبكى جديد لليهود الطالبين الشفاء أو العلاج من مرض، حتى أن "إسرائيل" قدمت معونة مالية للحكومة المصرية طالبة إنشاء جسر يربط القرية التي يوجد بها الضريح بطريق علوي موصل لمدينة دمنهور القريبة؛ حتى يتيسر وصول اليهود إليها، وأطلقوا على الجسر أيضًا اسم أبو حصيرة، ومع الوقت تحول أبو حصيرة إلى مسمار جحا لليهود في مصر، ومع زيادة أعداد الزوار كانت تزداد الإجراءات الأمنية المصرية حتى وصل عدد الجنود والضباط الذين شاركوا في تأمين مكان احتفال اليهود العام الماضي أكثر من (۱۰) آلآف جندي وضابط غير عشرات السيارات، كما أصبح الاحتفال يرتبط بفرض قيود مشددة على أهالي القرية تصل إلى إغلاق الكثيرين محال تجارتهم، ومنع دخول السيارة للقرية، ومنع دخول المصريين باستثناء أهالي القرية بعد إبراز هوياتهم للشرطة، وحتى إغلاق بعض المدارس القريبة من المقبرة لاستخدامها أماكن لتواجد قوات الأمن وإعطاء الطلاب إجازة.
دعاوي قضائية:
وقد دفع هذا الوضع غير الطبيعي بعض المحامين المصريين لرفع قضايا أمام المحاكم للمطالبة بهدم المقبرة وتسويتها بالأرض، باعتبار أن اليهود الذين يشاركون في الاحتفال حولوا القبر لحائط مبكى، كما أنهم يقومون بأداء طقوس تنطوي على مظاهر مبتذلة وغير أخلاقية، مثل: الرقص بجنون، وشق الجيوب، والبكاء والصراخ، وسكب الخمور، وهي عادات تخالف الإسلام، كما تصدم مشاعر أهل القرية إلا أن القضية تأجلت مرات عدة.
ويقول المحامي مصطفى رسلان الذي رفع الدعوى الأخيرة إن سفارة "إسرائيل" رفضت استلام إعلان الدعوى التي أقامها لإزالة قبر أبو حصيرة، ودعا فيها رئيس وزراء "إسرائيل" وسفيره في القاهرة لاستلام رفات أبو حصيرة التي يشكك المصريون في وجوده «أصلًا» ورفات من هو مدفون من اليهود في المقبرة.
أزمة دبلوماسية:
وكاد "الإسرائيليون" يتسببون في أزمة دبلوماسية حادة مع مصر بسبب احتفال هذا العام، فقد تواكب موعد هذا الاحتفال مع حلول شهر رمضان المبارك، وما قد يمثله الاحتفال -بما يتخلله من شرب الخمور وعربدة وانحلال- من إثارة لمشاعر الصائمين.
ولذلك أبلغت وزارة الداخلية المصرية السفارة "الإسرائيلية" تأجيل الاحتفالات لما بعد عيد الفطر؛ أي لمدة شهرين تقريبًا، بيد أن السفارة رفضت وشهرت سلاح حرمان اليهود من ممارسة شعائر دينهم.
وكانت المسألة تتحول لأزمة دبلوماسية حادة، وكان العام الماضي قد شهد حلًا وسطًا مماثلًا؛ حيث تم تأجيل الاحتفالات لمدة ثلاثة أسابيع؛ وبدؤها في ١٧ من يناير الذي واكب يوم ١٩ رمضان.
وقد حرص الصهاينة على لفت الأنظار إليهم، وتضخيم الاحتفال لدرجة استقدام طائرة خاصة لمطار الإسكندرية تحمل وفدًا كبيرًا من الحاخامات اليهود، ومعهم وزير الأديان والعمل، وسبعة من أعضاء الكنيست، كما توافد اليهود على القرية بأعداد كبيرة تقدر بنحو ثلاثة آلاف يهودي.
وقد أثارت هذه الممارسات سكان القرية المسلمين الذين أبدوا سخطهم من محاولات الصهاينة للتوسيع المستمر للمقبرة، وتحويلها إلى مستعمرة عن طريق السعي لشراء الأراضي المجاورة لها؛ إذ إن هناك محاولات مستمرة لشراء أراض جديدة مجاورة للمقبرة، بحجة إقامة فندق ومطعم بجوار المقبرة لسكن اليهود الذين يحضرون للتبرك بالكاهن اليهودي المزعوم.
فهل يتحول أبو حصيرة تدريجيًا من مجرد مقبرة مهملة لا يعرف أحد من فيها بالفعل، وليس لها تاريخ معروف إلى حائط مبكى جديد لليهود في مصر؟