العنوان «أبيي» قصه الصراع بين صاحب الأرض وضيوفه
الكاتب محمد حسن طنون
تاريخ النشر السبت 18-يونيو-2011
مشاهدات 56
نشر في العدد 1957
نشر في الصفحة 40
السبت 18-يونيو-2011
دينق ألور المسلم المرتد يقود معسكر التصعيد والاستقواء بالقوى الأجنبية ضد السودان.
القس دان فورث مبعوث بوش للسودان هو من وضع قنبلة «ابيي» الموقوط بإحكام ومهاره لتنفجر في وجه الجميع في الوقت المناسب
مراقبون حكومة البشير لن تعترف بدوله الجنوب القادمة في التاسع من يوليو ما دام سلوك الحركة ليس مستقيما مع نصوص الاتفاقية
العامل الاساسي في قضيه ابيي ان الحركة الشعبية تعاني من انقسام حاد للغاية في كيفيه التعامل مع القضية
في الوقت الذي كانت فضائيات وصحف وأجهزة إعلام الحضارة الغربية المادية منشغلة بالنبوءة الكاذبة لأحد القساوسة الدجالين التي ادعى فيها أن الخميس (۲۱) مايو (۲۰۱۱م) هو يوم القيامة، كان المؤمنون في السودان الذين يعلمون من كتاب ربهم أن الساعة علمها عند الله لا يعلم توقيتها إلا هو يضحكون من ضحالة ثقافة الغربيين، ولكنهم فوجئوا بأن قوات الجيش الشعبي التابعة للحركة الشعبية التي تحكم جنوب السودان قد نصبت كميناً غادراً للقوات السودانية الشمالية مما أدى إلى استشهاد ٢٢ جندياً في لحظة واحدة غير عشرات الجرحى.
جاءها جنوبيون فراراً من القمع فاستضافتهم قبيلة المسيرية بكرمها العربي.. فإذا بالضيوف يستولون على الأرض التي اوتهم وأكرمتهم.
ما كان أحد يتوقع أن يمر مثل هذا الحادث بسلام لا من الجيش. بعد حادثة الكمين تسارعت الأحداث في «أبيي»، وهي المنطقة المتنازع عليها بين الشمال والمسيرية العرب من جهة، وحكومة الجنوب ودينكا نقوك من جهة أخرى.. حيث أعلنت القوات المسلحة أن المنطقة منطقة حرب، ثم ما لبث الجيش السوداني أن نشر قواته في كل أرجاء المدينة بكل سهولة ويسر، إذ فر جنود الجيش الشعبي دون أدنى مقاومة لتبسط القوات المسلحة سيطرتها الكاملة على كامل المدينة بعد أن صبرت على تصرفات جيش الحركة الشعبية كثيرا حتى تولد دولة الجنوب في 9 يوليو القادم بطريقة سلسة دون إراقة دماء، لكن للصبر حدوداً.
كيف؟ ولماذا كانت أزمة أبيي ؟ وما هي حقيقة المشكلة؟
التاريخ القريب يقول: إن السودان نال استقلاله في أول يناير ١٩٥٦م بحدوده الجغرافية الحالية، وكانت المديريات الجنوبية الثلاث معروفة بحدودها في عهد الاستعمار وبعد الاستقلال، وعلى أساس حدود ١٩٥٦م أجري الاستفتاء على انفصال الجنوب المرتقب في 9 يوليو من هذا العام أي بعد شهر تقريبا، ولم تكن أبيي» ضمن هذه الحدود أصلا.
عدد سكان منطقة «أبيي» حسب إحصاء عام ١٩٥٥, ١٩٥٦م هو ٦٣٠٠٠ «مسيرية حمر»، و ۵۹۰۰۰ مسيرية زرق و ٣٠٠٠ فقط «دينكا نقوك».
التاريخ البعيد يحدثنا أن أهل المنطقة الأصليين هم قبائل النوبة والشات والداجو والبيقو، وهم من المجموعات الإثنية التي استوطنت في شمال السودان منذ أقدم العصور، وذكر المؤرخ «هندرسون» أن رؤساء هذه القبائل يرجعون أصولهم ونسبهم إلى أحمد الداج العربي الأصل.
بدأت هجرة المسيرية من الغرب إلى المنطقة في أواسط القرن الثامن عشر وسيطروا على جنوب كردفان وامتد نفوذهم جنوباً إلى السهول المليئة بالأعشاب في الضفة اليسرى لبحيرة «أبيض» والرقبة الزرقاء، وهي أحد روافد بحر العرب.
ويحدد أحد الضباط الإداريين الذين عملوا في المنطقة موقع أبيي من ناحية جغرافية، حيث تمتد حدودها جنوب بحر العرب بحوالي ٥٧ ميلا حتى كوبري أبو نفيسة، وبهذه الحدود المتعارف عليها منذ القدم، فإن منطقة أبيي» منطقة شمالية، وهي فرع من فروع مجلس ريفي دار المسيرية.
وتقول روايات المسيرية: إن المنطقة اكتسبت هذا الاسم من حادثة مفادها أن أحد الأعراب كان يستحم في طرف الرقبة الزرقاء، وهرعت إليه ابنته المسيرية التي خافت من شيء في الأحراش المجاورة صائحة: «أبوي ياي.. أبوي ياي ».
كان الموطن الأصلي لـ دينكا نقوك في الجزء الشمالي لوادي الزراف، حيث اضطروا للهجرة منه بعد الهجوم الذي تعرضوا له من قبيلة النوير» ثانية أكبر القبائل الجنوبية، وفي عام ١٩٠٥م ضم الحاكم البريطاني قبائل دينكا نقوك» إلى أبيي ليأمنوا الاعتداءات المتكررة عليهم من قبائل الجنوب بما فيهم الدينكا» من بطون أخرى.
مهما يكن من أمر، فإن «المسيرية» ودينكا نقوك تعايشا كأحسن ما يكون التعايش السلمي، وظلت المنطقة هادئة تماما طوال سنوات الحرب، ولم تشهد المنطقة مواجهات بين طرفي الحرب منذ أن اندلعت حركة التمرد في عام ١٩٥٥م إلى حين توقيع اتفاقية السلام الشامل في ٢٠٠٥م.
«أبيي» أرض إسلام، ومصر من أمصار المسلمين، لم يقل التاريخ أن أحدا غيرهم سبقهم إلى سكنى تلك الديار، بل هم سكانها واستقروا فيها منذ مئات السنين والعرب والمسلمون رعاة يتجولون باحثين عن الماء والكلاً، وأهل الجنوب أهل زراعة ما جاؤوا إلى «أبيي» إلا فرارا من الحروب الدامية التي كانت بين «النوير» و «دينكا نقوك»، حيث جاء هؤلاء وبقوا في ضيافة وحماية «المسيرية».
ولكن من وضع قنبلة أبيي الموقوتة بإحكام ومهارة في شكل بروتكولات أبيي» لتنفجر في وجه الجميع في نهاية الاتفاقية حيث تصبح مشكلة كمشكلة «كشمير» التي أغلب سكانها مسلمون ولكنها ضمت إلى الهند لتكون شوكة حوت في حلق باكستان المسلمة؟
إنه القس دان فورث مبعوث الرئيس بوش للسودان أيام مفاوضات نيفاشا» فقد أوصى بإلحاق أبيي» ببروتكول خاص سمي به بروتكول أبيي يصوت أهلها في استفتاء لتقرير مصيرها، ولكن منذ البروتكول اللعين لم يحدد من الذي له حق الاقتراع على طريقة اليهود في تمييع القضايا مما سبب أزمة، وأرجئ الاستفتاء لتنشب الصراعات المتتالية، ويتم تخريب التعايش السلمي المعهود بين أبناء المنطقة وذهبت القضية لمحكمة العدل الدولية في لاهاي»، ولكنها أخفقت في وضع حل يرضي الطرفين.
الجيش الشعبي كان يرابض بعيداً جنوب بحر العرب، ولكن بعد اتفاقية السلام وجد الجيش الشعبي فرصة للوجود ضمن القوات المشتركة، وتضررت المسيرية» من اتفاقية السلام كثيرا بعد أن كانوا في أمن وأمان أيام حرب الجنوب، صاروا الآن وقودا للصراع.
السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح الآن: هل هناك دلالة للتوقيت لهذا الكمين؟
بعض التحليلات بصرف النظر عن منطقيتها ذهبت إلى أن الأمر فيه استدراج للقوات المسلحة بدخول «أبيي» تمهيدا للتدخل الدولي، وتفويض قوات الأمم المتحدة واليونيميس» الموجودة تحت الفصل السابع وفرض التراجع على القوات المسلحة وتسليم «أبيي» لحكومة الحركة الشعبية في الجنوب، علما بأن الحركة الشعبية لا تجرؤ على حرب حقيقية مع الشمال، ولكنها تعمد على التصعيد بقدر يتيح للتدخل الدولي.
العامل الأساسي في قضية «أبيي» أن الحركة الشعبية تعاني من انقسام حاد للغاية في تصورها للموقف في «أبيي». وكيفية التعامل مع القضية.. أولاد أبيي» في الحركة الشعبية وعلى رأسهم وزير الخارجية السابق دينق ألور المسلم المرتد الذي كان اسمه أحمد حسن، وانضم الحركة التمرد بعد إكمال دراسته الجامعية في القاهرة مبدلا دينه واسمه ومعه مجموعة أولاد قرنق والأمين العام باقان أموم يقودون معسكر التصعيد والاستقواء بالقوى الأجنبية، لا سيما وأن ألور» هذا ذهب في الوقت نفسه إلى واشنطن يدبر مع الأمريكيين كيفية توجيه ضربة في أبيي» لتوريط الخرطوم ثم تتدخل الأمم المتحدة.
في المقابل، هناك مجموعة أخرى ذات وزن أكبر ومقدر من قيادات الحركة تعارض تواجه أولاد أبيي وأولاد قرنق، ولا يريدون التصعيد مع الشمال لضمان إعلان الدولة واعتراف الشمال بها، إذ إن أي عمل عدائي ضد الشمال سيعقد ميلاد الدولة المرتقبة.
كل المراقبين يعلمون علم اليقين أن حكومة «البشير»» لن تعترف بدولة الجنوب القادمة في التاسع من يوليو ما دام سلوك الحركة ليس مستقيما .. إن مطلوبات الاعتراف ليست متحققة لأن تصرفات الجيش الشعبي تصرفات عدائية ضد الدولة التي يطلب منها الاعتراف بالدولة الجديدة، فالمواجهات الحالية تؤكد أن هذه الحركة عدوة للشمال كله لا للقوات المسلحة وحدها، فلا يمكن أن يقبل أحد التنازل عن السيادة على أرض هي شمالية بحكم التاريخ والجغرافيا .
وإذا لم تعترف حكومة السودان بدولة الجنوب فسيعرقل عدم الاعتراف هذا اعتراف دول أخرى حيث ستحجم دول كثيرة عن الاعتراف منها بالطبع دول الجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي وكثير من دول أفريقيا، ولربما استطاعت الحكومة السودانية التأثير على دول أوروبية وأمريكا اللاتينية.
ربما أدركت المجموعة المناوئة لأولاد قرنق في الحركة الشعبية خطورة الموقف فقد وجه مجلس وزراء حكومة الجنوب بإيفاد وفد إلى الخرطوم برئاسة نائب رئيس الحكومة رياك مشار» لإجراء مفاوضات مع حكومة السودان لوضع حلول ناجعة للقضايا العالقة خاصة قضية أبيي»، وأكدت حكومة الجنوب أنها ترغب في استمرار الحوار بين الشريكين من أجل نزع فتيل الأزمة التي تعصف بالبلاد.
قضية «أبيي » دخلت النفق المظلم منذ أن لعب السناتور القس جون دانفورث لعبته القذرة، وقدم مبادرته المفخخة وأدخلت منطقة شمالية جاءها جنوبيون فرارا من القمع واستضافتها القبيلة الشهمة بكرم معروف عن القبائل العربية، ليستولي هؤلاء الضيوف على الأرض التي أوتهم وكرمتهم، ومكنت بروتكولات أبيي الحركة الشعبية من الوجود على الأرض لتفرض واقعا جديدا ما كان موجوداً أصلا. فأصبح الضيوف أصحاب الأرض - والسكان الأصليون غرباء تماما كما الحال في فلسطين المحتلة..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل