; «أنزلوا الناس منازلهم» | مجلة المجتمع

العنوان «أنزلوا الناس منازلهم»

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 19-يناير-1993

مشاهدات 38

نشر في العدد 1034

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 19-يناير-1993

«أنزلوا الناس منازلهم»

بقلم: محمد الشيخ حسين - الأحساء - الهفوف

نرى بحمد الله كثيرًا من الدعاة العاملين للإسلام من زاده الله بسطة في العلم والجسم وحباه من صفات الطيبة والسماحة والحلم وآداب جمة يصعُب حصرها وفتح عليه من كنوز العلم والحفظ لكثير من المتون في شتى الفنون ووفقه للدعوة إلى الله سنوات متواصلة؛ إلا أنه مع ذلك كله لا يتقن فن التعامل مع الآخرين وحسن مخالطتهم، فأمر العلاقات الاجتماعية أو العامة لديه مهمل، فهو يعامل الجميع بأسلوب واحد ويتكلم معهم بطريقة متماثلة ويعاملهم بنفسية متشابهة، فلا اعتبار لمقام أحد منهم أو سنه أو وجاهته أو هيبته، وهذا ما يثير حفيظة البعض بالسخرية والتهكم منهم على هذا الداعية، بل تبلغ الجرأة ببعضهم أن يصفه بالسذاجة التي نسميها في المصطلح الدعوي: غفلة الصالحين؛ لنخفف من شأنها.

 إن ما يحز في النفس أن هذا الداعية مهما تدرج في سلك الدعوة إلى الله سيظل قاصر النظر وغير مؤهل لقيادة العمل الإسلامي والارتقاء به ما دامت هذه الصفة تلازمه؛ وسبب ذلك فقدان الوعي التام بالقاعدة التربوية النبوية: «أنزلوا الناس منازلهم»، ونحن لا نشك أن الداعية قد علم بها وقرأ عنها، وإنما نشك أنه طبقها وعمل بها بصورة سليمة..

 ولو ذهبنا نتأمل تاريخيًا في هذه القاعدة لوجدنا شواهدها كثيرة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فسبب ورود هذا الحديث أن عائشة رضي الله عنها مر بها سائل فأعطته كسرة، ومر بها آخر عليه ثياب وله هيئة فأقعدته فأكل، فقيل لها في ذلك، فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنزلوا الناس منازلهم»«1» (أخرجه أبو داود).

وعن أنس رضي الله عنه قال: جاء شيخ يريد النبي صلى الله عليه وسلم فأبطأ القوم أن يوسعوا له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا»«2» (أخرجه الترمذي).

وتأمل في قول الباري عز وجل لموسى وأخيه: ﴿اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ (طه: 43- 44) فندرك أن الله سبحانه وتعالى أعطى أمر المقام والسلطان قولًا يناسبه كي تتم الاستجابة المطلوبة، وانظر إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم للأنصار في قضية تحكيمه سعد بن معاذ في بني قريظة لما قدم سعد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قوموا لسيدكم»«3» ألا يدل ذلك على تعليمه صلى الله عليه وسلم لصحابته أن يقدر صغيرهم كبيرهم وشبابهم شيوخهم فيحفظ لصاحب الفضل فضله، ولصاحب الجهاد جهاده وبلاءه، بل أنعم النظر في سيرته صلى الله عليه وسلم مع خصومه فستجده أنه يستمع إليهم بإنصات وهم كفرة فجرة جاءوا بالباطل؛ ومع ذلك يستمع إليهم ويرد عليهم بالرد الحاسم الحازم؛ فعندما جاء عتبة بن ربيعة وأراد من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يسمع منه، قال له صلى الله عليه وسلم: «قل يا أبا الوليد أسمع...» ثم تركه يتكلم حتى إذا فرغ عتبة قال: «أقد فرغت يا أبا الوليد؟»، قال: نعم، قال: «فاسمع مني...»«4». فكل ما سبق شواهد تدل على أهمية حسن معاملة النفوس ومخاطبتها بقدرها. أخي -حفظك الله- إن الناس يتفاوتون في خلقهم وخُلقهم ويتدرجون في وظائفهم ومناصبهم، ويتمايزون في علمهم وفهمهم ويختلفون في كثير من أمورهم، وهذا من دلائل قدرة الله وعظيم صنعه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾ (الروم: 22).
 فإن كانوا يختلفون في الألوان والألسنة فهم يختلفون تبعًا لذلك في العلم والفهم والتصورات، فلا بد إذًا إذًا أن تواجه هذه الفروق الفردية بأساليب متنوعة وتخاطب هذه الأصناف على قدر عقولها وإدراكها فيتعامل مع بعضها بحذر ومع الآخر بحزم ومع الثالث برفق.. وهكذا، وكل ذلك منطلقه الحرص على تبليغ الدعوة بأحسن طريقة، وألا ترد بسببنا وسوء طريقتنا فنسيء من حيث أردنا أن نحسن، ونصد عن سبيل الله من حيث أردنا أن نرغب فيه، ورضي الله عن ابن مسعود حينما قال: «ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» (أخرجه مسلم في مقدمة كتابه). إن من أسباب بروز هذه الظاهرة في واقع الدعوة اليوم: القصور في التربية وقصرها على النواحي النظرية فقط، فالداعية لم يتلق المنهج السليم للتعامل مع الآخرين من أفواه العارفين وخبرة المجربين من الدعاة الأولين والعلماء العاملين، واكتفى عن ذلك بقراءة الكتب، وكما قيل: من كان شيخه كتابه كثر خطؤه وقل صوابه. ومن أسبابها أيضًا: انشغال الداعية التام بالدعوة في صفوف التلاميذ والمبتدئين في الالتزام لمدة طويلة يكبر معها عمره وتظل عقليته محدودة، فلا يحسن أن يتعامل مع من فوقه أبدًا، وأسلوبه لا يصلح إلا لمن دونه غالبًا، فلذا تجده يتحاشى التعامل مع كبار القوم ووجهائهم ويرفض الاحتكاك بالمسئولين وكبار السن ورجال الأعمال وغيرهم، أضف إلى ذلك كله الغياب شبه التام للداعية عن المحافل العامة والمناسبات الكبيرة وعدم حضور الديوانيات وغيرها؛ مما جعل عقدة الخجل من الآخرين تكبر معه وتظل هذه النقيصة ترافقه. إن على الدعوة الإسلامية اليوم ممثلة في الأفراد والحركات أن تسعى جادة في القضاء على هذه الظاهرة وتجعل التخلص منها في سلم أولوياتها، وألا تطلب التوسع والانتشار على حساب الأفراد وتربيتهم، وبالتالي تخرج للأمة أجيالًا هزالى في الفهم والقصور، خاطئين في العمل والتصرف، ومن ثم قاصرين في الإدارة والقيادة. كما أن على الأفراد المسئولية الأولى في إعداد النفس واستكمال فضائلها ومعرفة كيفية مخالطة الآخرين، وفن التعامل معهم كأن يتخذ الأخ صديقًا مخلصًا يدله على عيوبه ويرشده إلى الصواب عند الحاجة. كما على الداعية أن يتميز بالصبر والاتزان دائمًا، يعرف من يتعامل معه قبل أن يتلفظ بكلمة أو يبدأ بحركة أو يتخذ موقفًا، وقد يسعف الداعية في هذا الجانب بعض الكتب التربوية لمسلمين أو غيرهم، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها وأهلها.

 الهوامش:

«1» جامع الأصول 6/ 574.

 «2» جامع الأصول 6/ 573.

 «3» تهذيب سيرة ابن هشام: 227.

 «4» الرحيق المختوم: 125، 126.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1055

89

الثلاثاء 29-يونيو-1993

فن التعامل مع الآخرين