العنوان فن التعامل مع الآخرين
الكاتب محمد عبد العزيز الشيخ حسين
تاريخ النشر الثلاثاء 29-يونيو-1993
مشاهدات 90
نشر في العدد 1055
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 29-يونيو-1993
فن التعامل مع الآخرين
الإنسان مدني بطبعه لابد له من الناس ولابد لهم منه فكيف بمن نذر
حياته للدعوة إلى الله وأوقفها على مخالطة الآخرين للأخذ بأيديهم إلى خالقهم لا شك
أن من يخوض غمار هذا البحر الهائج من البشر محتاج إلى أن يسوس مركبه وسطهم بدقة
وحكمة وسياسة وفطنة وعلم وبصيرة وأن أجملت قلت أنه محتاج إلى فن التعامل مع
الآخرين من عدو أو محب أو من بعيد أو قريب فعليه أن يتقيد بذلك حتى يحبب الناس في
هذا الدين وأهله والملتزمين به فمن العيب والعار أن يقع التنفير من الإسلام من
الدعاة أنفسهم بسبب أخلاقهم وتصرفاتهم فلقد ورد عنه -صلى الله عليه وسلم- قوله «يا
أيُّها النَّاسُ إنَّ مِنكُم مُنَفِّرِينَ».
ولما لا نكون بحاجة ماسة إلى هذا الفن في التعامل وهو يعني الإحسان في
كل شيء الذي هو مطمح كل فرد وجالب للرحمة كما قال تعالى {إِنَّ
رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} (الأعراف: 56) وهو يعني-
أيضًا- الاقتداء بإمام الدعاة وسيد المرسلين الذي كان خلقه القرآن عليه أفضل
الصلاة وأزكى التسليم.
وحدة الرؤية وسمو الأهداف
والدعاة إلى الله بحاجة- أيضًا- للتعرف على طرق وأساليب معاملة بعضهم
للآخر ومن ثم لآخرين كي يعيشوا برؤية واحدة صافية ونفسية شفافة راقية وبالتالي روح
متألفة متحابة قال الكندي: الصديق إنسان هو أنت إلا أنه غيرك، وجاء عيينة بن حصن
والأقرع بن حابس إلى أبي بكر -رضي الله عنه- فقالا: والله ما ندري أنت الخليفة أم
عمر؟ فقال: بل هو ولو شاء كان وبهذا السمو المتعالي من الدعاة يكونوا على مقدرة
فائقة لتجاوز خلافاتهم وأخطائهم وعيوبهم التي يرصدها الآخرون ويتصيدونها عليهم فهل
يعي الدعاة ذلك حيث إن الاتصاف بالأخلاق الفاضلة في التعامل تفوت الفرصة على
الحاقدين والحاسدين والمتربصين للنيل من الدعوة أو الدعاة. وكم في تاريخنا الماضي
والمعاصر من نماذج فذة وصفوة من العلماء والدعاة قدوة يهتدى بهم في ذلك. ودعنا أخي
القارئ الكريم نستعرض بعض تلك المعاني والأخلاق في التعامل مع الناس بغية أن نلزم
أنفسنا بها أولًا قبل أن نحاسب الآخرين على تقصيرهم في تطبيقها معنا.
أولًا: الاهتمام بمشاعر الآخرين
وذلك بأن تقابلهم بصدر رحب حين يقابلوك أو يحدثوك وتسأل عن حالهم
وأخبارهم وتنظر في وجوههم أثناء الحديث فلا تنصرف وتتشاغل عنهم وهم قاصدوك فلقد
كان -صلى الله عليه وسلم- لا ينزع يده حتى ينزعها صاحبه وكان من صفته -صلى الله
عليه وسلم- أنه إذا كلمه أحد أقبل عليه بوجهه. استمع جيدًا لهموم الناس وقدر
مشاعرهم وحدثهم في نفس قضاياهم واهتماماتهم وتأثر معهم وحل مشاكلهم ما استطعت إلى
ذلك سبيلًا واجعل هذا مدخلك للدعوة إلى الله معهم ولتكن صيادًا ماهرًا.
ثانيًا: مخالطة الناس ومشاركتهم
وتقصد بها مخالطة الواعي البصير الذي ينزل إلى المحيط لينقذ منه
الآخرين لا ليغرق معهم يقول ابن مسعود -رضي الله عنه- «خالط الناس ودينك لا
تكلمنه» رواه البخاري، فمن حسن المخالطة إجابة الدعوة ومواساة المحزون وعيادة
المرضى وزيارة الآخرين وينبغي ألا تفوتك المناسبات العامة من احتفالات ومؤتمرات
ومحاضرات ففيها منفعة لنفسك وفرصة ثمينة لدعوتك.
ثالثًا: حسن الكلام وحسن الاستماع
يقول يحيى بن معاذ -رحمه الله- «أحسن شيء كلام رقيق لا يستخرج من بحر
عميق على لسان رجل رقيق» والله جل شأنه أمرنا بحسن الكلام حتى مع الأعداء فقال
«وجادلهم بالتي هي أحسن» فكيف مع المسلمين عامة والعلماء والدعاة العاملين خاصة
فينبغي أن يكون الحديث إليهم أرق والأدب معهم أكمل وحين يكون حسن الكلام مع
الآخرين أمرًا مفروغًا منه فحسن الاستماع أمر يجهله الكثير ولا يحسنه إلا القليل،
يقول أحد الكتاب «إذا أردت أن يحبك الناس فكن مستمعًا طيبًا وشجع محدثك على الكلام
عن نفسه» ونقول لك اختصارًا ينبغي عليك السكوت حين يحسن السكوت والكلام حين يحسن
الكلام.
رابعًا: حفظ الأسماء
لقد نهانا الشرع الحكيم عن التنابز بالألقاب أو اللمز والتعيير
والتشهير بالآخرين وكل ذلك في دلالة صريحة لندعو الناس بأسمائهم التي عرفوا بها أو
ألقابهم الطيبة التي لقبوا بها أو تكنوا بها ولا تعدل عن ذلك، فحفظك لاسم محدثك أو
لقبه أو كنيته يشعره باهتمامك به فيزيده قربًا منك ويشرح صدره لتلقي كلامك وتقبله
فاجتهد في تدوين أسماء من تعرف إليهم في مفكرتك الخاصة واسترجعها من وقت لآخر ولا
تعتمد على ذاكرتك وحدها في حفظ الأسماء فإنها غالبًا ما تخونك وتجعلك في مواقف
محرجة.
خامسًا: تقدير الصنيع
التقدير يكون في بداية العمل كما يكون في نهايته، بل تقديمه في بدايته
أمر في غاية الأهمية إذ يدفع الآخرين للقيام به وهم في غمرة كبيرة من السرور
والرضى فهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول لمعاذ -رضي الله عنه- يا معاذ
والله إني لأحبك لا تدعن بعد كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن
عبادتك أخرجه أبو داود والنسائي وتقدير الصنيع لا يكون ماديًا فحسب، بل يتم ولو
بكلمة فلقد ورد في الحديث عنه -صلى الله عليه وسلم- قوله «من صنع إليكم معروفًا
فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئونه به فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه» أخرجه
أبو داود والنسائي.
سادسًا: قضاء الحوائج
الناس لا يحبون صاحب الكلام المجرد مهما كان يحسنه بقدر ما يحبون صاحب
البذل والتضحية فقبل أن تصل إلى الآخرين بكلماتك ومواعظك عليك أن تتحسس حوائجهم
فتقضيها فتكسو عاريهم وتطعم جائعهم وتشفع بضعفائهم وتنجز معاملاتهم إلى غير ذلك من
ألوان البر والجود ما استطعت إلى ذلك سبيلًا أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما
استعبد الإنسان إحسان.
سابعًا: المداراة في التعامل
إن الصراحة التامة مع كل أحد لا تنفع دائمًا، بل قد تكون سببًا للوقوع
في الخصومات والعداوة مع الآخرين لذا ينبغي على الداعية الحصيف ألا يغفل جانب
المداراة التي تعرف بأنها لين الكلام والبشاشة وحسن العشرة لأناس عندهم شيء من
المعاصي والفسق لمصلحة شرعية كتأليف قلوبهم أو درء شرهم ويعرفها الإمام ابن حجر
-رحمه الله- بقوله «هي الرفق بالأهل في التعليم وبالفاسق في النهي عن فعله وترك الإغلاظ
عليه حيث لا يظهر ما هو فيه والإنكار عليه بلطف القول والفعل لاسيما إذا احتيج إلى
تألفه ونحو ذلك. ومنها قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لذلك الأعرابي الذي
استأذن في الدخول عليه ائذنوا له بئس أخو العشيرة فلما دخل ألان له الكلام. ويذكر
عن أبي الدرداء قوله «إنا لنكشر- نضحك- في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم» رواه
البخاري. والمداراة عكس المداهنة المذمومة التي هي معاشرة الفاسق وإظهار الرضا بما
هو فيه من غير إنكار عليه فهي محرمة منهي عنها فلينتبه لذلك.
ثامنًا: أنزلوا الناس منازلهم
إن قلوب الناس كالأقفال المختلفة لكل مفتاحه المميز فعليك أخي الداعية
أن تحسن فتح كل قفل بمفتاحه المناسب فالحاكم له مقامه وسلطانه والعالم له احترامه
وتقديره والكبير له مكانته وتكريمه وهكذا باقي الناس ولقد أمرنا بذلك حبيبنا -صلى
الله عليه وسلم- كما أخبرت عائشة -رضي الله عنها- بقوله أنزلوا الناس منازلهم أما
الذي يخلط في معاملة الناس ولا يدرك قدرهم أو فضلهم فحري ألا يستجاب له هذا إن سلم
من ذمهم وقدحهم.
تاسعًا: حدثوا الناس على قدر عقولهم
ينبغي أن يكون حديثك للآخرين بقدر ما تستدعيه الحاجة وتدركه الأفهام
وحسب ما يقتضيه الزمان والمكان وإلا أصبحت مملًا منفرًا ولقد أثر عن علي بن أبي
طالب -رضي الله عنه- قوله «حدثوا الناس على قدر عقولهم أتريدون أن يكذب الله
ورسوله» وتأمل إلى هذا الفقه التربوي لدى الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود حينما
يقول ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة.
عاشرًا: المزاح مع الناس
قد يظن البعض أن من كان فرحه كثيرًا مع الآخرين هو أحسنهم تعاملًا
معهم وقد يظن بعضهم الآخر أن التزمت وعدم الانبساط مع الناس وممازحتهم هو السبيل
للحفاظ على الشخصية الإسلامية فضاع الأمر بين إفراط وتفريط فما الضابط في ذلك كله.
إن المزاح على ضربين: مزاح محمود وهو الذي لا يشوبه ما كره الله -عز وجل- ولا يكون
بإثم أو قطيعة رحم ومزاح مذموم وهو الذي يثير العداوة ويذهب البهاء ويقطع الصداقة.
فالمزاح المحمود مطلوب وكان -صلى الله عليه وسلم- يمزح ولا يقول إلا حقًا وقال أبو
حاتم -رضي الله عنه- الواجب على العاقل أن يستميل قلوب الناس إليه بالمزاح وترك
التعبيس، وإن كان الأولى للمسلم الداعية الإقلال منه لما ورد عن عمر بن الخطاب
قوله «من كثر ضحكه قلت هيبته ومن مزح استخف به ومن أكثر من شيء عرف به» ويفضل
المزاح عند تناسب الأعمار وبين الأقران وحين توجد رابطة معينة يتم بموجبها كصحب
مثلا كما أنه لابد أن يكون في موطنه المحدد.
الحادي عشر: الوفاء بالوعد والعهد
قال تعالى {بَلَى مَنْ أَوْفَى
بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} (آل عمران: 76) ولقد
شاع في صفوف الناس وحتى الملتزمين منهم التهاون في الوفاء بالعهود والمواعيد مما
جعل الكثير منهم ليسوا أهلًا للثقة فضلًا عن أن يكونوا قدوة للمجتمع. وقد يبرر
بعضهم عدم الوفاء والدقة في المواعيد بسبب الظروف والمشاغل أو بسبب إخلال الآخرين
بها فهذه حجة واهية داحضة يلقيها الشيطان ليبرر التقصير فليتدارك الدعاة أنفسهم
وليعلموا خطورة الأمر.
الثاني عشر: تقديم الهدايا للآخرين
قدم الهدية مهما كانت لإخوانك ومعارفك اقتداء برسولك -صلى الله عليه
وسلم- الذي كان يهدي ويقبل الهدية واجعلها غرس محبة وتنمية رابطة وتقويتها مع
الآخرين ولا تجعل تقديمها فقط من أجل إزالة خصومة وذهاب سخيمة بينكم وبينهم وإن
كانت لا يستهان بها حتى في هذا الموطن.
الثالث عشر: الفطنة واللباقة
وهذا الخلق يحتاج إليه خاصة عند التعامل مع من لا تؤمن معاشرته أو مع
من يتلاعب بألفاظه ويراوغ بتصرفاته فعليك أن تكون حذرًا مترصدًا لزلاته وغدراته،
قدوتك في ذلك الفاروق -رضي الله عنه- الذي يقول عن نفسه «لست بالخب ولا الخب
يخدعني» فلا تكن أخي الداعية ساذجًا تحسن الظن بكل شيء، ولو كان مصدره حاقدًا أو
حاسدًا، بل عليك أن ترد بالقول والفعل ما تحمي به عرضك ونفسك وتدافع به عن دينك
وأمتك واحذر أن يستخفك الذين لا يوقنون وتستدرج في ذلك حتى تخرج عن حدود اللياقة
والأدب فتقع في المحظور فتكن كمن يقوم من عثرة ليقع في حفرة.
الرابع عشر: الذوق السليم
يعرف الداعية عباس السيسي الذوق بأنه هو الأخلاق حين ترتدي أجمل
ثيابها وهو عطر الأخلاق ونفحاتها أو قل هو قمة الأخلاق التي تنطوي على أجمل
المشاعر وأنبل العواطف والذوق ما هو إلا الحياء الذي حث عليه الإسلام وأخبر عنه
المصطفى -صلى الله عليه وسلم- أنه لا يأتي إلا بخير وكان من صفاته -صلى الله عليه
وسلم-. وهذا الخلق في الإسلام له صوره المتنوعة ومجالاته المتعددة، فالإسلام يوصي
أتباعه التميز باللباس النظيف الجميل لكل ما يخصه من الذكر والأنثى، وأمر بقص
الأظافر وترجيل الشعر ودهنه ونهى عن لباس الشهرة وأمر بعفة اللسان وتغيير الأسماء
القبيحة إلى أسماء حسنة ووجود الكنية قبل الاسم تأدبًا وعدم التنابز بالألقاب وخفض
الصوت بحضرة ذوي العلم والرفعة كالمعلم والأب ومناداة المرء بأحب الأسماء إليه
والتكنية عن الأمور المستهجنة بألفاظ مهذبة وأمر برد التحية بأحسن منها والمكافأة
على المعروف وأمر بتنظيف الفم وتسويك الأسنان ونهى عن أكل الثوم والبصل حين
الاجتماع والنتف للإبط والاغتسال للناس في الصلاة مثلا وأمر للاجتماع بالناس كصلاة
الجمعة والعيدين وأمر بالتطيب وعلى رأسها حق الله وحق الوالدين والجيران وحث على
احترام الكبير والعطف على الصغير ومقابلة الناس بالوجه الطليق والابتسامة العذبة
وعدم المن بالعطية أو الافتخار بالعصبية، وأمر بمراعاة آداب الزيارة فلا تكن في
غير أوقاتها وعدم إحراج المزور والعبث في أدواته وأجهزته عند الدخول أو الثرثرة
عند رأسه حينما يكون مريضًا أو استعارة أمواله وكتبه وعدم إرجاعها حينما يكون
كريمًا أو استغلال تخصصه ووجاهته حينما يكون عالمًا أو وجيهًا، كما ينبغي عليك ألا
يكون جلوسك مع الآخرين طويلًا وكلامك سخيفًا وأكلك وشربك كثيرًا فتكن إنسانًا
ثقيلًا. أخي الداعية إن ما عرض من أخلاق سابقة ما هي إلا نزر يسير من بحر الأخلاق
والمعاني والفضائل والآداب ذكر بها نفسك من حين لآخر وألزمها بتطبيقها وأوصِ بها
أهلك وربِّ عليها تلامذتك وإخوانك وانشرها في مجتمعك فحينها سنجد إشراقة يوم سعيد
تنادي إلى الإسلام من جديد.
له فوائد صحية ونفسية.. كيف تكتسب مهارة التعامل بلطف مع الآخرين؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل