العنوان “التطبيع” يهز أركان “العدالة والتنمية” المغربي.. تبريرات مؤسفة وتداعيات مكلفة
الكاتب عبدالغني بلوط
تاريخ النشر الجمعة 01-يناير-2021
مشاهدات 83
نشر في العدد 2151
نشر في الصفحة 44
الجمعة 01-يناير-2021
بنعباد: القيادة التاريخية لـ»العدالة والتنمية» أدخلت حزبها في ضيق شديد والسبب بحثها عن خطاب جديد
الهلالي: يمكن أن يكون للحزب موقف مخالف للدولة وللملك في إطار الاختيار الديمقراطي بالبلاد
بنكيران: إذا كانت هناك أزمة فلتحدث بالحزب.. فالرجل الثاني للدولة لا يخرج على قرارات الرجل الأول
بلكبير: هناك جهات توظف «التطبيع» لتصفية حساباتها مع «العدالة والتنمية» لدفعه إلى الاستقالة
التليدي: من المنتظر الدعوة إلى مؤتمر استثنائي لمحاسبة القيادات وفصل الحزب عن الحكومة
مسكين: ربط «التطبيع» بمغربية الصحراء حجة مفيدة للدولة لكنها ليست كافية لقواعد الحزب وكتلته الناخبة
بويخف: خروج الحزب للمعارضة لا يخدم القضية الفلسطينية لأن أقصى ما قد يفعله بيانات استنكار
يعيش حزب العدالة والتنمية ذو المرجعية الإسلامية، بحكم قيادته للتحالف الحكومي، هذه الأيام على وقع هزة قوية داخل صفوفه بعد إقدام المملكة المغربية على «تطبيع العلاقات» مع «إسرائيل»، ارتفعت حدتها بعد جلوس الأمين العام للحزب د. سعد الدين العثماني إلى الطاولة وتوقيع اتفاقيات مع «تل أبيب» للحكومة.
ورأى بعض المحللين أن ذلك سيكون له تداعيات مكلفة على الحزب في تماسكه الداخلي، وفي المراحل الانتخابية المقبلة، فيما سوَّغ الحزب موقفه بربط ما وقع بالحفاظ على الوحدة الوطنية والتذكير بعدم التفريط في القضية الفلسطينية.
أثار «التطبيع» جدلاً كبيراً غير مسبوق بالأوساط السياسية والشعبية في المغرب، امتد ليرخي بظلاله القوية القاتمة على حزب العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة المغربية لفترة ثانية، الذي كان يعتبر نصرة القضية الفلسطينية وعدم الاعتراف بالكيان الصهيوني عقيدة أيديولوجية، تجلت منذ نشأته في بياناته ومواقفه، ومشاركته المكثفة في المسيرات والفعاليات المساندة للقضية الفلسطينية، بل إن فريقه في مجلس النواب قدم مشروع قانون إلى جانب أحزاب أخرى يجرّم «التطبيع»، لكنه بقي عالقاً في رفوف البرلمان، كما كان دائماً محافظاً على استقبال عدد من قيادات المقاومة الفلسطينية في مؤتمراته الوطنية، أبرزهم قياديو حركة «حماس».
ولم يكن أحد يتوقع إلى زمن قريب أن يضع قيادي في الحزب يده في يد أحد المسؤولين الذين يحكمون في الأراضي المحتلة، لا سيما أن العثماني نفسه أشار، في وقت سابق، إلى أن أي اعتراف بالكيان الصهيوني يشجعه على انتهاك حقوق الفلسطينيين.
وكانت الصدمة قوية، بعدما وصف رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، الأمين العام للحزب، بعد ذلك بلغة الدبلوماسي، إعادة العلاقة المغربية «الإسرائيلية» بـ»الانفتاح على الآخر»، مبرزاً في الوقت نفسه أن المغرب القوي الموحد، بعد اعتراف أقوى دولة في العالم بسيادته على صحرائه، أقدر على الدفاع عن القضية الفلسطينية.
تخفيف الضغط
خرج الأمين العام السابق عبدالإله بنكيران بما له من ثقل كبير بصفته أميناً سابقاً قاد انتصارات كبرى في المحطات الانتخابية، يدافع عن سعد الدين العثماني (الذي لم يعد يتواصل معه بعد إعفاء الأول من تشكيل الحكومة وتعيين الثاني رئيساً لها).
ورفض بنكيران، الذي يتمتع بشعبية واسعة، الضغط على العثماني، حتى لا يستقيل وتحدث أزمة للدولة، مضيفاً: إذا كانت ستحدث أزمة فلتحدث في الحزب، معتبراً أن الرجل الثاني للدولة لا يخرج على قرارات الرجل الأول للدولة.
وأبرز بنكيران أنه لا يوجد إنسان عاقل يقول: إنه ضد اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب الصحراء، هذا قرار كبير جداً، مشيراً إلى أن الحزب قادم من الحركة الإسلامية، وثقافة مناهضة «التطبيع» مع «إسرائيل» متأصلة فيه، قبل أن يستدرك أن المغرب يعرف جيداً ما يفعل ويخطو خطواته مضبوطة.
وخفف هذا التصريح قليلاً الضغط على الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية التي نوهت بموقف الأمين العام السابق، وذكّرت بالبلاغ الصادر من قبل الذي يؤكد أهمية الموقف الأمريكي الأخير والالتفاف وراء الملك في الخطوات التي اتخذها في مجال تعزيز سيادة المغرب على الصحراء والموقف المغربي، وعلى أولوية القضية الوطنية مع التأكيد على المواقف الثابتة لبلادنا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وهي المواقف التي ستتواصل وستعزز بقيادة الملك.
عبدالصمد بلكبير، المحلل السياسي ذو التوجه اليساري والمقرب من الإسلاميين، أبرز، في تصريح لـ»المجتمع»، أن العدالة والتنمية يواجه معادلة صعبة، ولم يعد له بين يديه أمر سوى أن يختار بين السيئ والأسوأ منه، مؤكداً أن مسألة «التطبيع» يمكن أن تكون مرحلة يتم تجاوزها بالتراجع عنها، لكنها تمت مقترنة بقضية الصحراء ذات البعد الإستراتيجي، التي ربح فيها المغرب على أصعدة شتى.
رفض قطعي
وقد اعترض عدد من أعضاء الحزب الفاعلين في الشأن السياسي على قرار «التطبيع»، بل إن حركة التوحيد والإصلاح الجناح الدعوي، وشبيبة الحزب، أصدرا بياناً يعبران فيه عن رفضهما القطعي له.
وفي هذا السياق، يقول عبدالصمد بنعباد، المحلل السياسي، لـ»المجتمع»: إنه لا بد أن نميز بداية بين الحزب وشبيبته؛ فالشبيبة كانت أكثر وضوحاً وتعبيراً عن الارتباط بقيم الحزب ومبادئه، بينما القيادة التاريخية للحزب اختارت لغة جديدة تخالف ما كانت تسميه ثوابتها تجاه فلسطين و»التطبيع».
وأضاف أن القيادة التاريخية للعدالة والتنمية التي تقود هذه المرحلة أدخلت حزبها في ضيق شديد، والسبب هو بحثها عن خطاب جديد، في الوقت والقضية الخطأ، التي يستحيل أن يقبلها المغاربة؛ لأنهم متعلقون بشدة بقضية فلسطين التاريخ والرموز والإنسان.
ويرى إمحمد الهلالي، عضو المجلس الوطني للحزب وحركة التوحيد والإصلاح، أنه يمكن أن يكون للحزب موقف مخالف أو حتى معارض للدولة أو للملك؛ فذلك يسعه ثابت الاختيار الديمقراطي في البلاد والاعتراض أو الرفض ضمن دائرة الاختيار الديمقراطي، وهو لا يدخل ضمن مفهوم التنازع مع أولياء الأمور باعتباره يدخل في مفهوم ديني تجاوزه الحزب وتجاوز منطقه.
وقول، في تصريح لـ»المجتمع»: إن الدولة نفسها تتفهم أن يكون حزب من الأحزاب السياسية معارضاً لسياسة أو قرار جاء في سياق معروف هو ابتزاز المغرب في قضيته الوطنية.
بدوره، يقول بلال التليدي، المحلل السياسي والإعلامي، لـ»المجتمع»: إن الحزب لم يستطع مرة أخرى –بعد أن وقع في «فرنسة» التعليم- الالتزام بمبادئه والإخلاص لقواعده وذهب في اتجاه التطبيع.
تصفية حسابات
من جهته، يشدد البرلماني إبراهيم الضعيف عن حزب العدالة والتنمية بمدينة العيون (عاصمة الصحراء) أنه ينتمي إلى حزب مؤسسات وحزب مواطن، مؤكداً أن طيلة ممارسته للسياسة على مدى عقود اكتسب ثقة ملكه وثقة أعضائه وعامة المواطنين، وأثبت للجميع وبالملموس أنه يجعل مصلحة الوطن فوق المصلحة الحزبية والانتخابية.
ويشرح بلكبير أن «العدالة والتنمية» لم يغير أطروحته السياسية الرافضة لـ»التطبيع»، مبيناً أن الحزب يمكن أن يدير الأمر سياسياً ومرحلياً، في ظل وجود ذراعه الدعوية، المتمثلة في حركة التوحيد والإصلاح، التي تعبر عن مواقف صريحة إزاء رفض «التطبيع».
ويضيف بلكبير أن الحزب يحترم التزاماته حيال المؤسسة الملكية، ويعرف ما له وما عليه، لا سيما الشؤون الخارجية، وهي أمور سيادية من صلاحيات الملك.
ولم يستعبد بلكبير أن تكون هناك جهات توظف قضية «التطبيع» لتصفية حساباتها مع «العدالة والتنمية» لدفعه إلى الاستقالة، وهو أمر يمكن أن يضرب في الصميم الديمقراطية في المغرب لمكانه الحزب القوية في المشهد السياسي.
ويقول حسن يويخف، المحلل السياسي: إنه من الخطأ الفظيع وضع تطبيع المغرب في نفس الخانة مع تطبيع الإمارات ومصر فيما يتعلق بالمشروع الاستئصالي «الإسرائيلي» الأمريكي ضد الإسلام السياسي وضد قضية فلسطين، ذلك أن الإسلاميين الآن جزء من جهاز الحكم في المغرب الذي لم يوقع اتفاق سلام مع «إسرائيل» يهم القضية الفلسطينية أيضاً، على غرار ما قامت به دول التحالف الإقليمي في المشرق العربي.
وحول اقتران «التطبيع» باعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء جنوب المملكة، يقول إبراهيم الضعيف، لـ»المجتمع»: إن سكان الصحراء المغربية سئموا من وضعية «الانتظار» و»منطقة نزاع» و»اللاحرب واللاسلم» التي طبعت منطقة الصحراء لمدة 45 عاماً، وهي المنطقة التي تناهز في مساحتها ثلث مساحة المغرب تقريباً، ولوقف ذلك ووضع حد لابتزازات بعض الدول للمغرب ومساومته على صحرائه، اتجه المغرب رأساً لأهل الحل والعقد في السياسة الدولية وهي الولايات المتحدة الأمريكية، رغم الربط الفج لذلك مع إعادة فتح مكتب الاتصال المغربي «الإسرائيلي».
تداعيات تنظيمية
يؤكد المحللون السياسيون أن هذه الخطوة ستكون لها تداعيات مكلفة بالنسبة لحزب «العدالة والتنمية»، والأمر لن يقتصر على الكلفة في الجانب التنظيمي، كما يقول المحلل السياسي بلال التليدي؛ فمن المنتظر أن يتم الدعوة إلى مؤتمر استثنائي لمحاسبة القيادات الوطنية عن التدبير، أو فصل الحزب عن الحكومة، وإناطة تسيير الحزب برجل في التنظيم، بل قد تمتد أيضاً إلى العلاقة مع القواعد الطبيعية التي ارتبط به لاعتبارات مرجعية وهوياتية، منها التعلق بالقضية الفلسطينية واعتبار الصراع وجودياً يقتضي دعم المقاومة وجبهة الممانعة.
من جهته، أكد الكاتب والصحفي يونس مسكين، لـ»المجتمع»، أن حزب «العدالة والتنمية» سيتحمل القسم الأكبر من عبء التبعات السياسية لخطوة استئناف العلاقات الرسمية بين المغرب و»إسرائيل»، أولاً لأنه يتولى رئاسة الحكومة، ثم وبشكل خاص بعدما تولى أمينه العام رئيس الحكومة سعد الدين العثماني مهمة توقيع الإعلان المشترك مع كل من كبير مستشاري الرئيس الأمريكي، ومستشار الأمن القومي لرئيس الوزراء «الإسرائيلي».
ويضيف مسكين أن خطوة إعادة العمل بمكتبي الاتصال بين المغرب و»إسرائيل» مرتبطة بالاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، هو حجة مفيدة في تبرير وتفسير الخطوة بالنسبة للدولة، لكنها قد لا تكون كافية بالنسبة لحزب «العدالة والتنمية» في علاقته بقواعده وكتلته الناخبة.
ويؤكد أنه إذا كانت البراغماتية والتعاطي مع الضغوط الدولية بمثل هذه الخطوة أمراً يمكن تقبّله من طرف عموم المغاربة تجاه الدولة وتحديداً المؤسسة الملكية، فإن قواعد حزب «العدالة والتنمية» ترتبط به برابط أيديولوجي بالدرجة الأولى؛ أي المرجعية الإسلامية والموقف الذي يكاد يكون عاطفياً، وهو الموقف الرافض لأي تقارب مع «إسرائيل».
ويوضح المتحدث ذاته أن الأمر ستكون له تداعيات واضحة على الكتلة الناخبة، سواء منها التي تصوّت بانتظام لحساب حزب «العدالة والتنمية»، أو التي تميل إليه من باب الشعور بقربه إلى مشاعرها الدينية، ولا شك أن المحطة الانتخابية المقبلة ستحمل فاتورة لا مفر للحزب من دفع كلفتها، بغض النظر عن التبرير الذي يمكن أن تقدمه قيادات الحزب.
خروج إلى المعارضة
كثيرون يرون أنه من الواجب أن يخرج الحزب إلى المعارضة بدل تقديم التنازلات الواحدة تلو الأخرى، لكن المحلل السياسي حسن بويخف يؤكد، في تصريح لـ»المجتمع»، أن الخروج إلى المعارضة لا يخدم القضية الفلسطينية؛ لأن أقصى ما قد يعطيها بيانات تنديد واستنكار، وأن الذي سيفيد القضية الفلسطينية هو التموقع في مراكز القرار، إن لم يكن لوقف «التطبيع»، فليكن لمنع توسعه ولإبطائه على أقل تقدير.
إن واجب الوقت يفرض على الإسلاميين في المغرب، كما في كل مكان، أن يبلوروا إستراتيجيات ذكية لمواجهة «التطبيع»، وأن يدركوا أن «التطبيع» لا يواجَّه بالمواقف والبلاغات مهما كانت قوية وراديكالية، إستراتيجية مواجهته تبدأ بتقوية علاقة الإسلاميين بدولهم، وكسب ثقتها، وتقويتها أمام الضغوطات والإغراءات الخارجية القوية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل