العنوان «التهويد الناعم».. أخطر ما يواجه القدس
الكاتب فادي شامية
تاريخ النشر السبت 13-نوفمبر-2010
مشاهدات 68
نشر في العدد 1927
نشر في الصفحة 22
السبت 13-نوفمبر-2010
هل يمكن تنظيم انتفاضة لأجلها تتخطى الانقسامين الفلسطيني والعربي؟!
من يتابع الشؤون «الإسرائيلية» لا سيما المقدسي منها، يعلم أن تهويد مدينة القدس، وإقامة الهيكل المزعوم هما مسألة إجماع صهيوني، وأن التغيرات أو التطورات التي تطرأ على المواقف «الإسرائيلية»، لا يمكن أن تخرق هذا السقف!
من هنا، يجب أن ننطلق لمقاربة الشأن المقدسي، فرئيس الوزراء الصهيوني «بنيامين نتنياهو» يقول اليوم: إنه لا ينوي تغيير الواقع القائم في القدس والمسجد الأقصى، لكنه واقعيًا -يغطي أعمال التهويد المجنونة بعناوين شتى، منها: تطوير المدينة، أو إقامة متعبدات يهودية، أو تنفيذ مخططات هيكلية توكل إلى بلدية الاحتلال.
وأكثر من ذلك، فقد نجح «نتنياهو» في إجبار الطرف الفلسطيني على الموافقة على مسار تفاوضي -المسار الحالي اعتبارًا من 20/ 8/ 2010م -دون شروط مسبقة»، ما يعني إبقاء يده طليقة في تغيير الأوضاع القائمة في القدس.
هذا السلوك الصهيوني واكبه مؤخرًا تغير في الفتوى اليهودية التقليدية باتجاه «جواز» دخول المسجد الأقصى، بعدما كانت الفتوى هي «الحظر لحين بناء الهيكل المزعوم».. كما واكبه تغير في النظرة القانونية التي باتت تعتبر أن من حق اليهود الدخول إلى الأقصى وأن من مسؤولية الشرطة تأمين حمايتهم (!!)، وهذا كله يؤشر -بلا شك- إلى تقدم مشروع تقسيم الأقصى، كمرحلة أولية، على طريق السيطرة الكلية عليه.
وبحسب التقرير الأخير الذي أصدرته مؤسسة القدس الدولية فإن عدد مواقع الحفريات حول الأقصى بلغ ٣٤ موقعًا، بزيادة تسعة مواقع عن العام الماضي، «۲۱ منها نشطة، و١٣ مكتملة».
أما بناء الكنس فيجري على قدم وساق، ويقترب -بل يلتحم- بالمسجد الأقصى نفسه، ويمكن هنا أن نخص بالذكر: كنيس الخراب، وكنيس «مصلى المتحف الإسلامي» داخل ساحات الأقصى، وكنيس «فخر إسرائيل» في محيط الأقصى، ومتحف «المعبد الثالث» في الطرف الغربي الجنوبي لساحة البراق.
مشروع خطير
والجديد في مشروع التهويد ما كشفت عنه مؤسسة الأقصى قبل أيام، مضافًا إلى ما أعلنته بلدية الاحتلال في القدس، عن المخطط الهيكلي الشامل لباحة حائط البراق، التي تمتد من باب المغاربة جنوبًا، حتى المدرسة «التنكزية» شمالًا.. هذا المشروع الخطير يشمل ما يلي:
- توسيع وحفر أنفاق جديدة تحت ساحة البراق.
- تحويل ما تحت الأرض إلى مراكز تلمودية ومراكز شرطية.
- توسيع ساحة البراق «المبكى» وإنشاء طبقات أرضية تحتها، ومواقف عامة للحافلات والسيارات.
- تشكيل منطقة يهودية واسعة غرب وجنوب المسجد الأقصى المبارك، على مساحة تصل إلى نحو ۷۰۰۰ متر مربع.
- ترميم «الحي اليهودي» «حي الشرف».
كما يجري -ضمن المشروع نفسه- التخطيط لفتح بوابة جديدة في أسوار مدينة القدس، في موقع قرب باب النبي داود، لأول مرة منذ ۱۱۲ سنة، إبان العهد العثماني.
ولا يقتصر الأمر على ساحة البراق «كانت حيًا عربيًا في الماضي اسمه حي المغاربة»، فالتهويد يخيم على البلدة القديمة بأسرها، وقد بلغ عدد البؤر الاستيطانية -في مساحة لا تتعدى كيلومترًا مربعًا واحدًا «مساحة البلدة القديمة أقل من كيلومتر مربع»- ۷۰ بؤرة استيطانية، يقطنها أكثر من ألف مستوطن من غلاة المتطرفين!
يُضاف هذا الواقع إلى بلدة «سلوان» جنوب المسجد الأقصى، حيث يبلغ عدد البؤر الاستيطانية الآن نحو ٤٠ بؤرة، تشتمل على معاهد دينية تلمودية ومقرات لجمعيات استيطانية؛ مثل: «ألعاد»، و«عطيرات كوهانيم»، وغيرها!
ابتلاع الأراضي
وإذا ابتعدنا أكثر عن محيط المسجد الأقصى، فإننا نجد عشرات المستوطنات المغروسة كالخناجر في صدر القدس؛ حيث وافقت بلدية الاحتلال على بناء ٤٥٢ وحدة استيطانية مؤخرًا في المدينة المحتلة..
فضلًا عن استمرار عمليات الهدم في بلدات: العيسوية، وشعفاط، وبيت حنينا، ووادي الجوز، وفي سلوان.. والأخيرة يبدو أنها سائرة على درب «الشهادة»؛ بسبب وجودها جنوب المسجد الأقصى، في منطقة تزعم المعتقدات اليهودية أنها مقدسة عندهم منذ عهد النبي داود.
ويزيد من سوء هذا الواقع الصمت العربي -الرسمي والشعبي- القاتل في حين أننا نرى في الجانب الآخر إصرارًا على التهويد في القدس تحديدًا، ولو أدى ذلك إلى إحراج الرئة الأولى للكيان الصهيوني؛ أي الولايات المتحدة الأمريكية..
فالحكومة الصهيونية تُسخر لذلك وزارات الدولة ومؤسساتها، ودوائر البلدية، و«الطابو»، و«حارس أملاك الغائبين»... إلخ. هذا فضلًا عن جماعات الضغط التي تعمل في العالم أجمع، ليل نهار، من أجل «قدس يهودية».. فعلى سبيل المثال، يقدم المليونير الأمريكي اليهودي «إيرفينج موسكوفيتش» وحده سنويًا نحو ۱۰۰ مليون دولار من أجل تهويد القدس.
وفي هذا الإطار، لا يجوز أن ننسى الجريمة التي قام بها الاحتلال في السنوات الثلاث السابقة، بعد تشييده «الجدار العازل»، مخرجًا نحو ١٢٥ ألف مقدسي من النطاق الجديد للقدس، ما سيفقد أكثرهم مستقبلًا حق الإقامة في المدينة المقدسة.
ووفق تقارير «إسرائيلية» عديدة؛ فإن الاحتلال يخطط لتكريس كتلة بشرية من المستوطنين تساوي نحو نصف مليون مستوطن حتى عام ٢٠٢٠م، ما يعني بالتوازي ابتلاع ما تبقى من أرض فلسطينية.. فعن أي قدس يفاوض المفاوضون بعد ذلك وقد حسمت «الديموجرافيا» الأمر؟!
رسالة ردع
إزاء ما يجري، وانطلاقًا من حالة عدم المبالاة العربية المؤلمة -خلافًا لبعض المواقف الحماسية، والتصورات التفاؤلية التي تخدع الجماهير -فإن الشارع العربي يجب أن يكون حاضرًا، لأن التحركات الشعبية في الداخل والخارج يقيس الاحتلال من خلالها مدى تفاعل الأمة مع مقدساتها؛ فكلما كان التفاعل أقل كان التهويد أكبر والوتيرة أسرع.
لذا، فإن المطلوب هو تحركات شعبية كبيرة تعيد الاعتبار إلى هذه المقدسات، وتبعث برسالة ردع -ولو محدودة الأثر- إلى المحتل، وتنبه الحكام العرب إلى أن ابتعادهم عن ضمير الأمة يزداد.
لكن التجربة تقول: إن الشارع العربي والإسلامي لا يتحرك إلا على وقع حدث أو صدمة، فلو راجعنا أسباب التحركات الشعبية في الأعوام الثلاثة الماضية، لوجدنا أن أكثرها جاء على خلفية اقتحام للأقصى أو اعتداء مباشر عليه، علمًا بأن الدخول إلى الأقصى يجري يوميًا، والإعلام ينقل فقط الحالات التي تسمى استفزازية.
وما نود توضيحه في هذا المجال، إن الاحتلال يتعامل بمكر مع هذه المعادلة، لذا فإن سياسته اليوم -حتى في ظل هذه الحكومة اليمينية- تقوم على أساس «التهويد الناعم»، الذي يبقي الشارع العربي والإسلامي مخدرًا، مع أن هذا التهويد أخطر فعليًا من اقتحام المستوطنين للأقصى.
والسؤال الذي يراود الكثيرين دائمًا: هل يمكن تنظيم انتفاضة شعبية عارمة ودائمة في القدس، ولأجل القدس، تتفاعل معها الشعوب العربية والإسلامية، بما يتخطى الانقسامين الفلسطيني والعربي؛ بحيث تكون القدس رافعة لجمع الشمل؟ هل يمكن ذلك؟ أحلم بذلك، لكنني لا أستطيع الجزم بأنه سيحدث!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل