العنوان هل هي بداية انتفاضة شعبية في الصومال؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يونيو-1986
مشاهدات 82
نشر في العدد 771
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 17-يونيو-1986
- الشعب الصومالي المسلم مطالب الآن أكثر من أي وقت مضى للقيام بانتفاضة شعبية عارمة لاستئصال النظام الديكتاتوري الذي بدأ ينخر من داخله
- النظام الصومالي يطرد ممثل المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ويعتبره شخصًا غير مرغوب
- رجال أمن سياد بري يحاصرون المساجد ويعتقلون روادها بالقوة
في تطور آخر طلبت السلطات الصومالية من ممثل المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التابعة لجامعة الدول العربية السيد/ محمد عبد الغني سراج مغادرة الصومال خلال ٢٤ ساعة لأنه شخص غير مرغوب فيه حسب زعم الحكومة الصومالية.
ويأتي هذا الإجراء من جانب السلطات الصومالية ضد أحد الموظفين التابعين لمنظمة من منظمات جامعة الدول العربية التي تنتسب إليها الصومال، فاضحًا لمسلكها ومتناقضًا مع ادعاءاتها المتكررة حول حرصها على الذين ينشرون اللغة العربية والثقافة الإسلامية العربية الأصيلة في الصومال.
والجدير بالذكر أن الأستاذ محمد عبد الغني سراج من خريجي الأزهر، وكان في السابق مبعوثًا من الأزهر الى الصومال ثم تحول في وقت لاحق إلى المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التابعة لجامعة الدول العربية كممثل لها في الصومال، وهو من الخطباء المفوهين، وقام بدور بارز في نشر الثقافة العربية الإسلامية في الصومال خير قيام، وكان له نشاط واسع وملموس.
وتكمن عداوة النظام للأستاذ عبد الغني سراج بأنه كان يدعو إلى الإسلام الصحيح والثقافة العربية الراقية الملتزمة. وكان الشباب الصومالي يقبل على خطبه ومحاضراته بشغف. وكانت صفته الدبلوماسية توفر له قدرًا من الحرية في الحركة وعقد الندوات والمحاضرات، كما أنه كان يلقي خطبة تعقيبية على شكل درس علمي ثقافي عقب خطبة الجمعة في بعض مساجد مقديشو.. والنظام الصومالي لا يحب انتشار الثقافة الإسلامية لأنها ستجعل الشعب الصومالي والشباب بالذات ينطلق الى آفاق واسعة من الفكر والثقافة، ويخرج من تلك الزاوية المظلمة التي يريد أن يسجنه فيها سياد بري ونظامه.
هذا وقد ارتفعت أعداد المعتقلين من الدعاة والطلبة والمحجبات في أرجاء الصومال إلى ثلاثمائة شخص. وتفيد المصادر المطلعة بأن الحكومة ستجمع كل المعتقلين في العاصمة مقديشو وأنها أعدت قوائم بالأسماء الواجب اعتقالها، وأن هذه الأسماء تجمع عن طريق الأقارب ورجال المخابرات، وأن الحكومة تنفذ هذه المرة خطة واسعة لضرب الدعاة بكل فئاتهم.
من جهة أخرى صعدت الحكومة حملتها الإعلامية ضد الدعاة والشباب الملتزم واتهامهم ت بأنهم يغيرون دين الشعب ويفرقون الجماعة، لتسميم الأفكار وتشويه صورة الدعاة أمام الشعب، وتتهمهم طبعًا بالاتهام التقليدي وهو أنهم يعملون لجهات خارجية وأعداء الأمة الصومالية في الخارج.. ويقود الحملة محمد جوليد مدير الشئون الدينية وأحمد سليمان وزير الداخلية وزمرة من علماء الحكومة التقليديين يتحدثون في الإذاعة ويلقون الخطب ويستعدون الشعب على هؤلاء الشباب والدعاة..
إن ما رافق اعتقالات الدعاة الإسلاميين في الصومال من ترهيب الناس ومهاجمة جماعات من الشرطة المسلحة على بيت كل عالم أو شاب أو فتاة ممن كانوا في القائمة المعدة للاعتقال في منتصف الليل والناس نيام لشاهد على أن النظام مهزوز داخليًّا.
إن المجموعات المسلحة كانوا يحاصرون بيت المعتقل من جميع الجوانب بعد اعتقال صاحبه ثم يفتشونه تفتيشًا انفعاليًّا، فإذا لم يجدوا شيئًا آخر جمعوا الكتب التي يملكها العالم المعتقل ورموها في مخازن تابعة للمخابرات مكشوفة ومعرضة للأمطار بقصد إفسادها، وهذا التصرف المشين أيقظ بعض الضمائر وأعاد النبض إلى بعض القلوب وجدد الأمل في الشعب الصومالي الذي لا تنقصه البسالة.
وعندما وجد الناس ذلك التعسف الذي لا مبرر ولا سبب له إلا كراهية الإسلام والمتمسكين به لم يتمالك بعض المصلين ذوي الضمائر الحية، فعندما جاءت قوة من الشرطة مدججين بالسلاح للقبض على بعض العلماء والمصلين، فنادوا: الجهاد الجهاد ماذا ننتظر بعد قتل العلماء وسجن كثير منهم دون ذنب أو جرم، ومنع إقامة الحلقات الدراسية وإغلاق كثير من مدارس تحفيظ القرآن، فماذا بقي لنا إلا الصلاة، والآن جاءوا ليقبضوا علينا في المساجد، فثارت ثائرة المصلين وأمسكوا رجل المخابرات الذي دخل المسجد وألقوه تحت أقدامهم وانهالوا عليه بالضربات حتى سقط أرضًا فاقد الوعي، فهجمت الشرطة التي كانت تحاصر المسجد واقتحمت المسجد مستخدمة القوة، فنهض الأهالي في الحي سواء كانوا نساء أو أطفالًا أو كبارًا في السن لمناصرة المصلين، واستخدموا الأحجار والأخشاب، ثم أطلقت الشرطة الرصاص على الناس بشكل عشوائي، كالذي فقد وعيه فأصيب كثير من الأهالي بجروح متفاوتة.
وقد حدث مثل هذه المقاومة في بعض المدن الأخرى بشكل أوسع، وخاصة في مدينة برعو في الشمال الشرقي للبلاد؛ فلقد هجمت قوة كبيرة من الشرطة على كل مساجد المدينة التي أقيمت فيها صلاة الجمعة وحاصرت هذه القوات المساجد بصورة فجائية، وبعد فراغ الناس من الصلاة وجدوا العساكر يحاولون القبض على من تبقى من علماء المدينة والمصلين، فثارت ثائرة الناس وقوفًا إلى جانب العلماء والدعاة، فحصلت مقاومة شعبية شاملة عمت جميع أرجاء المدينة واشترك فيها النساء قبل الرجال وأسفرت عن هلاك لثلاثة من العسكريين المجرمين، وجرح جمع من أفراد شعب المدينة المسلم، واعتقل مئات آخرون.
والجدير بالذكر أن النظام اعتقل من هذه المدينة في الأسبوع الماضي ١٤ من العلماء والشباب الإسلامي، و٦٤ من الفتيات المحتشمات، ولم يستح النظام البغيض من اعتقال الحوامل من النساء فوضعت إحداهن في السجن.
إن الشعب الصومالي الآن مطالب أكثر من أي وقت مضى بوقفة شجاعة ضد هذا النظام ومقاومته بجميع الوسائل، ويجب أن تشمل هذه المقاومة جميع فئات الشعب الصومالي، فقد استشرى ضرر هذا الحاكم وعم الجميع ودخل كل البيوت ودمر البلاد، ونصب نفسه عدوًّا للشعب وطموحاته، وهدم مقومات بقائه، وبلغ السيل الزبى، فيجب أن يتدارك الأمر قبل فوات الأوان.
إن ما حدث في مقديشو العاصمة ومدينة برعو من الانتفاضة لمؤشر إلى الاتجاه الصحيح، ودلالة على أن الشعب الصومالي قد أفاق من غيبوبته الطويلة، وصحا من سباته العميق، وبدأ يسترجع مآثره القديمة ضد الظلم والظالمين.
فالواجب الآن أن تنتشر هذه المقاومة في كل المدن والقرى لتصبح انتفاضة شاملة تأخذ طريقها إلى كل أفراد العصابة المجرمة التي عبثت بالبلاد وعاثت في الأرض فسادًا.. فمن مات دون دمه فهو شهيد، ومن مات دون عرضه فهو شهيد، ومن مات دون ماله فهو شهید.
إننا نهيب بالمسئولين الأحرار وأهل الحل والعقد والشباب والعمال والطلاب في الجامعات والمدارس والمعاهد والفلاحين والجنود والضباط الأحرار والشعب الصومالي كله الذي اشتهر بالبسالة والتمرد على الطغاة ليقف صفًّا واحدًا لمقاومة الظالمين.
إن الأمر يحتاج منا إلى وقفة صامدة أبية لا تهين في هذه المرة ولا تلين حتى يأخذ الحق طريقه وتعود المياه إلى مجراها الطبيعي، فالباطل بطبعه زهوق والظالم جبان خواف.
﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾ (التوبة: ١٤)، وحينئذ فقط نستطيع أن نظهر وجه الصومال الحقيقي للأمم والشعوب كي يزول ما علق ببعض الأذهان من انطباعات سيئة وفهم مغلوط تركتها تلك السنون العجاف من حكم نظام القهر والاستبداد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل