العنوان «الربيع العربي».. وذرائع قوانين الطوارئ (أخيرة)
الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم
تاريخ النشر السبت 11-أغسطس-2012
مشاهدات 70
نشر في العدد 2015
نشر في الصفحة 66
السبت 11-أغسطس-2012
عکس تظاهرات الربيع العربي، التي حظيت بعشرات من الفتاوى، وأثارت حفيظة عشرات من المفتين والفقهاء: لم تحظ قوانين الطوارئ العربية، بعناية أي مرجع إفتاني: لا مجمع فقهي، ولا مفت مفرد لكي يبحثها وفق قاعدة سد الذرائع وفتحها وغيرها من القواعد الأصولية ذات الصلة برعاية المصلحة و دفع الضرر، وكان الأولى أن تستحوذ هذه القوانين سيئة السمعة على اهتمام كثيرين من رجال الفقه والإفتاء المعنيين بالنظر الشرعي في المصالح والمفاسد العامة التي تصيب السواد الأعظم من أبناء الأمة، وتؤثر تأثيرا بالغ السوء على مكانة الأمة بين أمم العالم.
إن معظم الدساتير العربية تمنح رئيس الدولة حق إعلان حالة الطوارئ وتعطيل العمل بالدستور ذاته، ووقف العمل بالقوانين العادية كليا أو جزئيا في حالات كثيرة منها وقوع الفوضى والكوارث الطبيعية، والحرب، والنزعات الأهلية الفتنة الداخلية.. إلخ.
وأيا كانت الدوافع التي تذرع بها العلماء من المفتين والفقهاء لتحاشي الخوض في نقد قوانين الطوارئ نقداً أصولياً من باب الموازنة بين المصلحة والمفسدة، فإن المهم الآن ليس البكاء على اللبن المسكوب، وإنما هو تذكير هؤلاء ودعوتهم إلى البحث في قوانين الطوارئ وإعلان الرأي الشرعي فيها السبب الأول هو دخول جميع قوانين الطوارئ بكل تفاصيلها تحت قاعدة سد الذرائع، وغيرها من القواعد الأصولية الخاصة برعاية المصالح كما أسلفنا والثاني هو أن الفكرة الأساسية لهذه القوانين متجذرة في كتب السياسة الشرعية، وهذا مجرد افتراض مني وهو بحاجة إلى أصولي نابه، يقوم بالتثبت من صحته، وبالتالي يتعين أن يتشارك علماء الاجتماع السياسي الإسلامي مع علماء الفقه وأصوله في بحث هذا الموضوع الشائك والسبب الثالث هو أن تأثيرات هذه القوانين أسهمت في تشكيل مسارات ووقائع التغير الاجتماعي والسياسي في عديد من المجتمعات العربية خلال نصف القرن الأخير، ومن ثم فإن دراسة الآثار والنتائج التي ترتبت عليها دراسة أصولية ستساعدنا في سد النقص الحاصل في دراسات علم اجتماع الفقه .. وأتوقع أن تكون الأسئلة البحثية بالغة الثراء في هكذا بحث وخاصة أن قوانين الطوارئ تتناول في موادها كافة المصالح العامة والخاصة، والحقوق الفردية والجماعية، وتخول ولي الأمر، حق التصرف فيها بحسب ما يقدره هو للمحافظة على تلك المصالح ورعايتها.
لا توجد اختلافات نوعية كثيرة بين نصوص قوانين الطوارئ العربية وبالمثال يتضح الحال، وفيما يأتي مثالان أحدهما هو م/3 من قانون الطوارئ المصري والثاني هو م / ٤ من قانون الطوارئ السوري.
أ- مادة 3 من قانون الطوارئ المصري رقم ١٦٢ لسنة ١٩٥٨م ، لرئيس الجمهورية متى أعلنت حالة الطوارئ أن يتخذ بأمر كتابي أو شفوي التدابير الأتية:
أولا: وضع قيود على حرية الأشخاص في الاجتماع والانتقال والإقامة والمرور في أماكن أو أوقات معينة، والقبض على المشتبه بهم أو الخطرين على الأمن والنظام العام واعتقالهم، والترخيص في تفتيش الأشخاص والأماكن دون التقيد بأحكام قانون الإجراءات الجنائية، وكذلك تكليف أي شخص بتأدية أي عمل من الأعمال .
ثانياً: الأمر بمراقبة الرسائل أياً كان نوعها ومراقبة الصحف والنشرات والمطبوعات والمحررات والرسوم وكافة وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها وضبطها ومصادرتها وإغلاق أماكن طباعتها.
ثالثا: تحديد مواعيد فتح الحال العامة وإغلاقها وكذلك الأمر بإغلاق هذه المحال كلها أو بعضها.
رابعا: الاستيلاء على أي منقول أو عقار والأمر بفرض الحراسة على الشركات والمؤسسات، وكذلك تأجيل أداء الديون والالتزامات المستحقة والتي تستحق على ما يستولى عليه أو على ما تفرض عليه الحراسة.
خامساً: سحب التراخيص بالأسلحة أو الذخائر أو المواد القابلة للانفجار أو المفرقعات على اختلاف أنواعها والأمر بتسليمها وضبطها وإغلاق مخازن الأسلحة.
سادساً: إخلاء بعض المناطق أو عزلها وتنظيم وسائل النقل وحصر المواصلات وتحديدها بين المناطق المختلفة ويجوز بقرار من رئيس الجمهورية توسيع دائرة الحقوق المبينة في المادة السابقة على أن يعرض هذا القرار على مجلس الأمة في أول اجتماع له ...
ب - مادة 4 من قانون الطوارئ السوري رقم ٥١ لسنة ١٩٦٢م.
للحاكم العرفي أو نائبه أن يصدر أوامر كتابية باتخاذ جميع القيود أو التدابير الآتية أو بعضها وأن يحيل مخالفيها إلى المحاكم العسكرية
أ- وضع قيود على حرية الأشخاص في الاجتماع والإقامة والتنقل والمرور في أماكن أو أوقات معينة، وتوقيف المشتبه فيه أو الخطرين على الأمن والنظام العام توقيفا احتياطيا، والإجازة في تحري الأشخاص والأماكن في أي وقت، وتكليف أي شخص بتأدية أي عمل من الأعمال.
ب - مراقبة الرسائل والمخابرات أيا كان نوعها، ومراقبة الصحف والنشرات والملفات والرسوم والمطبوعات والإذاعات وجميع وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها وضبطها ومصادرتها وتعطيلها وإلغاء امتيازها وإغلاق أماكن طبعها.
ج- تحديد مواعيد فتح الأماكن العامة وإغلاقها.
د- سحب إجازات الأسلحة والذخائر والمواد القابلة للانفجار والمفرقعات على اختلاف أنواعها والأمر بتسليمها وضبطها وإغلاق مخازن الأسلحة.
هـ إخلاء بعض المناطق أو عزلها وتنظيم وسائل النقل وحصر المواصلات وتحديدها بين المناطق المختلفة.
و- الاستيلاء على أي منقول أو عقار وفرض الحراسة المؤقتة على الشركات والمؤسسات وتأجيل الديون والالتزامات المستحقة والتي تستحق على ما يجري الاستيلاء عليها.
ز- تحديد العقوبات التي تفرض على مخالفة هذه الأوامر على ألا تزيد على الحبس مدة ثلاث سنوات، وعلى الغرامة حتى ثلاثة آلاف ليرة سورية أو إحداهما.
وإذا لم يحدد الأمر العقوبات على مخالفة أحكامه، فيعاقب على مخالفتها بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر وبغرامة لا تزيد على خمسمائة ليرة سورية. أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل ذلك مع عدم الإخلال بالعقوبات الأشد المنصوص عليها في القوانين الأخرى.. هل يمكن أن تتقبل برلمانات الربيع العربي استمرار مثل تلك النصوص التي تجعل باب الاستبداد مفتوحاً على مصراعيه، وباب الحرية موصداً في وجه أغلب أبناء الأمة إلى ما لا نهاية؟ وهل ترضى برلمانات الربيع العربي أن ترت هذه التركة من القوانين سيئة السمعة التي وضعتها النخب التي ادعت العلمانية والحداثة السياسية، ورفعت شعارات التقدم والانفتاح على منجزات الأمم المتحضرة بزعمهم ؟!