العنوان الشرعية في مواجهة الفوضى
الكاتب محمد جمال عرفه
تاريخ النشر السبت 08-ديسمبر-2012
مشاهدات 72
نشر في العدد 2030
نشر في الصفحة 18
السبت 08-ديسمبر-2012
- مليونية القوى والأحزاب الإسلامية فاقت الخمسة ملايين وأظهرت انحياز الشارع للرئيس.
- «مرسي» ، ألقى الكرة في ملعب الشعب بطرح الاستفتاء خلال أسبوعين.
- الفقيه الدستوري ثروت بدوي: قوى معادية للثورة تحاول بكل الطرق الحيلولة دون صدور دستور يكرس الديمقراطية والحرية.
- د. عاطف البنا : نسبة المشاركة في الاستفتاء على الدستور لن تقل عن ٧٠% وأتوقع موافقة ٨٠ أو ٨٥% عليه.
- صابر أبو الفتوح: دعوة المعارضة القضاة لعدم المشاركة في الاستفتاء على الدستور « إفلاس سياسي » ويسعون للصدام والحرب الأهلية.
لم تكن قدرة القوى الإسلامية والشعبية المؤيدة للرئيس المصري «محمد مرسي»، على حشد عشرات الآلاف في مليونية «الشرعية والشريعة»، بميدان نهضة مصر أمام جامعة القاهرة محل شك لأحد من القوى المناونة للإسلاميين، ولكن المفاجأة الحقيقية كانت في حجم الحشد الذي تجاوز كل التوقعات.
وهو ما قدرته قناة «سي إن إن» الأمريكية تارة بمليونين وتارة بخمسة ملايين وظهرت الدهشة على وجوه كل مذيعي الفضائيات المناوئة للإخوان وخصومهم وهم يعترفون علنا بأن العدد كان مذهلاً، ما يؤكد ليس القدرة فقط على الحشد مقابل العشرات في ميدان التحرير، ولكنه دليل على مساندة العديد من المصريين الشرعية الرئيس المنتخب ورغبتهم في مساندة السيناريو الذي سار عليه لتقليص الفترة الانتقالية للثورة التي طالت عامين وصولاً للاستقرار، بل وأكد قيادي بحزب «الحرية والعدالة» أن النية كانت حشد ١٠ ملايين مصري وليس فقط العدد الذي حضر؛ لإظهار مساندة الشعب للرئيس والشرعية التي يمثلها وللدستور.
امتلأت الميادين
امتلأ ميدان نهضة مصر بالمتظاهرين وفاض حتى وصلت الحشود إلى مسافات تمتد لمحيط خمسة كيلومترات، واقترب الحشد من «ميدان التحرير»، حتى سخر البعض على «فيسبوك» من ضبط متظاهري مؤيدي «مرسي» في التحرير، والقبض على مصريين دخلوا السودان؛ لأنهم لم يجدوا مساحات قريبة من الحشد الذي نظمه الإسلاميون بسبب الزحام.
ولذلك لم تنكر صحف مصر وفضائياتها على تنوعها أن هذا الحشد هو أكبر حشد شهدته ميادين مصر حتى في أيام ثورة إسقاط نظام الرئيس المخلوع «حسني مبارك»، خصوصًا أن حشودًا مماثلة جرت في كبرى المدن المصرية شمالاً (الإسكندرية)، وجنوبًا (أسيوط)، ضمت مئات الآلاف على أقل تقدير، وتزامنت مع تسليم ممثلي الجمعية التأسيسية لدستور مصر الجديد للرئيس «مرسي»، وتحديد الرئيس يوم ١٥ ديسمبر الجاري لاستفتاء الشعب عليه.
ويرى مراقبون أن تعجيل الرئيس بتحديد يوم ١٥ ديسمبر للاستفتاء على الدستور جاء بمثابة حل وسط لإنهاء حالة الاحتقان بين القوى والتيارات الإسلامية المطالبة بسرعة إنهاء الفترة الانتقالية، ووضع الدستور، وإجراء انتخابات برلمانية؛ لكي تكتمل مؤسسات الدولة، وتنتهي حالة الصراع السياسي المحتدمة، ويبدأ البناء والتنمية وبين القوى الأخرى العلمانية (اليسارية والليبرالية) التي ترفض كل شيء (الدستور والانتخابات والإعلان الدستوري)، إلا أن طرح الرئيس الدستور للاستفتاء أثار غضب المعارضة التي هددت بالمقاطعة تارة ومحاصرة الرئاسة تارة أخرى، وسعت لتشكيل تحالف مع قضاة مناوئين للرئاسة لرفض الإشراف على هذا الدستور.
إذا ارتعدت فرائص القوى السياسية العلمانية التي لا ثقل لها في الشارع، والذين يخشون رأي الشعب والشارع الحقيقي لو احتكموا للاستفتاء على الدستور، وعاد التشكيك مرة أخرى في قدرة المصريين على الاختيار الصحيح من هؤلاء الذين يخشون استطلاع رأي الشعب كله، ويتحدثون باسم النخبة فقط؛ لأنهم لا وجود حقيقيا لهم في الشارع باستثناء مقاهي وصالونات وفنادق النخبة، حسبما تشير نتائج كل الانتخابات السابقة.
فتجربة استفتاء الإعلان الدستوري الأول في مارس ۲۰۱۱م، ثم انتخابات مجلسي الشعب والشورى وانتخابات الرئاسة، أصابت القوى اليسارية والليبرالية التي لفظها الشعب بـ«عقدة» مزمنة جعلتهم يهاجمون كل انتخابات وكل استفتاء؛ لأنهم يثقون أن نتائجه ليست لصالحهم، بل ويسلمون سلفًا أن أغلبية الشعب ستختار التيار الإسلامي والشرعية التي تساند الرئيس المنتخب ولهذا فهم يرفضون من الأصل المشاركة في أي انتخابات.
ولكن بالمقابل، يرى رموز التيار الإسلامي أن الاستفتاء على الدستور هو أقصر الطرق لوقف العمل بالإعلان الدستوري الذي يعترض عليه معارضو الرئيس، كما أنه سيلغي عمليًا «تحصين» قرارات الرئيس التي اعترضوا عليها أيضًا .
كما يرون أن هذا الاستفتاء معناه انتقال السلطة التشريعية من الرئيس إلى مجلس الشورى - مؤقتًا - لحين إجراء انتخابات مجلس الشعب خلال ستة أشهر، ثم حل الشورى وإجراء انتخابات جديدة له، وبالتالي فهي ستعني نزع السلطة التشريعية من الرئيس، وتقليص قدرته على التدخل في قرارات القضاء بعد إلغاء كل الإعلانات الدستورية، كما ستحجم سلطة الرئيس التنفيذية - بموجب الدستور - بنسبة الربع تقريبًا .. فلا يصبح لدينا رئيس دكتاتور كما تزعم المعارضة.
ویرى دعاة الاستقرار لإنقاذ الاقتصاد المصري من المزيد من التردي أن الشعب بحاجة ماسة لأن يكون لديه دستور دائم وإجراء انتخابات مجلس شعب في أسرع وقت لينهي المرحلة الانتقالية، ويرون أن من يخشون الاحتكام للصندوق قلة؛ لأنهم اختبروا أنفسهم في أربعة انتخابات سابقة واستفتاء منذ ثورة ٢٥ يناير، فلم يفوزوا في أي منها، ما دفعهم لاتهام الشعب أنه لا يفهم الديمقراطية!
تصعيد متبادل
وقد أدى الانتهاء من الدستور الذي هاجمته المعارضة برغم مشاركة رموزهم في %٩٠ منه قبل انسحابهم - وفق ما صرح به المنسحبون أنفسهم - وحظيت كل مادة من مواده بمناقشة دامت ٢٠٠ ساعة بحسب إحصاء رسمي وطرحه للاستفتاء أدى لحالة من ردود الفعل الغاضبة بين التيارات الليبرالية واليسارية، وهو ما دعا رموزًا في التيار الإسلامي وحزب «الحرية والعدالة» (الإخوان)، لانتقاد جبهة «الإنقاذ الوطني»، المكونة من الأحزاب والقيادات الليبرالية واليسارية بعد تحريضها للقضاة لعدم الإشراف على الاستفتاء على الدستور وتهديدها بالعصيان المدني والزحف على قصر «الاتحادية».
وقلل صابر أبو الفتوح، القيادي بحزب «الحرية والعدالة» من هذه التهديدات مؤكدًا أن «هناك قضاة محترمين وشرفاء منهم «قضاة من أجل مصر»، وأعضاء بسلك النيابة، وكثير من المحامين، والشعب في النهاية هو أفضل وسيلة للإشراف عليها».
ووصف دعوة جبهة «الإنقاذ الوطني» القضاة لعدم مشاركتهم في الاستفتاء على الدستور بأنها «إفلاس سياسي»، ودليل على أنهم لا يعرفون آليات الديمقراطية الصحيحة، كما اعتبر أن سعي ما يسمى «جبهة الإنقاذ» للعصيان المدني والزحف على قصر الاتحادية دليل على أنهم يسعون للصدام والحرب الأهلية والاقتتال الشعبي.
وقد أشاد قانونيون وسياسيون ل «المجتمع» بالدستور الجديد الذي تشكك فيه المعارضة، وقالوا : إن الجمعية التأسيسية لوضع الدستور قامت بمجهود خارق خلال الستة أشهر الماضية، بعد أن اطلعت على أكثر من ٨٥ ألف مادة مقترحة، وما يزيد علي ۸۰ نسخة لمشاريع الدساتير، لتضع دستورًا توافقيًا .. وقال د. عمرو دراج، الأمين العام للجمعية التأسيسية لوضع الدستور: إنه يتوقع أن تكون حجم المشاركة في الاستفتاء على مواد الدستور كبيرة برغم دعوات المعارضة لتعطيله .
أما د. محمد يسري الأمين العام للهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح، فقال: إن الدستور الجديد هو دستور غير مسبوق في مصر، وإنه لم يكتب دستور بهذه القوة والمتانة والأصالة، لأنه أضاف مؤسسات رقابية جديدة مثل مؤسسات مكافحة الفساد داخل كل أركان الحياة المصرية، وأضاف إلى الشريعة مادة في الدستور تقويها وتحميها وأوضح تفسيرها ليكف أيدي العابثين عنها .
وقال ممدوح إسماعيل، المحامي وعضو مجلس الشعب السابق: إن الدستور المصري قد أتى توافقيا إلى حد كبير، ويعبر عن جموعالشعب المصري رغم دعاوى المعارضين له.
وقد أكد د. ثروت بدوي الفقيه الدستوري بوضوح أن هناك قوى عديدة داخلية وخارجية معادية للثورة، وتحاول بكل الطرق الحيلولة دون صدور دستور يكرس الديمقراطية والحرية، ويحدد السلطات، ويقيم المحاكمات للفاسدين ولقتلة الثوار، وهو ما تؤكد عليه المسودة النهائية للدستور، مشيرًا إلى أن هناك مؤامرة أمريكة صهيونية لتخريب مصر يقودها بعض العملاء بالداخل.
أما د. عاطف البناء الفقيه الدستوري وعضو الجمعية التأسيسية، فتوقع ألا تقل نسبة المشاركة في الاستفتاء على الدستور عن ٧٠%، ونسبة الموافقة عليه لن تقل عن ٨٠ أو ٨٥%.
الدستور الجديد يلبي متطلبات الثورة ويكتب نهاية « الفلول»
يقول خبراء القانون الدستوري إن الدستور المصري الجديد يلبي متطلبات الثورة، ويكتب نهاية «الفلول» الأنه ضم مواد مستحدثة عبرت عن آمال وطموحات المجتمع، ويمكن تبيان ذلك في:
- أن الدستور الجديد نص على أن الأزهر الشريف هيئة مستقلة بذاتها، بعد أن كان إحدى مؤسسات الدولة التابعة للحاكم في «دستور ۷۱» ويتولى نشر الدعوة وعلوم الدين واللغة العربية في مصر والعالم وتضمن مواد متعلقة بحماية الأخلاق العامة والآداب والثقافة والتزمت الدولة في الدستور الجديد بتنمية الريف المصري والبادية، ورفع مستوى المعيشة بأهل تلك المناطق، بعد أن عانوا سنوات من الإهمال والتهميش بالإضافة إلى تجفيف منابع الأمية والرعاية الصحية، وتوفير معاش مناسب لصغار المزارعين.
- وفي سابقة تشريعية هي الأولى من نوعهافي تاريخ مصر، نص الدستور الجديد على حرمان جميع قيادات «الحزب الوطني» المنحل من أعضاء الأمانة العليا ولجنة السياسات والمكتب السياسي وأعضاء مجلس الشعب والشورى الفائزين في انتخابات ۲۰۰۵ و ۲۰۱۰من حقوقهم السياسية لعشر سنوات قادمة.
- كما أعاد الدستور الجديد نظام الأوقافالخيرية التي كانت موجودة في مصر من قبل أسرة «محمد علي»، ثم ألغيت، فقد استولت الحكومات المتعاقبة على أموالها تخوفًا من زيادة نفوذ الأزهر الشريف الذي كان توقف عليه أراض كثيرة سنويًا، ولهذه المادة أثر كبير في تحقيق العدالة الاجتماعية في المجتمع.
- ومما تميز به الدستور الجديد عن باقي الدساتير السالفة التأكيد على حرية التعبير والرأي، وحرية تداول المعلومات بشكل عام وكذلك حرية التظاهر السلمي، والمواكب تكون بالإخطار، مع حظر حضور رجال الأمن للاجتماعات الخاصة أو التنصت عليها والنص على هذه المسائل في الدستور يرفع جدًا من قدر الحماية القانونية لها ؛ إذ يجعلها في مرتبة قانونية أعلى.
- كما تميز أيضًا بحرية إصدار الصحف للأشخاص الاعتباريين (الشركات) والأشخاص الطبيعيين (الأفراد)، وتكون بمجرد الإخطار، والتي كانت في الدستور القديم لا تصدر الصحف إلا بحصول على ترخيص، وكان يعتبر هذا الترخيص منحة من الحاكم، كذلك الرقابة على المطبوعات والصحف محظورة في غير زمن الحرب.
- كما حدد الدستور الجديد مدة الولاية الرئاسية بأربع سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة، بعدما قاد «مبارك» البلاد على مدى ثلاثين عامًا بتزوير الاستفتاءات الشعبية بمد فترات الرئاسة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل