العنوان «العلماء العاملون؟ هذا شأنهم!!»
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-ديسمبر-1986
مشاهدات 69
نشر في العدد 794
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 02-ديسمبر-1986
ذكر الإمام ابن الجوزي في كتابه «صفة الصفوة»، إن هارون الرشيد قدم الرقة فانجفل الناس خلف «عبد الله بن المبارك» وتقطعت النعال وارتفعت الغبرة... وأشرفت أم ولد أمير المؤمنين من برج من قصر الخشب فلما رأت الناس قالت: ما هذا؟ قالوا: عالم من أهل خراسان قدم الرقة يقال له عبد الله بن المبارك. فقالت: هذا -والله- الملك لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بشرط وأعوان!!
فماذا كان شأن عبد الله بن المبارك حتى نال هذه المنزلة؟ وهل كان ابن المبارك حريصًا على ازدحام الناس من حوله؟
يقول أحد مرافقيه: كنت مع ابن المبارك يومًا فأتينا على سقاية، والناس يشربون منها، فدنا منها ليشرب، ولم يعرفه الناس فزحموه ودفعوه... فلما خرج قال لي: ما العيش إلا هكذا. يعني حيث لم تعرف، ولم نوفر.
قال: وبينا هو بالكوفة يقرأ عليه كتاب المناسك، انتهى إلى حديث وفيه: «قال عبد الله، وبه تأخذ». فقال: من كتب هذا من قولي؟ قلت: الكاتب الذي كتبه. فلم يزل يحكه بيده حتى درس ثم قال: ومن أنا حتى يكتب قولي.؟!
إن ابن المبارك لم يكن يطلب الدنيا ولكن الدنيا كانت تطلبه، ولم يكن يبحث عن الشهرة، ولكن الشهرة كانت تجري وراءه... لم يعش بدينه، ولم يأكل الدنيا به ولكنه عاش لدزينه، وقد سئل مرة من السفلة؟ فقال: الذين يعيشون بدينهم.
كان يعطي للناس، فيطمع الناس بماله، ولم يكن يأخذ منهم، ولم يطمع بما في أيديهم، وقد بلغ ما كان ينفقه على الفقراء في كل سنة مائة ألف درهم!
وأما علمه وحرصه على العلم فقد بلغ به الدرجات العلى ولا يعرف الفضل لأهله إلا ذويه. وقد قال سفيان الثوري لرجل سأله عن مسألة من أين أنت؟ قال الرجل: من المشرق. قال سفيان: أو ليس عندكم أعلم أهل المشرق؟! «يعني ابن المبارك» ثم قال: وأعلم أهل المغرب.
وأما جهاده فقد كان يحج عامًا، ويغزو عامًا... وفي إحدى المعارك مع الروم خرج بطل منهم يصول ويجول، ويجندل الفرسان... فخرج إليه رجل ملثم تصاول معه طويلًا، ثم أرداه قتيلًا.. فلحق به المسلمون ليعرفوه، وكان حريصًا أن لا يعرف فإذا هو عبد الله بن المبارك.. الذي اجتمع له العلم والإنفاق والجهاد في سبيل الله، مع حرص شديد على البعد من الشهرة والسمعة بين الناس... وهذا شأن العاملين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل