; «الغواية الأمريكية» | مجلة المجتمع

العنوان «الغواية الأمريكية»

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يناير-1979

مشاهدات 77

نشر في العدد 430

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 30-يناير-1979

قيمة الأحداث في استخلاص العبر منها، والأحداث كثيرًا ما تكرر نفسها وتطرح على صانعي الأحداث مشروعًا للفشل أو النجاح.

  • الفشل حينما يغفل صانعو الأحداث عن استجلاء معاني الأحداث والاستفادة من التجارب السابقة عن طريق قراءة التاريخ القريب أو البعيد، واستقراء نتائج المستقبل، وإعداد العدة لمواجهتها.
  • والنجاح حين يكون أولئك الصناع مدركين للأحداث، واعين لعبرها وتجاربها، يخططون ويدرسون تحركاتهم بعيدًا عن الارتجالية وردود الفعل السلبية، منطلقين بهدف مصلحة الأمة؛ لا المصالح الشخصية.

«الولايات المتحدة.. ولعبة الإغواء»

تتعدد المصالح وأطراف اللعبة في منطقتنا الإسلامية، وبالأخص العربية منها، ويبقى للولايات المتحدة (ما اصطلحنا على تسميته بالطرف الأمريكي) نصيب الأسد.

ويبقى اللاعب الأمريكي يلعب بورقة الإغواء.. إغواء الحكام بالوصول السريع وتجاوز المطالب الشعبية، حتى لا تتعارض مع مصالحهم، وإغواء الشعوب بالوصول السريع للحضارة! عن طريق السلوك المنحل والفكر المنحل ونسيان المشاكل، والغرق في لذات الإباحية والوصولية؛ وذلك لأن الغريم السوفيتي يلعب بورقة التهديد.

  • ويبقى اللاعب الأمريكي يلعب بورقة الإغواء مقتديًا بقولة أحد الساسة الإنجليز: «لبريطانيا مصالح دائمة، ولكن ليس لها أصدقاء دائمون»؛ وذلك لأن كل الغرباء ينطلقون من هذه القاعدة! فالكل يحرص على مصالحه من الدول الإسلامية الغنية بالدرجة الأولى.

والآن وعلى ضوء الدور الذي تلعبه أمريكا وقضية المصالح التي تحكم علاقات الدول القوية في منطقتنا الإسلامية، هل تستبعد:

أولًا: على نطاق القضية الإيرانية:

- إن تقوم أمريكا باستخدام ورقتها الرابحة في إيران؛ ونعني بذلك الجيش، فتستخدم التناقض الذي على أشده بين الحكومة الحالية برئاسة بختيار وبين زعيم المعارضة الإيرانية الإمام الخميني لإيصال ضابط أو مجموعة من الضباط العسكريين فيقومون بنفس الدور الذي قامت به مجموعة الضباط الأحرار في مصر سنة ١٩٥٢م، حيث انطلقت منطلقًا وطنيًّا.

ثم تكشفت لنا الوثائق الأمريكية التي استطاعت أن تغري جمال عبد الناصر بلذة الوصول السريع المحكم، ومكنته من التحكم الوثيق بمشاعر الأمة العربية التواقة للاتحاد وتحرير أرض فلسطين الإسلامية، ثم ما لبثت الأمة العربية إن وعت لتاريخها فوجدت نفسها ضحية المزايدات على المصالح والأهواء الشخصية.. وذهبت الشعارات الرنانة أدراج الرياح.. وبقي الذل العربي.

- وبعد ذلك هل نستبعد أن تقوم أمريكا باستثمار الحكم العسكري الذي ولد على يدها لتستخدمه كأداة تهديد للدول المجاورة لإيران، فتشعل من جديد الفتن الطائفية والنعرات القومية الإقليمية، لتعود الدول التي رفضت الاستسلام الكامل لأمريكا في كامب ديفيد إلي مسرح الأحداث الدامية، تفرض على الحكام مزيدًا من الالتجاء لأمريكا، وتفتح مزيدًا من أسواق السلاح في الدول النفطية القوية.

- فتسترد الأموال التي تدفعها ثمن النفط الذي تأخذه.

- وتضمن عدم ظهور قوة جديدة (ربما الإسلام) على مسرح الأحداث.

- وتكون مرحلة جديدة للاستسلام الكامل لأمريكا.

ثم هل نستبعد محاولة الحكم العسكري الإيراني أن يقوم بلعبة ذكية يستغل فيها تناقض المصالح بين الدول الكبرى، فيقوم ببعض التحركات السياسية التي ستستثمرها أمريكا والدول القوية الأخرى، فتعيش المنطقة الإسلامية سنوات أخرى من التخبط بين الشرق والغرب، والمنازعات الداخلية بين المسلمين أنفسهم.

- فتتأخر المسيرة الحضارية للمسلمين سنين أخرى، بعد السنين التي تأخرتها تحت ظل التهديد الصهيوني.. والمزايدات على التحرير!

- ويقودنا اليأس إلي مزيد من الاستسلام، ونفاجئ بكامب ديفيد أخرى؛ ولكن على مستوى المسلمين، لا العرب فقط.

ثانيًا: على نطاق الدول العربية: 

- هل نستبعد أن تكون أمريكا فعلًا تحاول أن تغير من طبيعة الأنظمة المحسوبة عليها في الدول العربية حسب السياسة الجديدة التي تتبناها إدارة الرئيس كارتر، التي ترى أن الأنظمة الموالية لها لم تعد ملائمة لوقتنا الحالي الذي ازدادت فيه صحوة الشعوب، كما أنها فشلت في إرضاء القطاع العريض من الناس وتطرفت في عمليات قمع خصومها كالتي كان يقوم بها الإمبراطور الإيراني السابق محمد رضا شاه.

هل نستبعد أن تبدأ أمريكا بحملة التغيير مستغلة نفوذها وتعلق الأنظمة بها، ومستغلة ما قد تجره تطورات الأحداث في إيران؟!

- فتتعطل مسيرة التنمية العربية لمواجهة العدو اليهودي.

- وتخرج إلي الوجود العربي أنظمة شعبية الظاهر، أمريكية الباطن، تجر المنطقة العربية إلي مزيد من التخاذل والاستسلام.

ثالثًا: على نطاق التصارع العالمي:

- هل نستبعد وخصوصًا أن بعض التكهنات الاستراتيجية تستبعد في الوقت الحالي قيام مواجهة عسكرية بين الدول الكبرى، وإن ما يحدث بين العملاقين أمريكا وروسيا من مواجهات مبطنة وظاهرة إنما هي لإخافة الرأي العام العالمي؟

هل نستبعد أن تكون أمريكا قد أعدت صيغة للوفاق بينها وبين روسيا، وبالتالي فستسمح للدب الروسي بالقيام بحركات تخيف الحكام وترهب الشعوب (كما تردد الآن عن الحشود السوفيتية على الحدود الإيرانية، وطلب بعض المسئولين الأمريكيين من الكونجرس السماح للجيش الأمريكي بالأعداد).

- فتزداد بعض الأنظمة الإسلامية خضوعًا للإغواء، وتبقى المنطقة الإسلامية فترة أطول معرضة للنهب والسرقة البشعة لثرواتها ومقدراتها البشرية والاستراتيجية.

إذن ما الحل؟ وكل ذلك بيد أمريكا الآن.

الحل واضح ويحيكه لنا التاريخ لمن أراد التثبت.. أمريكا مهما بلغت من الذكاء والقوة لن تستطيع أن تتحكم بمشاعر الشعوب.

والتاريخ يحكي لنا بكل وضوح أن الأمة الإسلامية لم تنهض وتخضع العالم لعدلها وعلمها إلا بعد أن تمكن الإسلام منها، فإذا أردنا أن نجابه «الإغواء الأمريكي» فلنضعه وجهًا لوجه أمام الشعوب، ولنضع الشعوب الإسلامية مرة أخرى -وبإخلاص- وجهًا لوجه أمام دينها وعقيدتها وتشريعها.

حين ذاك سنعلم لماذا تحاول أوروبا وأمريكا «إغواء» الأنظمة لضرب الحركات الإسلامية والقضاء على المد الإسلامي.

وحين ذاك سنجد أنفسنا وجهًا لوجه أمام وعد الله جل وعلا: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحج: 40).

فهل نعي هذا الأمر قبل فوات الأوان؟ أم نستجير من الرمضاء بالنار ونتخلص من شر إلي أشر منه تحت ضغوط مصالحنا الشخصية ورغباتنا وأهوائنا، وعدم إدراكنا لعبر الأحداث وحقائق التاريخ؟

الرابط المختصر :