العنوان «القنبلة» انفجرت في وجه عرفات
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 31-يوليو-2004
مشاهدات 68
نشر في العدد 1611
نشر في الصفحة 17
السبت 31-يوليو-2004
ليست مفاجأة تلك الأحداث الدامية التي تفجرت في أحشاء السلطة الفلسطينية، لكن العجب هو في طريقة تعامل أركان السلطة معها، فقد سارع كل فريق إلى التمكين لسلطاته، وحشد قوته على حساب الفرق الأخرى.. وتبخرت شعارات «وحدة الصف»، وغابت القضية الكبرى.. قضية فلسطين، عن الساحة تمامًا وظهرت فقط كشماعة في أيدي المتصارعين ليضرب كل بها الآخر!
الأزمة ليست جديدة - كما هو معلوم - ولكنها موجودة منذ انزلقت منظمة فتح والمنظمات الدائرة في فلكها إلى موائد المفاوضات مع العدو الصهيوني وسيطر على حركتها فكر معسكر التفاوض، وخلع قادتها بزة الكفاح وانفتحت كروشهم عن آخرها على الدنيا.. جمع المال وعقد الصفقات والشراكات مع الشركات الصهيونية وفرض الإتاوات على عباد الله من بني وطنهم الذين انتظروا الخلاص على أيديهم فإذا بهم يستجيرون من الرمضاء بالنار.. وأتخمت الكروش كل حسب سطوته وقوته ونفوذه، وقد احتلت فضائح الفساد المالي في السلطة عناوين وسائل الإعلام فترة طويلة ويبدو أن تحركات الدول الأجنبية المانحة للمساعدات وخاصة اللجنة الدولية الرباعية أمريكا وروسيا والاتحاد الأوروبي والنرويج، لم تفلح بالتعاون مع صندوق النقد والبنك الدولي في ضبط عمليات الفساد المالي داخل السلطة.
هذا الصراع المالي وسباق أركان «السلطة»، على «هبش» ميزانية الشعب الفلسطيني كان بمثابة الدخان الذي زكم الأنوف ولفت الانتباه إلى الصراعات المريرة
داخل أحشاء السلطة.
وقد تشكلت محاور وكتل متصارعة داخل السلطة كل يسعى لتشويه الآخر وإزاحته لينفرد وحده بالسلطة، حيث الخزانة المتخمة بالدولارات، وحيث الإمساك بمفاتيح القضية والتحكم بالشعب البائس في الداخل والخارج، والانفراد بالاتصال بالعدو الصهيوني.
وسط هذا المشهد المزري برزت شخصيات وتكتلات مسنودة بقوة من شارون والبيت الأبيض منهم محمود عباس، ومحمد دحلان، ومن حولهم عدد لا بأس به من القيادات وقوة لا يستهان بها من العسكريين مشكلة المحور الأخطر على السلطة وعلى القضية برمتها لأن الشواهد تؤكد أنها صاحبة مشروع متكامل تمت صياغته بفكر وإملاء صهيوني ولقي الدعم من واشنطن، ويرمي في التحليل الأخير إلى إغلاق ملف القضية الفلسطينية تمامًا، وفق الرؤية الصهيونية، أي التنازل عن القدس وإسقاط حق اللاجئين في العودة، واجتثاث تيار المقاومة عن بكرة أبيه، والقبول بفتات الأرض ليعيش عليها من بقي من الشعب.
هذا المحور- محور عباس/ دحلان- يلعب، وسيظل، بكل الأوراق ويصول ويجول في أحشاء السلطة مع غيره من محاور وتكتلات أخرى مثل محور رجال الأمن الفاسدين حتى يمزقها .. وتصبح ذات يوم لنرى تلك «السلطة»، جثة هامدة.
أمام تلك المشاهد الفاضحة يقف المرء متسائلًا: أهؤلاء هم الثوار الذين صدعوا رؤوسنا طوال نصف قرن (نشأة فتح كانت عام ١٩٦٥م) بتحرير فلسطين.. أهؤلاء هم الذين ظلوا يحتكرون صفة الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني؟!
وتتدافع التساؤلات.. ماذا لو لم تكن حركة حماس وحركة الجهاد وحركة كتائب شهداء الأقصى، وبقية فصائل الكفاح والجهاد موجودة على الساحة؟ وماذا لو نجح تيار الفساد والاستسلام وبيع فلسطين من اجتثاثها؟ هل يمكن أن يتحرر شبر في أرض فلسطين على أيدي هؤلاء؟!
إن من لطف الله بالقضية الفلسطينية ورحمته بالشعب الفلسطيني أن حركة شهداء الأقصى تبلورت من داخل حركة فتح ثم ابتعدت عنها لتميز نفسها عن مافيا المصالح والسباق على الأموال واختارت لنفسها خندق الجهاد والاستشهاد إلى جوار أخواتها من حركات المقاومة.
ومن لطف الله بالقضية ورحمته بالشعب أن خرجت حركة حماس مع الانتفاضة في الثمانينيات ونجحت خلال ما يقرب من خمسة وعشرين عامًا من العمل والجهاد في إبداع منظومة سياسية عسكرية اجتماعية منسجمة تقوم حركتها على المؤسسية وتستمد قوتها من تألفها وتناغم أبنائها وتضرب بجذورها يومًا بعد يوم في أعماق الشعب الفلسطيني على هدي من برنامجها الإسلامي الاستشهادي المشبع بالإخلاص والتضحية والفداء.. فقادتها ومؤسسوها منهم من قضى نحبه شهيدًا ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلًا.
أما معظم قادة السلطة فقد رضوا ببئر معطلة وقصر مشيد ... فكانت النتيجة ما تراه الآن على الساحة خطيئة السلطة أنها تعاملت مع الفساد والصراعات بين أجنحتها على طريقة الأنظمة العربية الدكتاتورية فعالجت الفساد بمزيد من الفساد، وأزاحت مفسدين لتحل محلهم من هم أكثر فسادًا.. وقد سيطر على فكرها أنها خالدة مستعصية على الزوال!
والخطر الأكبر اليوم أن يهبط تيار دحلان أو أبو مازن بباراشوت نيابة عن شارون ليحسم كل شيء لصالحه ويزيح الفرقاء ويمسك بزمام الموقف والقضية.. وذلك إن حدث- لا قدر الله- يكون طامة كبرى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل