العنوان "الله أكبر "
الكاتب أحمد لطفي عبد اللطيف
تاريخ النشر الثلاثاء 18-نوفمبر-1975
مشاهدات 89
نشر في العدد 275
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 18-نوفمبر-1975
الله أكبر
«الله أكبر» كنز من كنوز الإسلام لا يفنى، ومنبع صاف لا ينضب معينه، اغترف منه المسلمون على مر العصور كل بقدر همته ووعيه وفهمه، فكان نصيبهم من العزة والسيادة والحرية والسعادة بقدر ما اغترفوا.
نرى عصر الرسول وخلفائه عصرا زاهرا مجيدا لأن الوعي بمفهوم «الله أكبر» كان كاملا شاملا، ثم بدأ هذا الوعي بالتراجع حتى وصلنا إلى هذا العصر الذي تحياه فأصبح الوعي بهذا المفهوم لا يعدو اللمحات السريعة والومضات الخاطفة اختص بها أفراد وتفردت به جماعات كانت على قلتها قد أحدثت بما وعت أثرا جليلا ونتائج باهرة.
وكان من نتائج الانصراف عن مفهوم هذا الكنز العظيم أن تردت الأمة في انتكاسات وهزائم على كل مستوى وفي كل مجال، ففقدت الحرية والعدل والسعادة ثم فقدت السيادة على العالم مع فقدها لإدراك المعاني التي توحيها هاتان الكلمتان العظيمتان.
ينادي المنادي للصلاة: الله أكبر، الله أكبر، فيدرك المسلمون من هذا النداء أن الله يدعوهم إلى أداء حقه بالعبادة، فكان المنادي يقول، الله أكبر من كل سلطان عليك أيها المسلم، الله أكبر من سلطان النوم، الله أكبر من سلطان المال، الله أكبر من سلطان كل مسئول، إن هذا النداء يدعوك إلى مكانك السامي بين صفوف المؤمنين في بيت الله.
الله أكبر هذا النداء السماوي لعباد الله في الأرض، إنه يضبط حركاتهم وسكناتهم نظام متساو يجتمع فيه الكبير والصغير الغني والفقير، الحاكم والمحكوم.. فترى للصلاة قائدًا لا يخالفه جنوده، إذا رفع صوته بالتكبير فهم له تابعون ولندائه ملبون، فينظم الصف وتتناسق الحركات إن هذا النظام الرائع الذي تتم به الصلاة والذي يتمثل في طاعة الإمام بحركاته وسكناته، بقيامه وقعوده، بركوعه وسجوده، إنما هو طاعة المنظام الذي يمثله الإمام وليس للإمام بذاته وشخصه.
ومن هنا إذا أخطأ الإمام في الصلاة قومه المصلون وإذا أحدث تنحى وجاء غيره.
وكذلك طاعة كل مسئول في النظـام الإسلامي إنما تنبع من الدين الذي يمثله لذا فالحاكم المسلم الذي يلتزم بالإسلام ونظامه ليس بحاجة إلى قوة بوليسية ليفرض طاعته ولا إلى أسوار من الحراس تحمي ذاته.
فالطاعة في الإسلام للعقيدة التي يمثلها الحاكم وليس لذات الحاكم.
فالله أكبر التي تنظم الصلاة إنما تنظم المجتمع الإسلامي كله، فإذا ما أراد الحاكم أن يبلغ أمرا أمر مناديا فنادى: الله أكبر الصلاة جامعة، فيجتمع الناس ليستمعوا لأمر الدين وليس لأمر الحاكم، وإنما الحاكم مبلغ متبع للشريعة أمره كأمر عامة المسلمين ولكن لا بد لكل جماعة من أمير.
«الله أكبر» ما هتف المسلمون بها في معركة وخابوا، وما تركها المسلمون في معركة وأفلحوا.
لقد غير هذا النداء المفاهيم لدى الناس حين أسلموا، فأصبحوا ينظرون إلى الأمور نظرة جديدة مستقاة من مفهومهم لهذا النداء العظيم.
كان العربي الجاهلي يعتز بالكثرة ويفاخر بها ويحرص عليها، وكان يراها في الحروب معقد النصر، ولكن هذا المفهوم تلاشى مع ظهور هذا الهتاف الخالد: «الله أكبر» روي أن المسلمين عندما علموا بالأعداد الهائلة التي جمعها لهم الروم في مؤتة تلبثوا قليلا للتشاور، فقال لهم عبد الله ابن رواحة: والله يا قوم إنكم لتعلمون أننا لا نقاتل القوم بكثرة العدد والعدد، وإنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أنعم الله بــــــه علينا.
وروي أنه لما التقى المسلمون بالروم في اليرموك ورأى أحد جنود المسلمين كثرة الروم قال متعجبًا: ما أكثر الروم وما أقل المسلمين!، وسمعه خالد بن الوليد القائد الذي دعى الانقلاب في المفاهيم الحربية الذي أحدثته «الله أكبر» فرده إلى ما قررته هذه الكلمة فقال: بل ما أكثر المسلمين وما أقل الروم، إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان.
إن هذا النداء الذي يهز به المسلمون جنبات المعارك جعل من المسلم طالبا للشهادة حريصا على الموت في المعركة حتى يقابل وجه ربه الكبير المتعال.. لذا كان جواب المغيرة بن شعبة لكبير الفرس يصف له جند المسلمين: جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة.
لقد أصبح الموت -في المعارك- محبوبا نعم إنه محبوب عند أولئك الذين أدركوا ماذا تعني «الله أكبر».
بالله أكبر يعبر المسلم عن استحسانه للحسن، ذلك لأن المسلم شخصية معتدة بذاتها لا يخرجها شيء عن وقارها، فلا تصفيق ولا صفير ولا رقص...
بأي شيء نصف أولئك الذين يلوون شفاههم بالصفير في المناسبات العامة الحاشدة؟
إنك لا تدري أساخرون هم مما يسمعون ويشاهدون أم معجبون؟!
وما هذا الرقص والتصفيق؟ أهو الخفة أم الاستخفاف؟!
لقد عاب الله على مشركي قريش هذه الحركات البهلوانية فقال فيهم ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ۚ﴾ (الأنفال:35)
والمكاء والتصدية الصفير والتصفيق!
والمسلم متوسط في كل أموره فلا هو يهدر شخصيته ولا هو بالذي لا يظهر استحسانه لكل حسن
فالله أكبر موصولة بالسماء.
فهذا المحسن إنما كان إحسانه توفيقا من الله، فأكبر بالله الذي وفقه فأحسن.
وقديما وصف الشاعر المسلمين في قصيدة مدح بها الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأنهم حتى في حالة النصر على العدو لا يستخفهم الفرح، وهم أيضا لا يطغى عليهم الحزن إذا هزموا
لا يفرحون إذا نالت رماحهـم
قوما،، وليسوا مجازيعا إذ نيلوا
الله أكبر
إن هاتين الكلمتين بما لهما من حلاوة في الأسماع وسحر في القلوب المؤمنة، وبما لهما من أهداف سامية وغايات نبيلة كانا حداء المسلمين في الصلاة والجهاد وفي الاحتفالات والأعياد، وهما بالإضافة إلى هذا كله شفاء لنفوس المسلمين من كل شوب
وصوت المؤذن: الله أكبر
يحدو الجموع ويشفي الجراح
«1» من الآية ٣٥ من سورة الأنفال
«۲» البيت لكعب بن زهير
«۳» البيت لعمر بهاء الدين الأميري
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل