العنوان «الإنترنت» ورحلة البحث عن الإيمان
الكاتب هشام العوضي
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يناير-1997
مشاهدات 71
نشر في العدد 1233
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 07-يناير-1997
طوائف غريبة تتنافس للتعريف بمعتقداتها عن طريق الإنترنت بالمجان بدءًا من عبدة الشيطان وحتى عبدة الحشرات.
لا يوجد شيء في الغرب بالمجان حتى السلفة التي يأخذها المواطن من البنك كي يشتري شقة صغيرة أو بيتًا كبيرًا تأتي ضمن فوائد ربوية قد تفوق عبر تراكم السنين رأس المال المدفوع في قيمة العقار نفسه.. كل شيء في الغرب بالدولار أو بالإسترليني أو بأي قيمة مادية.. ما عدا شيئًا واحدًا فقط وهو تملك مساحة كبيرة أو صغيرة على شاشات الكمبيوتر، أي إن الجميع يملك الحق في أن يستوطن، مساحة خاصة له في الكمبيوتر يرفع عليها علمه ويضع عليها رحاله ويعلن ملكيته لها للجميع، بحيث يكون من واجب هذا الجميع احترام هذه الملكية، وهذه المساحة المجانية يتيحها الكمبيوتر للجميع عبر ما يسمى بـ«الإنترنت»، وهو عالم واسع ومستعمرة كبيرة لرجال الأعمال والمدارس والحكومات للدعاية عن فكرة معينة أو لمجرد التعارف مع الآخرين عن طريق البريد الإلكتروني، أو الـ«E- MAIL».
الطريف في موضوع الكمبيوتر والإنترنت أنه لم يعد حكرًا على مؤسسات التجارة والدعاية ونظم الاستهلاك التقليدية في الغرب، وإنما مكانًا واسعًا أيضًا لمختلف الأديان وعلى رأسها الكنائس والمنظمات التبشيرية بما في ذلك الطوائف السرية المحظورة في بعض البلدان، أي إن رجال الدين في الغرب لم يعودوا يحصرون أنفسهم في معابدهم التقليدية، وإنما اخترقوا أيضًا منازل الناس عن طریق شاشات الكمبيوتر، وتشهد هذه الظاهرة الجديدة ظاهرة تزاوج الأديان مع الكمبيوتر- أو رحلة البحث عن الإيمان في الإنترنت- انتشارًا واسـعـًا في الغرب وهي كما أشرنا الطريقة الوحيدة التي لا يتعامل من خلالها الغرب بالدولار أو بالإسترليني وإنما بالمجان فقط، فما هي قصة هذا التزاوج وما هي تداعياته؟
الإنترنت والتغير الحضاري
اعتاد الغرب- في رحلته نحو العلمانية- إلى اعتبار الدين والسياسة ضمن المسائل الشخصية للمرء، والتي لا ينبغي أن تناقش مع الآخرين على الملأ، ولكن الإنترنت أطاح بهذه القاعدة لأنه أتاح ثقافة بديلة عن الثقافة الانعزالية الغربية السائدة وفتح من جديد أبواب الحوار والنقاش في كافة القضايا المحرمة اجتماعيًا بما في ذلك الحديث عن قضايا الاعتقاد والسياسة، وصار من حق الجميع أن يقول ما يشاء لمن يشاء دون أن يكون مع الملأ لأنه في بيته ولكن في نفس الوقت دون أن يكون بمعزل عن الآخرين لأنه يتحدث إلى الآلاف من حوله وفي بلاد مختلفة من خلال شاشة الكمبيوتر، وأصبح من السائد أن تفتح الكمبيوتر وتشهد مناقشة حادة بين ممثل طائفة نصرانية متشددة وبين أتباع عبدة الشيطان، أي الذين يعبدون الشيطان ويعتبرون عبادة الله سبحانه وتعالى نوعًا من الضلالة، وهذا النوع من الحوار ما كان ليحدث في العصور الوسطى مثلًا لمَّا كانت الكنيسة تحرق مناوئيها من السحرة وعبدة الشيطان، ولكنها اليوم مضطرة- ضمن مساحة الإنترنت المجانية- إلى محاورة أعدى أعداء الماضي بالكلام فقط دون السلاح والحرق، هذا التطور التاريخي من الباباوية المتشددة إلى الغرب العلماني الذي لا يناقش الدين والسياسة على الملأ لأنهما مسائل شخصية إلى الحوار بين الفرقاء- ملحدين ومتدينين- حدث فقط عن طريق شاشات الكمبيوتر، وهذا هو التغير الحضاري الذي يشهده الغرب حاليًا عن طريق الإنترنت.
الروح أشد جاذبية من المادة
الكمبيوتر هو نتاج الغرب المادي. ومع ذلك فإن البعض يتوقع أن يغير جهاز الكمبيوتر وجهة نظر الكثير من الماديين عن قضايا مثل الدين والروح والموت واليوم الآخر، وهذا التوقع مبني على دراسات وإحصاءات وليس على مجرد تخيلات فعلى سبيل المثال هناك مساحات كثيرة مملوكة مجانًا لمؤسسات استهلاكية وتجارية متنوعة ولكل مساحة من هذه المساحات بريد إلكتروني يستطيع الباحث عن موضوع معين أن يتوصل إليه من خلال الإنترنت، وقد يتعرف الباحث على شعبية موضوع ما من خلال حجم المراجع والمساحات المتاحة له على الكمبيوتر، وإذا أدخلت مثلًا كلمة God أي الإله في الإنترنت للبحث عن المساحات المخصصة لهذا الموضوع فستكتشف أنها بلغت أكثر من ٤١٠ آلاف مرجع معلوماتي، وهذا العدد هائل مقارنة بموضوع لا ديني عن الهندسة أو الرياضيات، كما وصلت المساحات المخصصة لموضوع المسيح إلى ١٤٦ ألف مرجع معلوماتي، هذه الأرقام مؤشر واضح على شعبية هذه المواضيع التي هي بالمفهوم الغربي مواضيع روحية كان الناس ينفرون منها في عهد الثورة الصناعية والعلمية، والمواضيع الروحية لا تقتصر فقط على أصحاب الديانات السماوية أو العقائد المعروفة وإنما تشمل أيضًا الطوائف السرية التي تعمل في الخفاء وتستقطب أعضاءها عبر الطرق الملتوية. وطائفة مثل «الساينتولوجي»- وهي طائفة محظورة في ألمانيا ولكنها منتشرة في بريطانيا ولها أتباع متنفذين في الدوائر الرسمية- تعتبر من إحدى أكثر الطوائف شعبية في الإنترنت.
إذ إنها تثير حوارات شتى جذابة يصل عدد المشاركين فيها إلى حوالي ۲۰ ألف شخص، وهو عدد ضخم ما كانت تتسع له قاعة محاضرات أو حتى مؤتمر عام مكلف، فمن خلال هذه المساحات المجانية تستطيع هذه الطوائف ممارسة الاستقطاب بأيسر السبل.
منابر دينية متنوعة
ولليهود أيضًا مساحاتهم ومنابرهم على الإنترنت، وهناك مساحة مخصصة للرد على أسئلة اليهود في أنحاء العالم فيما يتعلق بالحلال والحرام في المأكل والمشرب، فعلى سبيل المثال سأل أحدهم في هذه المساحة السؤال التالي: هل يجوز اقتناء الخنزير في البيت؟ مع العلم بأنني أضع في ثلاجتي لحومًا «ذبحت على الطريقة اليهودية» فأتاه الجواب فورًا وهو في بيته: «نعم يجوز لك ذلك، طالما لم تكن تنوي أكل الخنزير في نهاية الأمر»، وهناك طوائف وأديان أخرى مثل التبت والبوذيين والمورمانز وعبدة الشياطين «للاطلاع على معتقدات هذه الطوائف بالتفصيل راجع «المجتمع» عدد ۱۱۸۳».. وهناك طائفة يهودية أرثوذكسية تسمي نفسها «Yaaleve Yavo» لها مساحة في الإنترنت مخصصة فقط لإرسال الصلوات والأدعية اليهودية إلى القدس من أجل أن تطبع وتعلق على الحائط الغربي، وهناك طائفة فيتنامية تسمى نفسها Daiism لها أيضًا مساحة مخصصة للتبشير والتعريف بمعتقداتها. الغريب أن أتباع هذه الطائفة يعبدون الكاتب والروائي الفرنسي الشهير فيكتور هوغو! وطائفة أخرى هندية تطلق على نفسها اسم Jainism يؤمن أتباعها- على الإنترنت- بأن المؤمن الحقيقي هو الذي يكنس الشارع الذي سيمشي عليه كي يضمن أنه لن يحطم بقدميه أي حشرة صغيرة مستضعفة! هذه الأفكار الموارة وهذه الطوائف الغريبة العجيبة تتسابق وتتنافس بالمجان للتعريف بمعتقداتها عن طريق الإنترنت
ولبابا الفاتيكان من الإنترنت نصيب
وهذا العنوان ليس من باب الدعابة، فبابا الفاتيكان شخصيًا مهتم بموضوع الإنترنت ويقول: «ينبغي للكنيسة أن تستفيد من أي تطور تكنولوجي للتبشير بالمسيحية»، وفعلًا، ففي عام ١٩٩٥م بدأ الفاتيكان في وضع مساحة كبيرة خاصة به على الإنترنت، وقد تم الإعداد لهذه المساحة منذ سنوات ومن المفترض أن يدخل الفاتيكان عدة تطورات تكنولوجية ومعلوماتية في مساحته في غضون الأشهر القليلة القادمة، وستزود مساحة الفاتيكان بأحدث الأجهزة، وستوفر الخدمات للملايين من أتباعها حول العالم ٢٤ ساعة يوميًا، وستشمل هذه المساحة الضخمة إلى جانب ذلك فقرة الأخبار الخاصة بأنشطة الفاتيكان والبرنامج اليومي للبابا: سفراته، لقاءاته.. إلخ. كما ستوفر المساحة صفحات خاصة لأحاديث البابا مترجمة بست لغات.. وسيكون بمقدور هذه المساحة تلبية رغبات الأتباع والرد على استفساراتهم في وقت واحد وبدون تأخير، وقد خصص الفاتيكان طاقمًا متفرغًا للاعتناء بهذه المساحة المعلوماتية في الإنترنت.
تقول القسيسة جوديث زوبلين- إحدى أعضاء طاقم الفاتيكان لهذه المساحة- «إن الإنترنت اليوم أصبح موضة العصر وفي كل مكان، ويتوجب على الفاتيكان أن يواكب هذا التطور ويكون لنا فيه حضور»، ولم تُخفِ زوبلين بأن هذه هي رغبة البابا يوحنا الثاني شخصيًا، وهي رغبة قديمة، فالبابا يحرص دائمًا على مواكبة أي تطور تكنولوجي من أجل التبشير، وقد تحدث في مناسبات عديدة عن أهمية الاستفادة من الكتب والرحلات وأشرطة الكاسيت وأشرطة الفيديو وكتب منذ عهد مبكر في ۱۹۸۹م عن أهمية الاستفادة من الكمبيوتر أيضًا في هذه المجالات، وسمى هذه المرحلة- مرحلة الفرص التكنولوجية والإنترنت والكمبيوتر- بمرحلة «العهد الجديد للتبشير».
الجماهير هي صاحبة السلطة
أن تكون على الشارع أفضل من ألّا تكون على الإنترنت، وألّا تكون عندك مساحة في الكمبيوتر أسوأ من ألّا تكون عندك مساحة أرض قد تكون هذه مبالغة بالنسبة للأفراد ولكنها ليست كذلك بالنسبة للمؤسسات والهيئات الكبيرة التي تريد أن تصل إلى أكبر قدر من الناس، فالإنترنت صار مثل أي نافذة تطل على الناس والذي لا يملك هذه النافذة، لا يملك التأثير على الناس.. هذا هو مجمل الاستنتاج الذي خرجت به دراسة أعدها مركز بارنا للأبحاث في كاليفورنيا عن ظاهرة حضور الأديان والطوائف في الكمبيوتر، وقد التقى المركز بمئات من المسيحيين الذين يستعملون الإنترنت واستطلع آراءهم حول الوجود الكنسي في الكمبيوتر، فخرج بنتيجة وهي أن وجود أي مؤسسة فاعلة في الإنترنت أصبح من الأهمية بمكان لدرجة أن الكنيسة التي ليس لها مساحة فيه تظهر بمظهر سيئ أمام أتباعها، لأنها تعطي الانطباع بأنها في وادٍ والعصر الذي تعيش فيه في وادٍ آخر، والعصر الذي نعيش فيه الآن هو عصر الكمبيوتر، كما أظهرت الدراسة بأن الأتباع الذين لا يجدون وجودًا لكنيستهم على الكمبيوتر يفقدون الثقة بها وبقدرتها على إسداء النصائح لهم، لأنها غائبة عن مشاكلهم العصرية، والتفاعل مع الكمبيوتر طبعًا هو أحد دلائل فهم هذه المشاكل وفي العصور الوسطى كانت الكنيسة هي التي تسيطر على أتباعها ورعاياها، أما الآن فإن هؤلاء الرعايا هم الذين يقودون الكنيسة، لأن امتلاكهم للكمبيوتر وللإنترنت يجعلهم في موقع القوة والسيطرة، فالجميع يملكون حق المعارضة والنقاش دون الخشية من التعرض لأقسى ألوان العذاب ودون الخوف من محاكم التفتيش الباحثة عن المهرطقين، ولكن حتى تكون منصفين أيضًا، فإن الكمبيوتر أتاح من جانب آخر روحًا من التسامح الديني مع الآخرين، على الأقل لأنه يعتمد على الكلام فقط دون الضرب أو السلاح، والناظر إلى الإنترنت اليوم يجد تيارات مختلفة ومتضاربة وربما متقاتلة على أرض الواقع، ولكنها متحاورة ومتناقشة على شاشة الإنترنت، يجد عبدة الشيطان يتحاورون مع القساوسة وأرباب الكنائس، يجد اليهود المتطرفين من الليكود يتحاورون- وفي بعض الأحيان يتشاتمون- مع مؤيدي حركة حماس، ولا تخلو بعض الحوارات من الإثارة والاستفزاز، وفي أحيان كثيرة من الطرافة، كتب أحدهم في مساحته المجانية الخاصة يقول: «أنا أضع طائفة المونيز على رأس الأديان العظيمة في العالم»، والمونيز هي إحدى الطوائف التي ظهرت في شرق آسيا ويؤمن أتباع الطائفة بأن رئيسهم- صن ميونج مون- هو المسيح الذي جاء لاستكمال ما فشل عيسى عليه السلام في إنجازه ويأتي كاتب هذه الكلمات رد فوري من البريد الإلكتروني من أحدهم يقول: «أنت إنسان جاهل، وينبغي عليك أن تصحو من غفلتك يا رجل».
بين التلفزيون والكمبيوتر
لقد نجح التلفزيون في عزل الناس عن بعضهم البعض، فأعضاء الأسرة كانوا في الماضي يجلسون معًا يتحاورون ويتآلفون، أما اليوم ومع التفكك الأسري الآخذ في النماء أصبح التلفزيون يسرق الأوقات على حساب هذا التحاور والتآلف، لكن الكمبيوتر- وإن ظهر على أنه جهاز فردي انعزالي تمامًا مثل التلفزيون وأكثر- إلا أنه في الحقيقة هيأ الفرصة من جديد للتحاور والتعارف، والحديث عن كون العالم قرية واحدة خطأ فاحش في حالة الـCNN والأطباق الهوائية لأنه في الحقيقة عملية كوكبة للنظم والقيم الغربية فقط دون السماح لأحد بطرح البديل أو حتى التفاوض
بشأنه، أما الكمبيوتر فهو الذي بإمكانه حقًا أن يحول العالم إلى قرية صغيرة وذلك عبر الإنترنت وعبر ديمقراطيته النسبية وعبر مساحاته المجانية التي لا تخضع إلى فوائد البنوك ولا إلى مفتشي الضرائب، أيضًا التلفزيون- حتى في الدول الغربية- هو سيلة من وسائل غسيل الدماغ وصنع الإذعان والتسليم لدى الناس بطرق غير مباشرة، مثل الترفيه وغيره دون السماح لهذا المشاهد بإبداء وجهة نظره في المطروح، أما الكمبيوتر فهو يوجد هذا الهامش من الحرية بعيدًا عن العنصريات والحساسيات التي أوجدتها الأنظمة والقوانين، ويفتح بابًا، بل أبوابًا من الحوار مع القاصي والداني ومع العدو والصديق.
الدور الإسلامي من الإنترنت
نشكو نحن المسلمين- ومعنا كل الحق- من الإجحاف والاضطهاد الذي يواجهنا به الغرب ليل نهار وفي السر والعلن، ونشكو أيضًا- ومعنا كل الحق- من سيطرة اليهود على وسائل الإعلام في الغرب مثل التلفزيون والسينما، إضافة طبعًا إلى ميادين السياسة المعروفة. ولكن هذا المقال كان يهدف بالضرورة إلى تعريف المسلمين بالإنترنت وبأهمية هذا الهامش الإعلامي في التأثير على الآخرين، والاسترسال في ذكر الطوائف السرية وغرائبها وعجائبها لم يكن المقصود منه الترفيه- وإن كان هذا واردًا- وإنما الهدف الأساسي منه كان استثارة غيرة المسلمين في كل مكان من أجل الاستفادة من هذا الجهاز في تعريف بالملايين بالإسلام، فإذا كانت طائفة مثل الساينتولوجي استطاعت جذب ۲۰ ألف شخص إلى أفكارها من خلال الكمبيوتر- وأفكار هذه الطائفة غريبة وخطيرة- فهل نعجز نحن المسلمين عن التعريف بعظمة وحضارة وعدل الإسلام للبشرية؟