العنوان مفاوضات «الجات» وهامشية الدور الإسلامي
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-سبتمبر-1993
مشاهدات 68
نشر في العدد 1068
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 28-سبتمبر-1993
على غرار العلاقات السياسية، فإن العلاقات
الاقتصادية الدولية تشهد هي الأخرى هيمنة غربية كما تؤكد مفاوضات «الجات» (الاتفاقية
العامة للتعريفة الجمركية والتجارية)، حتى وإن كثر الحديث عن أزمة داخلية أوروبية
أمريكية في اجتماع بروكسل الأخير لوزراء الخارجية والفلاحة في أوروبا موقف موحد
حول الاتفاق المسبق المعروف بـ اتفاق Blair House.
تنافس في ظل أزمة
فقد كان اجتماع بروكسل يوم الاثنين 20/ 9 حاسمًا في نظر العديد من
الملاحظين بالنسبة لمصير اتفاقية «الجات»، بل إن البعض وصف هذه المحطة بـساعة
الحقيقة، بالنسبة لأوروبا.
وتعود هذه الأهمية الخاصة لاجتماع بروكسل إلى
ارتباط موضوع المفاوضات بمصالح اقتصادية حساسة ذات أبعاد استراتيجية وسياسية داخل
الكتلة الأوروبية من جهة في علاقتها مع الولايات المتحدة الأمريكية واليابان من
جهة أخرى.
فالتنافس الاقتصادي الحاد بين كل هذه الأطراف
ناتج في الكثير من جوانبه إلى الأزمة الاقتصادية العالمية الناتجة بدورها عن
السياسات المتبعة لفرض النمط الغربي في العالم. وتكفى الإشارة إلى أن ارتفاع نسبة
الفائدة تسبب في تضخم مالي وفي أزمات مالية داخل البلدان الغربية نفسها وفي ارتفاع
نسبة البطالة.
ونتيجة لذلك، برزت في السنوات الأخيرة ظاهرة
الانغلاق على الذات داخل المجتمعات الغربية، ورفض الآخر خاصة إذا كان مختلفًا من
الناحية الحضارية والثقافية، واضطرت حكومات هذه البلدان إلى مسايرة الرأي العام
المتبرم من الحضور الأجنبي غير الأوروبي فسنت قوانين صارمة للحد من الهجرة وتضييق
الخناق عليها لأغراض انتخابية.
لكن حدة الأزمة الاقتصادية لم تحلها الإجراءات
المتشددة بعد الهجرة لأن الأزمة أعمق وتمس أسس البنية الاقتصادية والاجتماعية
والفلسفة التي تبنى عليها السياسات الداخلية والخارجية معا يفسر شعور التشاؤم الذي
بدأ يدب لدى عامة الناس في هذه المجتمعات من إمكانية نجاح تجربة الوحدة الأوروبية.
فقد أوضحت عملية سبر آراء أخيرة أن 54% من الفرنسيين يرفضون اتفاقية ماستريخت بعد
عام من التصويت لفائدتها.
التحكم في الموارد
لذلك، فإن الصراع لتحديد القواعد الجديدة
للتجارة الدولية في ظل موازين القوى الحالية منحصرة في دائرة الأقطاب الاقتصادية
المتنافسة (المجموعة الأوروبية- اليابان- الولايات المتحدة).
وقد أبرزت قمة طوكيو بين الدول المصنعة الغنية
واجتماع بروكسل الأخير أن الخلافات بين كل هذه الأطراف تنتهي بوفاق بينها لأن
مصالحها تلتقي في نهاية المطاف في خندق واحد وتصب في هدف أساسي وهو الحفاظ على
الهيمنة الغربية على الاقتصاد العالمي.
فلا غرابة أن تتحول مفاوضات «الجات» عن غايتها
الأصلية المتمثلة في النهوض بالتجارة الدولية الحرة وذلك بالتخفيض أو الحد أو
إزالة كل القيود والعراقيل الحمائية المتنوعة إلى تأمين إمكانات الدول الغنية في
التحكم في الموارد التي تحتاج إليها مع توسيع طاقاتها التصديرية وضمان الحماية
الكافية لأسواقها من المنافسة الخارجية.
وفي هذا الإطار، تم استنزاف خيرات الشعوب
الفقيرة أو النامية أو حتى الغنية لكنها لا تملك سلطة القرار. وتم أيضًا فرض نظام
اقتصادي دولي يخضع لموازين القوى الجديدة بعد سقوط الكتلة الشيوعية، ويسير في نفس
الاتجاه الذي حددته اتفاقيات بروتن روتز عام ١٩٤٤م مع نهاية الحرب العالمية
الثانية.
وبالرغم من أن ما يسمى بدول الجنوب تشكل أكثر
من مجموع الدول المشاركة في اتفاقيات الجات (۱۱٦ دولة حاليًا) فإن وزنها يبقى
ضعيفًا ودورها مهمشًا. ومن ضمنها الدول الإسلامية ذات الموارد والخيرات الطبيعية
والبشرية الهائلة.
وبناء
عليه، فإن التبادل التجاري بين دول الجنوب والدول الإسلامية فيما بينها بقي ضعيفًا
رغم تأكيد الخطاب الرسمي على التكامل الاقتصادي خاصة بين الكتل الإقليمية (الاتحاد
المغاربي- مجلس التعاون الخليجي). ومن المفارقات الملحوظة اقتراب بعض الدول
الإسلامية إلى مستوى المجاعة (بنغلاديش مثلًا) في حين تعج الأراضي الإسلامية
بالخيرات.
تبادل غير متكافئ
ولئن كانت العوامل المتسببة في هذا الوضع
داخلية من جانب منها «سوء تصرف...» فإن العوامل الخارجية تلعب من ناحيتها دورًا
هامًا في تكريس هذا الوضع. ويرى بعض المراقبين أنه نتيجة الهيمنة الغربية فإن
«العلاقات التجارية الدولية»، أخذت مضمونًا جديدًا يتناسب مع التقسيم الدولي
الجديد للعمل الشيء الذي دعم التبادل اللامتكافئ بين الشمال والجنوب ونزح بموجبه
جزء كبير من الفائض الاقتصادي المتحقق في الجنوب نحو الشمال بطرق عدة أهمها تدهور
شروط التبادل.
وإذا كانت بعض القوى الاقتصادية الصاعدة في
جنوب شرق آسيا أساسًا تجتهد في محاولة التأثير في سير المفاوضات للحفاظ ثم التوسع
في الأسواق الخارجية، فإن الدول الإسلامية بقيت رهينة حسابات سياسية داخلية
وخارجية وفي حالة من التمزق لم تمكنها من التأثير بقوة على قرارات الدول الكبرى في
المجال الاقتصادي ومن التميز بموقف مستقل في المفاوضات التي انطلقت عام ١٩٨٦م فيما
يعرف بجولة أوروغواي Uruguay Round والتي
ستنتهي -حسب الأجل الذي فرضته الإدارة الأمريكية- يوم ١٥ كانون الأول (ديسمبر)
القادم.
وفى انتظار هذا الموعد الذي سيضبط التراتيب
الجديدة للعلاقات التجارية الدولية، فإن الاختلال الاقتصادي والتجاري القائم
حاليًا سيبقى قائمًا إن لم يكن قد استفحل والهوة بين الشمال والجنوب قد تعمقت
والاحتكار سيظل العملة الصعبة الرائجة خاصة على مستوى القطاعات الحيوية في مجالات
الخدمات- التأمين- النقل- الإعلام- الصناعات الاتصالية- السياحة- الأنشطة
الترفيهية ومجال تدفق المعطيات وما له علاقة بنقل التكنولوجيا. وتقوم على عملية
الاحتكار هذه الشركات المتعددة الجنسيات التي تفوق ميزانية بعضها ميزانية بعض دول
الجنوب في بعض الأحيان.
الدفاع عن المظالم
كما أن الدورة الاقتصادية السائدة حاليًا سيتم
تكريسها بحيث سيتواصل إغراق السوق Dumping بالمنتوجات
الغربية مما ينتج عنه اختلالًا بسبب ارتفاع الفائض الإنتاجي في الأسواق وانخفاض
الأسعار مقابل ذلك. وفي الوقت نفسه تبقى القيود ضد صادرات الجنوب قائمة كما هو
الحال بالنسبة للنسيج حيث حددت اتفاقية الألياف المضاعفة حصصًا محددة في نطاق
اتفاقية ثنائية للحد من منافسة البلدان النامية في هذا القطاع للإنتاج الغربي.
وبالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية في تقنين
العلاقات التجارية الدولية لاتفاقية GATT من حيث
التحكم في التيارات المؤثرة في الاستفادة من الموارد والثروات الأساسية في العالم،
فلا غرابة أن يحرص كل طرف على الدفاع بقوة عن مصالحه إلى حد أن فرنسا هددت
باستعمال حق النقض لإفشال الاتفاقيات إذا لم يتم إعادة النظر في اتفاق Blair House الذي يحد من الصادرات الفلاحية
الأوروبية، كما طالبت بتطبيق استثناء ثقافي، فيما يتعلق بالإنتاج السمعي البصري
ودعا تران فان السفير الممثل للمجموعات الأوروبية في اتفاقية «الجات» بجنيف إلى أن
تمتلك أوروبا ما يخولها الدفاع عن نفسها في المجال الاقتصادي - التجاري وانتقد
بشدة الإدارة الأمريكية «التي لم تعط البتة الأولوية لنظام متعدد الأطراف».
فإذا كانت الأطراف المتحالفة تدافع عن مصالحها بهذه القوة وبهذا الحزم، فإنه على الأطراف الإسلامية أن تبذل جهودًا مضاعفة من أجل التأثير على سير هذه المفاوضات البالغة الأهمية بالنسبة لمستقبل العلاقات التجارية الدولية.