; إبعاد عرفات: قرار من حيث المبدأ أم فصل مسرحي جديد؟ | مجلة المجتمع

العنوان إبعاد عرفات: قرار من حيث المبدأ أم فصل مسرحي جديد؟

الكاتب أحمد كرماوي

تاريخ النشر السبت 20-سبتمبر-2003

مشاهدات 91

نشر في العدد 1569

نشر في الصفحة 18

السبت 20-سبتمبر-2003

جاء قرار الحكومة الصهيونية بإمكان طرد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات من الأراضي الفلسطينية المحتلة في أعقاب العمليتين الاستشهاديتين اللتين نفذتهما كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس في كل من الرملة قرب تل أبيب والقدس الغربية المحتلة وأسفرتا حسب المصادر الصهيونية عن مقتل خمسة عشر مستوطنًأ وإصابة أكثر من سبعين آخرين بجروح.

الحكومة الصهيونية التي لم تحدد موعدًا لطرد عرفات قالت إن هذه المسألة ستكون رهن اختبار سلوك حكومة أحمد قريع (أبو علاء) القادمة خلفًا لحكومة محمود عباس المستقيلة.

وقد وضعت حكومة شارون مهمة أولى الحكومة قريع وهي تصفية فصائل المقاومة الفلسطينية ووضع حد لما تسميه الإرهاب الفلسطيني.

حسب المصادر الإسرائيلية فإن خطة طرد عرفات جاهزة منذ حوالي سنتين أي أن المسألة برأي هذه المصادر ليست مستجدة بل هي منذ مجيء شارون للحكم تقريبًا وهي تقضي بطرد عرفات للإجهاز على ما تبقَّى من السلطة الفلسطينية. وقد رسمت هذه المصادر سيناريوهات لكيفية طرد عرفات من المقاطعة أو مبنى الرئاسة برام الله منها استخدام غازات مخدرة للقبض عليه ثم أخذه لخارج الحدود وهناك سيناريو لإبعاده إلى ليبيا (!) إذا لم توافق اي دولة عربية محيطة بفلسطين على استقباله.

وتقول أوساط إسرائيلية إن قوة كوماندوز جاهزة ومدربة على تنفيذ هذه المهمة التي لا يبدو  أنها ستكون صعبة.

على أي حال فإن ما يلفت الانتباه في المسألة هو التوقيت، إذ إنها تأتي في وقت استباحت فيه حكومة العدو دماء قيادات وكوادر حماس بشقيها السياسي والعسكري. القادة البارزون في حماس في غزة والمتحدثون باسمها خمسة أشخاص؛ الشيخ أحمد ياسين، ود. عبد العزيز الرنتيسي، ود. محمود الزهار، وإسماعيل هنية -وكلهم كان هدفًا لمحاولات فشلت باغتيالهم والحمد لله -إضافة إلى الشهيد المهندس إسماعيل أبو شنب الذي اغتيل بثلاثة صواريخ أطلقت على سيارته في غزة.

حكومة شارون وضعت خطة لتصعيد عدوانها الهمجي ضد قيادات حماس وكوادرها دون أن يتحرك المجتمع الدولي لإدانة هذه الهمجية الصهيونية التي تهدف إلى تصفية حماس عن طريق سياسة الاغتيالات، بل إن الاتحاد الأوروبي أدرج حماس على قائمة الإرهاب في اليوم الذي دمر فيه الاحتلال منزل د. محمود الزهار على رؤوس ساكنيه دون اكتراث بالمدنيين العزل داخله وقريبًا منه.

وتواصل حكومة شارون بناء ما تسميه الجدار الأمني الفاصل الذي يهدف إلى بلع أكثر من نصف أراضي الضفة الغربية دون رادع دولي أو بيان احتجاج.

في الوقت الذي يجري فيه ذلك تحاول حكومة شارون صرف الانتباه عن هذه التطورات الخطيرة إلى قضية يراها البعض مجرد مسرحية جديدة فصولها سمجة وهي مسرحية إبعاد عرفات عن وطنه. وعندما نقول مسرحية فإن ذلك لا يعني بالضرورة تورط الرئيس الفلسطيني بها، بل ربما يكون ضحية لها (!) 

هذه المسرحية قد تعيد إلى الأذهان مسرحية أخرى شاهدناها قبل ثمانية عشر شهرًا تقريبًا وقد دار القتال فيها من غرفة إلى غرفة وفي أروقة ودهاليز مبنى المقاطعة بين جنود الإحتلال وحرس الرئيس الفلسطيني، ولم تتمكن قوات الاحتلال وقتها من إبعاد عرفات، كان ذلك في خضم مجزرة مخيم جنين من (٢٩/٣–١١/٤/٢٠٠٢) التي راح ضحيتها حوالي ٦٠٠ شهيد ويومها التفتت الكاميرات عن المخيم إلى المقاطعة لكي تختزل مشهد الحزن الفلسطيني الدامي في شخص عرفات الذي ظلت قوات الاحتلال تزيحه من غرفة إلى أخرى حتى بقي حبيس غرفة واحدة في مبناه المدمر!

ما يجري الآن من تصعيد ضد عرفات مسألة مرفوضة سياسيًّا وإنسانيًّا، لكنها مؤشر على الهاوية التي أوقعتنا فيها سياسة عرفات وتنازلاته المجانية التي قدمها على مدى السنوات العشر الماضية.

أبو عمار اعتبر التهديد أو القرار الإسرائيلي بطرده من الأراضي الفلسطينية يهدف للقضاء على سلطة الحكم الذاتي المحدود التي جاءت بموجب اتفاقات أوسلو قبل عشر سنوات وقال يخاطب دبلوماسيين زاروه في رام الله: «إن المسألة لا تتعلق بي فقط وبالتهديدات الإسرائيلية بإبعادي، المسألة تتعلق بعزم حكومة إسرائيل شطب الطرف الفلسطيني وإلغاء وجود سلطته الوطنية لتدمير عملية السلام».

أما رئيس الوزراء المكلف أحمد قريع فقد هدد بتعليق تشكيل حكومته عقب قرار طرد عرفات، ووصف قريع القرار بأنه خطير ومتهور معتبرًا أنه «إذا تم تنفيذه فسوف يؤدي إلى انفجار في الأراضي الفلسطينية بل في المنطقة كلها».

كما اعتبر كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات أن حياة عرفات معرضة للخطر وأنه سيقتل إذا أقدمت إسرائيل على تنفيذ قرارها بإبعاده، وقال «أنا متأكد إذا ما حاولت إسرائيل تنفيذ قرار الإبعاد فإن أتباعه وحراسه سيدافعون عنه وسيجري إطلاق نار ولن ينتهي الأمر إلا بقتله» مشيرًأ إلى أن عرفات أكد عقب لقائه أنه لن يقبل أن يطرد أو يعتقل وسيقاوم ذلك. وفي هذا السياق أشار استطلاع للرأي إلى أن غالبية الصهاينة يؤيدون فكرة طرد الرئيس الفلسطيني أو حتى قتله.

تراجع: وقد اضطرت الحكومة الصهيونية -بعد رد الفعل الدولي ضد قرارها -إلى الإعلان عن نيتها عدم إبعاد عرفات في الوقت الحالي وأنها ستلجأ إلى استعمال «أسلوب سيتحدد بصورة مفصلة» وحسب مصادر صحفية فإن هذه الصيغة تترك الباب مفتوحا أمام خيارات يمكن أن تشمل قتله – وهو اقتراح قالت نفس المصادر إن وزير الدفاع شاؤول موفاز طرحه، كما صرح به الوزير إيهود ألمرت.

 ردود أفعال دولية كثيرة صدرت تنتقد أو تندد بقرار إبعاد عرفات، لكن أهم تلك المواقف كان في واشنطن التي بدت غير حاسمة في موقفها. فقد قال وزير الخارجية الأمريكي، كولن باول: «إننا نعتقد أن طرد عرفات لن يفيد وأنه سيوفر له مسرحًا آخر للظهور عليه» كما قال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية: «إننا لا نؤمن بأن طرد عرفات سيفيد في الوضع الراهن...

عرفات جزء من المشكلة وليس من الحل لكن طرده لن يفيد في التوصل إلى هذا الحل».

من جانبه تجاهل الكيان الصهيوني الانتقادات الدولية بشأن قراره إبعاد عرفات وزعم أن العالم ليس له الحق في الحكم على دولة تواجه عمليات بشكل دائم ومستمر. وأشار إلى أنه كان يتعين نفي عرفات منذ وقت طويل.

ورفضت حكومة شارون التحذير الذي وجهه إليها مجلس الأمن الدولي من مغبة إبعاد عرفات وقال مصدر مقرب من شارون «إن إسرائيل لن تتنازل عن حقها في الدفاع عن النفس، وعرفات إرهابي كبير» حسب قوله.

وكان بيان لمجلس الأمن تلاه السفير البريطاني، الرئيس الحالي لمجلس الأمن، قد قال بأن أعضاء مجلس الأمن أوضحوا «أن إبعاد السيد عرفات لن يكون مفيدا، ويجب عدم تنفيذه» وقد تم الاتفاق على هذا البيان خلال الجلسة الطارئة المغلقة التي عقدت بناءً على طلب الدول العربية ومجموعة دول عدم الانحياز في الأمم المتحدة.

وفي سياق توجيه المسؤولية لعرفات عن كل ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة، اتهم قائد الشرطة الصهيونية في منطقة القدس، ميكي ليفي، اتهم عرفات بمحاولة إشعال فتيل المواجهات في الحرم القدسي الشريف كمقدمة المواجهات شعبية أخرى على حد قوله. وكانت مواجهات وقعت في ساحة المسجد الأقصى بعد صلاة الجمعة قبل الماضية بين جنود الاحتلال وجموع من المصلين المحتجين على قرار إبعاد عرفات.

وقال ليفي «لا شك أن عرفات تدخل في الأعمال المخلة بالنظام، لأنه يرغب بسبب وضعه في أن تندلع أعمال مخلة بالنظام في الحرم»!.

الشارع الفلسطيني حساس، فعلى الرغم من أن إبعاد عرفات قضية مرفوضة ولا يختلف عليها فلسطينيان إلا أن مظاهرات التنديد لم تحظ بمشاركة شعبية واسعة، بل اقتصرت على شبيبة فتح وطلاب المدارس الذين أخرجوا بطريقة أو بأخرى كما هو الحال في غالبية الفاعليات التي تنظمها فتح.

حكومة فلسطينية برئاسة قريع: جاء قرار طرد عرفات قبل أن يعلن أحمد قريع تشكيل حكومة فلسطينية جديدة خلفًا لحكومة محمود عباس التي استقالت على خلفية النزاع مع عرفات. ولم يمض وقت طويل بعد استقالة أبو مازن حتى تم الإعلان عن الرئيس المكلف الجديد، فعرفات لم يكن أمامه من خيارات كثيرة لهذا المنصب إذ إن قريع وحده هو القاسم المشترك في المواصفات الأمريكية والإسرائيلية والفتحاوية «باعتبار أن فتح هي وحدها التي تقرر اسم رئيس الوزراء بعيدًا عن الفصائل المنضوية تحت لواء منظمة التحرير الفلسطينية».

والمفارقة أن أحمد قريع نفسه كان قبل يومين من تكليفه قد قال في لقاء مع قناة الجزيرة إنه غير راغب بالمنصب وغير قادر عليه لدواع صحية لكنه ولكي يبرر قبوله بالمنصب ربط موافقته على تشكيل الحكومة بتوافر ضمانات دولية لإنجاحها وخاصة «عبر التزام إسرائيل بخارطة الطريق وتنفيذها دون شروط مسبقة مع وجود رقابة دولية على التنفيذ».

وأوضح قريع أنه ينتظر دعمًا حقيقيًّا من اللجنة الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وروسيا، وإنه دون ذلك لن يقبل بالمنصب الجديد.

بين أبو علاء وأبو مازن

لا يبدو ثمة فارق كبير بين قريع (أبو علاء) رئيس الوزراء المكلف ومحمود عباس (أبو مازن) الذي استقال من منصب أول رئيس حكومة فلسطينية، فالرجلان لهما نفس الخلفية التنظيمية في حركة فتح وإليهما معًا تنسب اتفاقات أوسلو سيئة الصيت. لكن الفرق الذي قد يكون وحيدًا بينهما أن الأسبقية التنظيمية لأبو مازن كانت تسمح له بهامش من المنافسة والمناورة مع عرفات -إلى حد ما -وقد شغل عباس منصب مسؤول التنظيم في فتح لفترة طويلة وهو منصب حساس ومهم جعله من صانعي القرار في فتح. ولعل من المهم الإشارة إلى أن أبو مازن وفاروق القدومي (أبو اللطف) هما تقريبا الباقيان مع عرفات من رجالات فتح الأوائل بعد أن غاب أو جرى تغييب الآخرين بطريقة أو بأخرى أمثال خليل الوزير، وصلاح خلف، وهايل عبد الحميد ولا نتحدث بالطبع عن الذين قتلوا قبلهم أوائل السبعينيات مثل أبو يوسف النجار، وكمال عدوان، وأبو علِي إياد رحمهم الله.

ولعل هذا التاريخ لأبو مازن هو ما جعل مركزه أكثر قوة وهو ما أثار حفيظة عرفات عليه

إذ إن المعروف عن عرفات أنه لا يثيره شيء أكثر من محاولة منافسته أو «سلبه» بعض صلاحياته، وهذا ما تسبب بالعداوة بينه وبين عباس فالرجلان قبل كل شيء ومعهما أحمد قريع شركاء في إثم اتفاقات أوسلو وما تلاها من الكوارث التي جلبتها للقضية الفلسطينية. وفي المقابل فإن أحمد قريع ليس له هذا التاريخ الكبير في قيادة فتح على الرغم من أنه من مؤسسيها، فالرجل ظل في قيادة الصف الثاني لفتح حتى عام ۱۹۸۹م عندما دخل لجنتها المركزية، وخلال وجود الثورة الفلسطينية في لبنان كان يعمل مديرًا لمؤسسة صامد «جمعية معامل أبناء شهداء فلسطين» منذ أن أسسها عام ۱۹۷۰، وكانت تعمل على رعاية أسر الشهداء وتوفير فرص عمل لهم وكانت تسهم في دعم صمود الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة.

تاريخ أحمد قريع ومركزه في حركة فتح لن يخدمه في الاستقلال عن سياسة عرفات وبالتالي فإن العلاقة بين الرجلين سترضي الفتحاويين وربما لن ترضي الإسرائيليين أو الأمريكان.

لكن بعض المراقبين ذهب بعيدًا في تحليل سيناريو التغيير في رئاسة الحكومة الفلسطينية وردها إلى صفقة بين عرفات والإسرائيليين والأمريكان تعهد عرفات بموجبها بعمل ما لم يستطع أبو مازن عمله في وقف العمليات العسكرية والمقاومة المسلحة، وهو ما يفسر إعادة عرفات الاعتبار لجبريل الرجوب وتعيينه مستشارًا له لشؤون الأمن القومي (!) بعد القطيعة التي وقعت بين الرجلين ومعروف أن الرجوب يشارك دحلان في العمالة للاحتلال وقد عينهما عرفات عندما جاء بسلطته إلى الأراضي المحتلة على رأسي جهازي الأمن الوقائي في الضفة الغربية وقطاع غزة.

إذن فعرفات يأتي بقريع ربما لإثبات أنه اللاعب الوحيد في الساحة الفلسطينية وأنه الرقم الصعب في معادلة التسوية. وفي سبيل تثبيت سلطة عرفات اتفقت الأطراف الفتحاوية على إنشاء مجلس للأمن القومي (!!) يكون برئاسة عرفات وعضوية مسؤولي الأجهزة الأمنية حلًّا للخلاف القائم على تعيين وزير للداخلية يكون مسؤولًا عن هذه الأجهزة كلها.

ولعل الخلافات الداخلية في فتح والصراع على المناصب الوزارية هي التي جعلت قريع يعدل عن تشكيل حكومة طوارئ أو حكومة إنقاذ وطني مصغرة ويقرر تشكيل حكومة موسعة تدخلها كل الرؤوس المتناطحة بعد أن تسرب إلى وسائل الإعلام أن حكومة الطوارئ التي كان يريد تشكيلها من ثمانية وزراء لم تكن تضم أيًّا من الحرس القديم باستثناء نبيل شعث.

لن يكتب النجاح لحكومة أحمد قريع لأنها قامت على أسس واهية ولأنها تحمل في ذاتها مقومات سقوطها، فحكومة شارون وضعت محددًا أو شرطًا واحدًا لاستمرارها وهو القضاء على حركات المقاومة وخصوصًا حماس، وهو خطر قد يجلب لأحمد قريع أزمة قلبية جديدة تكون هذه المرة قاضية!.

الرابط المختصر :