العنوان «بوللي».. بعد «دوللي» مشروع الاستنساخ ... إلى أين؟!
الكاتب نوال السباعي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أغسطس-1997
مشاهدات 59
نشر في العدد 1261
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 05-أغسطس-1997
أعلن «إيان ويليامز» الباحث البريطاني، المنسق العام للجنة العلماء التي أشرفت على أول عملية استنساخ حيواني «النعجة دوللي» في حديث نشرته صحيفة «صاندي تايمز» عن «عجز مجموعته التام، وفشلها المطبق في التغلب على ما يُدعى بالآثار الجانبية، التي ترتبت عن عملية الاستنساخ» إذ قال: «فشلت محاولاتنا للتغلب على المشكلات التي ظهرت ملازمة لعملية الاستنساخ، كولادة حيوانات بوزن مضاعف، وموت الحيوانات المولدة بهذه الطريقة بصورة مبكرة جدًّا»، وأضاف: «إن هذا الوضع سيعرض قضية الإتجار بهذه المشروعات العلمية وتمويلها للأخطار الفادحة».
وقد أتت هذه التصريحات التي فاجأت العالم بعد سبعة أشهر من ولادة «النعجة دوللي» التي سببت دهشة عالمية ترتب عنها حوار أخلاقي- علمي– قانوني، على جميع المستويات، وفي جميع بلدان العالم، وبعد أسبوع واحد فقط من الإعلان عن ولادة «الخروف بوللي»، يوم الثالث والعشرين من يوليو، والذي يعتبر أول حيوان ثديي مولود في العالم بطريقة الاستنساخ، ودخلت في تركيب خلاياه مورثة إنسانية.
القصة.. من أولها
إذا تصورنا وجود غرفة مبنية من مجموعة من المكعبات الكبيرة، يتشكل كل منها من عشرة مكعبات متوسطة الحجم، وهذه بدورها يتألف كل واحد منها من مائة مكعب صغير، وكل مكعب من الدرجة الثالثة يحوي في كتلته على ألف مكعب متناه في الصغر.
فإذا دخل أحد إلى هذه الغرفة، واستطاع أن يفكك بعض المكعبات الكبيرة، لقلنا إنه استطاع اكتشاف القاعدة الأولى لتركيب هذه الغرفة.
ثم يمكن لمن يأتي بعده، وقد أصبحت المكعبات الكبيرة بين يديه أن يتفحصها، ويعالجها إلى أن يكتشف أنها تتألف من المكعبات متوسطة الحجم، وهكذا.. حتى يتمكن جيل لاحق من الكشف عن تركيب أصغر وحدة من هذه المكعبات الألف الصغيرة، التي يمكنه أن يطلق عليها وحدة البناء الأساسية لهذه الغرفة.
عملية الكشف هذه تنمو باضطراد مع النمو الفكري، والعملي للعاملين في هذه المجالات، فإذا ما استطاعوا استحداث تقنيات تتطور مع نمو تقدمهم في الكشف عن قواعد بناء الغرفة، استطاعوا منطقيًّا أن يتوصلوا لمعرفة تركيب الوحدة الأساسية للبناء والكشف عما بداخلها.
هذا المثل بكل هذا الإيضاح المتناهي في التبسيط، ينطبق على قضية الكشف عن وضع «الخلية الحية» التي هي أصغر وحدة في بناء الأجسام الحية.
ولكي نفهم وبالضبط الأبعاد الحقيقية لعملية الاستنساخ، يلزم أن نفهم طبيعة الخلية الحية، وموضعها في «عملية الحياة».
يتألف الجسم الحي، إنسانًا كان أم حيوانًا أم نباتًا، من مجموعة من الأجهزة والأعضاء- كجهاز التنفس مثلًا- وكل جهاز أو عضو يتألف من أجزاء وأقسام وظيفية، يتكون كل منها من مجموعة متجانسة ومتكاملة من الخلايا الحية، يمكن لنا أن نرصد بعضها بالعين المجردة، عن طريق الملاحظة البسيطة لجلد يد الإنسان، أو عيون بعض الحشرات وأجنحتها، أو الصحن المركزي في بعض الزهور، أو في مقطع عرضي لبرتقالة، فإذا انتزعنا واحدة من هذه الخلايا، ووضعناها تحت المجهر، لوجدنا أنفسنا أمام وحدة حيوية، تحتوي على عالم ميكروسكوبي خاص بها، يتألف بصورة رئيسة- متناهية في التبسيط- من الأجزاء التالية:
1– الغلاف الخارجي الذي يحيط بها، ويعزلها عما سواها من الخلايا.
٢– هيولي لزجة تشكل مادتها الداخلية «تشبه بياض بيض الطيور» وتحتوي على مكونات أخرى لا مجال للخوض فيها في هذا الموضع.
٣- النواة... والتي هي المركز الحيوي للخلية، يحيط بها غشاء يحفظ المادة الحيوية التي بداخلها، والتي تدعى الصبغيات– الكروموسومات.
فما هذه الصبغيات؟.. هي عبارة عن خيوط ملتفة على بعضها، يمكن تمييزها بعد تلوينها ودراستها تحت المجهر، فإذا هي كخيوط مسبحة مزدوجة ملتفة على بعضها بشكل حلزوني مضاعف، حبات هذه المسبحة هي المورثات -الجينات- التي نُقشت على طول الصبغيات، والتي تحمل في تركيبها جميع الصفات الخلفية للمخلوق الحي الذي تنتمي إليه هذه الخلية.. نوعه، جنسه، طوله، لون عينيه، إذا كان من شعبة الثدييات.. وظيفة كل جهاز في تكوينه العام، الوظائف الحيوية والسلوك الحيوي العام الذي يميز وجوده على هذه الأرض، وحتى بعض الأمراض التي يمكن أن يصاب بها في حياته.. فالصبغيات هي السجل الذي يحمل جميع صفات الأجيال السابقة، لتظهر في الأجيال القادمة عن طريق التلاقح والازدواج ثم الانشطار من جديد.
وعدد هذه الصبغيات في كل نوع من المخلوقات الحية ثابت، وخاص بهذا النوع، ومختلف عنه في غيره، فعدد الصبغيات في جميع الخلايا في جميع أفراد النوع الإنساني هو ٤٦ صبغيًّا، ورثها كل إنسان بالتناصف التام ۲۳ من أمه و ٢٣ من أبيه، حيث تنشطر الخلايا في الأجهزة الجنسية، فتحوي على نصف العدد الثابت لصبغيات الإنسان- أو أي حيوان من شعبة الثدييات التي تتكاثر بهذه الطريقة- لتجتمع فيما بعد ببيضة الأم الضخمة، مع نطفة الأب الدقيقة، فتشكلان «البيضة الملقحة» حيث يزدوج كل صبغي من الأم مع كل صبغي من الأب، وهناك تحدث عملية تبادل في المحدثات عندما تلتف الصبغيات، ثم تتضاعف «البيضة الملقحة» وتبدأ عملية التكاثر، حيث تبدأ هذه البيضة رحلتها لتعلق في رحم الأم، وتسمى العلقة الإنسانية، التي هي مجموعة من الخلايا التي تحمل- وبالضبط- جميع مواصفات المخلوق الذي خُلِقَ في إطار تلك «البيضة الملقحة» وتمت عملية خلقه وتحديد صفاته كلها كما يشاء الذي فكك وركب وأعاد التشكيل، سبحانه لا إله هو الخالق البارئ المصور.
هناك في إطار الغشاء النووي للبيضة الملقحة تبدأ عملية التكاثر الطبيعية، فكيف تتم عملية التكاثر بالاستنساخ، وما هو الفرق بينهما؟
تمكن العلم من اختراق «البيضة الملقحة» وسبر أسرارها، ولكن أحدًا من العلماء لا يستطيع توجيه عملية الخلق، وتصوير المخلوق الذي سيولد، بل ولا مجرد التكهن بالقوانين الخلقية التي تحكم عملية التبادل الصبغي داخل الخلية، فما الذي لجأ إليه العلماء للتغلب على عجزهم في هذا المجال؟
الخلية الحية.. وعملية الاستنساخ والخروف «بوللي»
إن التكاثر الطبيعي يتم عن طريق التزاوج بين النطفة والبيضة، ليولد بينهما مخلوق جديد يحمل مزيجًا من صفات الأبوين، ولكنه يطابق أيًّا منهما، أما التكاثر عن طريق الاستنساخ، فهو تحريض خلية بالغة تحمل صبغيات حيوان بالغ على النمو والتكاثر ليولد مخلوق مطابق تمامًا للأصل الذي جاءت منه تلك الصبغيات، أما الخروف «بوللي» الذي أعلن عن ولادته المعهد الأسكتلندي الذي كان رائدًا في الإعلان عن هذه التجارب التي بدا فيما بعد أنها منتشرة في أصقاع مختلفة من بلدان العالم، فهو– أي بوللي– أول خروف مستنسخ دخلت في تركيب خلاياه مورثة إنسانية.
ويعني ذلك اتباع الخطوات المخبرية التالية:
- تفريغ بويضة ملقحة من محتواها الصبغي.
- حقنت فيها صبغيات خلية بالغة من الحيوان الذي يرغب في استنساخه من نفس النوع الحيواني.
- أخذت مورثة إنسانية واحدة من أحد الصبغيات البشرية.
- وزرعت على أحد الصبغيات المحقونة في البويضة الملقحة المفرغة.
- وأخيرًا.. زرعت هذه البويضة في رحم حيوان أنثى من نفس الفصيلة.
فنتج عن ذلك ولادة حيوان جديد مطابق في صفاته الخلقية للحيوان المتبرع بالصبغيات، إلا أنه يحمل في جميع خلايا جسمه نسخة عن المورثة الإنسانية الوحيدة التي كانت قد زرعت في الخلية التي ولد منها، وقد ذكر العلماء العاملون في هذه التجارب أن التجربة ستسمح بإنتاج بروتين إنساني يحث على إفرازه هذه المورثة، وسيتجمع بالطبع في دم هذا الخروف حيث يمكن استخلاصه واستعماله في المجالات الطبية، وكانت الشركات التجارية التي تبنت هذه التجارب قد ادعت رغبتها في توجيه هذه الكشوفات لمعالجة بعض الأمراض، وتطوير تقنيات متقدمة في الطب وفي مجال زراعة الأعضاء، ولذلك فقد طلبت من العلماء العمل على إنتاج قطيع كامل من الحيوانات المولدة بهذه الطريقة التي تتمتع بنفس مواصفات الخروف بوللي.
إلا أن آخر التجارب التي أجراها هذا المعهد- روسلين دي أدمبورغ الأسكتلاندي- كانت قد تكشفت عن ولادة خرفان يزن الوليد منها تسعة كيلو جرامات، بينما الوزن الطبيعي للخروف الوليد الطبيعي لا يتجاوز الخمسة كيلو جرامات، وقال الدكتور ويليامز: «إن هذا الوضع يعرض حياة الحيوان الحاضن والجنين المحضون للخطر».
فزيادة الوزن لدى الجنين بنسبة ٤٠% على الأقل عن الوزن المعتاد والطبيعي، يعني خللًا خطيرًا في عملية توليد الفصائل الجديدة من هذه الشعب الحيوانية التي تتم عليها هذه التجارب.
وقد اضطرت المجموعة العلمية للاعتراف بهذه الظاهرة– ضمن ظواهر أخرى- وكذلك الاعتراف بفشلها في التخلص من هذه المشكلات، وذلك بعد أسبوع واحد فقط من الإعلان عن ولادة بوللي.
ولهذا الإعلان أهمية خاصة بعد الخطوتين الهائلتين اللتين أصبح فيهما العلم وجهاً لوجه أمام تحديات من نوع خاص منشؤها العلم نفسه.
فحتى لو استطاعت قضية الاستنساخ اختراق الحواجز الأخلاقية– الدينية، والحدود القانونية- التشريعية، فإنها قد اضطرت إلى الوقوف عاجزة أمام الحاجز العلمي نفسه، ذلك أن القوانين الطبيعية ذاتها بدأت تفرض وجودها في عمليات التكاثر غير الطبيعية هذه.
لقد بدأت العمليات الكيميائية داخل الخلايا الحية تأخذ منحى خاصًّا في آلية تركيب الهرمونات في أجسام الحيوانات المتولدة عن عملية الاستنساخ، فالكائنات مخلوقة بشكل متوازن إلى درجة معجزة، وقد حفظ الخالق هذا التوازن وفق قوانين صارمة قابلة للتنويع، ولكن ضمن إطار التوازن.
وهذه القوانين لا تسمح باختلال التوازن عن طريق آلية ذاتية تفوق قدرة مكتشفيها على الضبط، ورغبتهم المحمومة المشكورة حينًا، والمخيفة حينًا اخر في التجربة والبحث في سبيل الوصول إلى اسرار الحياة وطبيعة الخلق، وأوضح مثال على ذلك، ما نراه اليوم من النتائج المرعبة لقضية التلاعب بالطبيعة إنسانية كانت أم حيوانية أم مادية.
فالتلاعب بالبيئة على سبيل المثال أدى إلى ارتفاع حرارة الكوكب الأرضي، وأصبح البشر مهددون بعذاب من فوقهم يتمثل في الثقب الأوزوني، وعذاب من تحت أرجلهم يتمثل في نوبان جبال الجليد، وتهديد الأرض بارتفاع في مستوى البحر أقل ما يقال فيه أنه سيكون كارثة إنسانية تعم وتطم.
أسئلة.. ومعضلات
ذكر العلماء الذين ولدوا كلاً من «دوللي» و«بوللي» أن اكتشافهم التاريخي قد لاقى صعوبات لا يمكن تصورها، فلقد اضطروا لاستخدام ٤٠ نعجة من أجل توليد النعجة «دوللي».
كما قاموا بـ ٢٧٧ عملية تزاوج بين خلايا البويضات وخلايا الأثداء في النعاج المستخدمة.
وبعد التوصل إلى إنتاج ۲۹ «علقة خروفية» - إذا صح التعبير- لم تنفع فيها غير علقة واحدة لإتمام التجربة، كذلك فقد واجهوا صعوبات هائلة تلخصت كما شرح «إيان ويليامس» في حينه في إيجاد «الخلية التي تبرعت بالصبغيات»، و «الخلية البويضة التي فرغت من صبغياتها»، في نفس العمر، وفي نفس المرحلة الخلوية.
عدا عن الأسئلة التي عجز هؤلاء العلماء عن الإجابة عليها، والتي منها هل عمر «النعجة دوللي» هو عمر النعجة الجديدة المولودة؟ أم عمر النعجة التي نسخت النعجة دوللي من صبغتها الوراثية؟ وهل يمكن لدوللي أن تتكاثر بالولادة أم لا؟
ويقول الباحث «خوسة أنطونيو أوبرسكيت» رئيس شعبة البحوث الوراثية في المجلس الأعلى للبحوث العلمية في إسبانيا: إن هذه التقنيات التي اتبعها العلماء البريطانيون إنما هي قليلة الفعالية إلى درجة كبيرة جدًا، ولا يرى لها أي نجاح عام في المستقبل، لأن نسبة نجاحها، وفعاليتها هي فقط 0.0002 من أصل جملة التجارب المتبعة للتوصل إليها.
ويأتي هذا التصريح في جملة عدد كبير من تصريحات العلماء الأخصائيين في هذه المجالات، والذين تنبهوا منذ اللحظات الأولى ليس إلى خطورة الفهم غير الواعي لقضية الاستنساخ فحسب، ولكن إلى عدم فعاليتها على المدى البعيد في مجال التكاثر من أجل أغراض تجارية أو علمية أو طبية.
ولا تنبع قضية الخطورة البالغة التي تتمتع بها هذه القضية من إمكانية نجاح تطبيقاتها الإنسانية، ولكن من عمق الجهل العام بين شرائح عريضة من كافة المجتمعات الإنسانية، والتي وجدت نفسها بين عشية وضحاها أمام تحديات خطيرة، تهدد تصوراتها عن وجودها، وعن الحياة بشكل عام.
وأحب أن أذكر في هذا المقام بالذات كلًّا من أستاذي علم الفصائل النباتية والوراثة في كلية العلوم الطبيعية في دمشق - بين عام ۱۹۷۸- ۱۹۸۰م- الدكتور الخطيب، والدكتور عياش اللذين ضربا مثلًا في علم العلماء، ووعي البحاثة، عندما قالا وفي موضعين مختلفين بأن العلم ليس إلا وسيلة للمعرفة، وأن العلماء لا يبغون من علمهم إلا الكشف عن الحقيقة، لكن الخوف كل الخوف من الجهلة ومن أصحاب الأموال المشبوهة الذين يسارعون إلى الكشوفات العلمية؛ فيشوهون نقاء أهدافها، ويضخمون أبعاد فعاليتها.
ولا أنسى موقفاً للدكتور عياش- أستاذ علم الوراثة– الذي قال: إن الطفل مانديل، والطفل ويلسون، وكل واحد من هؤلاء العلماء الأفذاذ الذين اعتبروا أنفسهم أطفالًا يبحثون عن الحقيقة، لم يكشفوا إلا عن ماهية المادة، ولم يستطيعوا معرفة مادة الحياة على الرغم من أنهم أول من اكتشف تركيب الخلية، ومادة الصبغيات وطرق تكاثرها.
ويعلق الدكتور أيمن أدلبي- أحد الأخصائيين المقيمين في إسبانيا– على ذلك بقوله: إن العلم بكل انواعه، والقوانين العلمية بكل أبعادها، لا تخرج عن كونها كشوفًا للحقيقة الكبرى التي تتمثل في موضوع الخلق، الذي يتمثل لدينا في مفهومين اثنين: أولهما: خلق الله للأشياء، وثانيهما: خلق القدرة لدى الإنسان ليفهم الأشياء ويكتشفها.
وفهم الإنسان لهذه القوانين التي تحكم الأشياء يتعلق بنموه الفكري والعلمي، ووعيه المضبوط لأبعاد الكشوفات التي حققها.