; إتقان العمل في ميزان الإسلام (١) | مجلة المجتمع

العنوان إتقان العمل في ميزان الإسلام (١)

الكاتب شعبان رمضان مقلد

تاريخ النشر السبت 22-ديسمبر-2012

مشاهدات 52

نشر في العدد 2032

نشر في الصفحة 54

السبت 22-ديسمبر-2012

إتقان العمل قيمة إسلامية كبرى فيه تعظم الأعمال ويثقل وزنها وهو المقياس في الآخرة وليس الكثرة.

الشعوب الغربية تقدمت بسبب إتقانهم وتعاونهم وعملهم بروح الفريق وحبهم لأوطانهم.. وكل هذه قيم إسلامية أولى بنا أن نحرص عليها.

هناك علاقة متداخلة بين الإتقان والإحسان غير أن الإتقان عمل يتعلق بالمهارات التي يكتسبها الإنسان بينما الإحسان قوة داخلية تتربى في كيان المسلم وتترجم إلى مهارة يدوية أيضا.

الإحسان مراقبة دائمة لله وإحساس بقيمة العمل وعلى هذا تندرج كل عبادة شرعية أو سلوكية.

يشتد التنافس في هذه الحياة بين الأفراد في كل المجالات طلبا للتفوق والرقي، منهم من يقصد بذلك وجه الله عز وجل، ومنهم من يقصد الرقي في الدنيا فحسب، كذلك يوجد هذا التنافس بين الجماعات والأمم، وطالب الرقي والتقدم - سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات والأمم - لا يمكن أن يحوزهما إلا إذا أتقن عمله وجوده، وحينما ندقق النظر في عالمنا المعاصر نجد أن به دولًا تقدمت وارتقت مع أن كثيرًا منها لا يدينبالإسلام، فما السر إذن في تقدمها وارتقائها!!

السر ببساطة يعود إلى إتقانهم لأعمالهم أفرادًا وجماعات، أضفإلى ذلك تعاونهم وعملهم بروح الفريق وحبهم لأوطانهم.. إلخ، وكل هذه قيم إسلامية نبيلة أولى بنا - نحن المسلمين – أن نحرص عليها ونجعلهاروح أعمالنا، فتعالوا بنا نتعرف على قيمة الإتقان ونتعرف على مكانتها في الإسلام.

 تقان العمل في الإسلام معناه: أداء العمل بضوابطه في وقته المحدد، وبذل الجهد والفكر في تطويره وتجويده؛ ليعود نفع ذلك على أمة الإسلام وأفرادها، وبالجملة: هو الكيفية التي يحبها الله ويرضاها في أداء الأعمال.

إتقان أم إحسان؟ 

نسمع ونقرأ كثيرًا عن الإتقان ونسمع ونقرأ أكثر عن الإحسان، فما العلاقة بين المصطلحين؟ وهل هما مترادفان؟ للإجابة عن هذا السؤال يقول الأستاذ الدكتور عباس محجوب (۱): هناك علاقة متداخلة بين الإتقان والإحسان، غير أن الإتقان عمل يتعلق بالمهارات التي يكتسبها الإنسان، بينما الإحسان قوة داخلية تتربى في كيان المسلم وتتعلق في ضميره وتترجم إلى مهارة يدوية أيضا، فالإحسان أشمل وأعم دلالة من الإتقان، ولذلك كان هو المصطلح الذي ركز عليه القرآن والسنة، وقد وردت كلمة الإحسان بمشتقاتها المختلفة مرات كثيرة في القرآن الكريم، منها ما ورد بصيغة المصدر اثنتي عشرة مرة، بينما وردت كلمة المحسنين ثلاثًا وثلاثين مرة، وبصيغ اسم الفاعل أربع مرات واللافت للنظر أنها لم ترد بصيغة الأمر إلا مرة واحدة للجماعة: ﴿ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ (البقرة195: ). 

وكما ذكر الأستاذ سعيد حوى في كتابه جند الله ثقافة وأخلاقًا »: إن الإحسان ذو جانبين عمل الحسن أو الأحسن ثم الشعور أثناء العمل بأن الله يرانا أو كأننا نراه، وهذا هو تعريف الرسول صلى الله عليه وسلم للإحسان بأن «تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»(٢).

فالإحسان مراقبة دائمة لله تعالى، وإحساس بقيمة العمل، وعلى هذا تندرج كل عبادة شرعية، أو سلوكية أو عائلية تحت مصطلح الإحسان.. وقد ركز القرآنالكريم في طلب الإحسان في أمور، منها الإحسان إلى الوالدين، مع دوام الإحسان في كل شيء، يقول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا به شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى والجار الجنب والصاحب بالجنب وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴾ (النساء36:).

والرسول صلى الله عليه وسلم يربط بين الإتقان والإحسان فيقول: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة« (۳)، فالإحسان هنا مرادف لكلمة الإتقان وقد أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يزرع بذلك الرحمة في قلب المسلم ويكسبه عادة الإتقان في العمل حتى ولو لم يكن للعمل آثار اجتماعية كالذبح الذي ينتهي بإتمام العمل كيفما كان.

الإتقان في ميزان الإسلام:

حثنا ديننا الإسلامي على إتقان العمل بشدة، فبين لنا الله عز وجل أنه سائلنا عن الأعمال التي نقوم بها، وأينا أحسنها في اختيار الصالح منها وفي إجادة هذا الصالح وأينا لم يحسنها فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ والحَيَاةَ ليَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عملًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الغفورُ ﴾ (الملك2:)؛ أي أيكم أفضل عملًا، من حيث العمل الصالح، وجودة ما عمل وإتقان الإنسان لما عمل من الخير، ويشمل هذا الاختبار في العمل عمل الدنيا والآخرة وأمرنا به نبينا له في الحديث الذي أشرنا إليه سابقا: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء»، ولا يخفى أن كتب بمعنى فرض، والإحسان: الإتقان.

 وإتقان العمل قيمة إسلامية كبرى، إذ به تعظم الأعمال ويثقل وزنها، والعبرة في الآخرة بقيمة الأعمال ووزنها لا بكثرتها، وقد اهتم القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة بالإتقان، فخلق الله عز وجل للكون بما فيه ومن فيه قائم على الإتقان، دلنا على ذلك قول ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَتَرَى الجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُ مَرَ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ (النمل88:)، وقوله: ﴿الذي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَات طَبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلقِ الرَّحْمَن مِن تَفَاوُت فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى من فطور ثمّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرّتَيْنِ يَنقَلَبْ إلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ (الملك3:4:).

 والسيرة النبوية بكامل مواقفها تدل على أن رسولنا الكريمصلى الله عليه وسلمكان ديدنه الإتقان في كل أموره يأخذ بالأسباب متوكلًا على الله تعالى ويراقب ربه عز وجل، ويراعي الأولويات.. إلخ، وما حادث الهجرة عنا ببعيد في تجهيزه للرحلة سرا، واختياره لعلي رضي الله عنه في المبيت مكانه، والخروج هو وأبو بكر رضي الله عنه ليلا، وترتيبه للأدوار، واجتهاده في اختيار الزمان والطريق.. إلخ، وهكذا في كل أموره، حتى أنه كان يسمع لمن يجتهد من أصحابه رضي الله عنهم في أشد المواقف، وخير دليل سماعه لرأي الحباب بن المنذر بل والأخذ به.

الصحابة الذين عاشوا فيما بعد تعودوا الإتقان، ومن ثمرات إتقانهم انتصاراتهم وفتوحاتهم شرقا وغربا، وجمع الصحابة للقرآن الكريم، واجتهادهم في إتقان ذلك العمل، ومن بعدهم التابعون وتابعو التابعين وجهدهم المتقن في جمع الحديث وضوابطهم في ذلك.

(*) أستاذ مساعد  بجامعة الجوف - السعودية

الهوامش

1- في مقالة إتقان العمل ثمرة الإحسان للأستاذ الدكتور عباس محجوب

2- صحيح البخاري برقم 48 وصحيح مسلم برقم 9

3- سنن الترمذي برقم 1329

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل