العنوان إتقان العمل في ميزان الإسلام (2)- متطلبات وأولويات وثمار
الكاتب شعبان رمضان مقلد
تاريخ النشر السبت 29-ديسمبر-2012
مشاهدات 68
نشر في العدد 2033
نشر في الصفحة 52
السبت 29-ديسمبر-2012
- الإتقان لا بد أن يدخل في كل أمورنا وديننا كله بعباداته ومعاملاته تتحقق فيه مظاهر الإتقان.
- رضا الله سبحانه وإعمار الأرض والاستفادة مما فيها من ثروات وخيرات من أهم ثمار الإتقان في العمل.
- لا يعقل أن يدعي مسلم الإتقان في عمله دون أن يراقب فيه ربه سبحانه.
- مراعاة الأولويات في العبادات والمعاملات والتوازن في كل الأمور الإيجابية فالمتقن لعمله يكون إيجابيًا في كل زمان ومكان
تحدثنا في العدد الماضي عن مفهوم الإتقان، والعلاقة بين الإتقان والإحسان، ومكانة الإتقان في الإسلام، ونتحدث في هذا العدد عن متطلبات الإتقان ثم نعرج على مجالات الإتقان والثمرة المرجوة من التخلق به فنقول: إن هناك أمورا ينبغي للمسلم أن يتخلق بها حتى يحقق قيمة الإتقان، ومنها:
مراقبة الله - عز وجل - في جميع الأعمال والتصرفات، إذ لا يعقل من مسلم أن يدعي الإتقان في عمله دون أن يراقب فيه ربه - سبحانه وتعالى والرسول في حديث الإيمان يقول عن الإحسان الذي هو ثمرة الإتقان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
مراعاة الأولويات في العبادات والمعاملات، والتوازن في كل الأمور، فالإتقان يحتم على المسلم أن يرتب أفعاله وتصرفاته فلا يقبل أن يتقن المسلم أمرًا مستحبًا أو سنة من السنن، وهو مقصر في فريضة من الفرائض، والتوازن مطلوب في كل شيء وديننا دين التوازن، والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة، وما حديث الثلاثة الذين جاؤوا يسألون عن أعمال النبي، فلما أخبروا كأنهم تقالوها (1) عنا ببعيد، وكذلك حديث أبي الدرداء رضي الله عنه الذي قال له الرسول: «إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، أَعْطٍ كُلَّ ذِي حَقٌّ حَقَّهُ، صُمْ وَأَفْطِرُ، وَقُمْ وَنَمْ، وَائْتِ أَهْلَكَ(2 (وغيرهما» .
الإيجابية المستمرة، فالمتقن لعمله يكون إيجابياً في كل زمان ومكان، وقد أشار تعريف الإتقان إلى بذل الجهد والفكر في تطوير العمل وتجويده، ولا يتم التطوير إلا يبذل الجهد والفكر، وهذا هو عين الإيجابية فها هو الحباب بن المنذر يبذل الجهد والفكر في المكان الذي نزل به جيش المسلمين ببدر ويشير على الرسول بأدب جم: يا رسول الله، أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتعداه، ولا نقصر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فيجيبه الرسول: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة الحديث» (3).
الجد والاجتهاد في إيجاد فرصة عمل مناسبة، فنجد الإسلام يحض على العمل ويحث على السعي والكسب، ففي الحديث الذي يرويه المقداد: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده» (4)، وإن نبي الله (داود عليه السلام) كان يأكل من عمل يده وروي عن (الزبير بن العوام) رضي اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ، «قَالَ: لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فياتي بحرمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنْعُوهُ» (5).
التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب فالمسلم يحسن التوكل على الله في سعيه مع أخذه بالأسباب وجده واجتهاده وهو حق التوكل الذي أخبرنا عنه نبينا بقوله: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا، وتروح بطانا » (6).
مجالات الإتقان في الإسلام
الإتقان لا بد وأن يدخل في كل أمورنا وديننا كله بعباداته ومعاملاته تتحقق فيه مظاهر الإتقان ففي إسباغ الوضوء الذي هو إعطاء كل عضو حقه من الطهارة والعناية والغسل إتقان، وفي الصلاة وحسن أدائها إتقان، حيث يؤم القوم أقرؤهم، وما الحديث المعروف في السنة بحديث المسيء صلاته عن أذهاننا ببعيد، وفي فريضة الصيام ومراقبة الصائم لربه إتقان، حيث ندرك مقصد النبي في قوله: «رب صائم ليس له من صومه إلا الجوع ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر» (7)، وليست المعاملات أقل في تحقيق مظاهر الإتقان، ودعوة القرآن والسنة إلى حسن الخلق واللين وحسن المعاملة لا تخفى نصوصها على أحد، حتى ونحن نكفن موتانا ندفنهم يعلمنا نبينا إتقان ذلك العمل، فقد «قال: إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه» (8).
ثمرة الإتقان وفائدته
الإتقان العمل في هذه الحياة آثار عديدة وفوائد جمة، فهو يكسب الفرد المسلم، بل والأمة المسلمة الإخلاص في العمل: لأنه يرتبط بالمراقبة لله تعالى، وكذلك يجعل المسلم بعيدا عن النفاق والرياء، فلا يكون لنا من تراقبه إلا ربنا تبارك وتعالى، وحينئذ تستريح قلوبنا وضمائرنا .
كذلك من أهم ثمرات إتقان العمل أن ينال المسلم رضا الله - عز وجل - فلا يستوي عند الله الجاد والكسول، ولا العامل والحامل وفي الإتقان إعمار للأرض، واستفادة مما فيها من ثروات وخيرات لا يصل إليها الإنسان إلا بالعلم والعمل الجاد.
أضف إلى ذلك رفعة شأن الأمة، وإظهار الصف المسلم بصورة حسنة، وانتشار العادات الحسنة إلخ.
آثار عدم الإتقان
الغياب الإتقان عن أعمال أفراد الأمة الإسلامية وجماعتها آثار عديدة وعواقب وخيمة على مستوى المجالات كافة، من أهمها :
الإساءة إلى الدين وتشويه صورته حيث لا يقف الأمر عند عدم جودة الأعمال بل يمتد ذلك حتى ينسب التخلف إلى أفراد أمة الإسلام جميعها، وربما وصل الأمر إلى أن ينسب التخلف للدين ذاته، مع أن الإسلام - كما قدمنا - يحث بشدة على إتقان العمل وجودته، بل يدفع أفراده إلى كل سلوك جيد .
- تأخر النصر، إذ كيف ننتظر النصر من أمة لا تحسن التدبير لمستقبلها، ولا تأخذ بأسباب النصر حتى وصلنا إلى أن يكون الجزاء الذي نستحقه من جنس العمل، ولقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: «إِنَّمَا النَّاسُ كالإبل المائة لا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً».
- ازدياد التخلف في المجتمعات الإسلامية عن ركب الحضارة والتقدم في شتى المجالات.
- انتشار الصفات والعادات التي تودي بمجتمعنا المسلم إلى الهاوية كالفوضى والتسيب وفقدان النظام وعدم المبالاة بقيمة الوقت واختفاء الإحساس الجمعي والإهمال والغش والخديعة.
- تأخر المجتمعات المسلمة في أهم مجالات الحياة، فكثير من أفراد الأمة يقلدون ما يقوم به غيرهم، ويستخدمون ما يصنعه غيرهم، ويلبسون ما ينسجه غيرهم وأصبحوا أيضا يأكلون ما يزرعه غيرهم حتى سلاحهم مما يصنعه غيرهم.
وأخيرًا على كل فرد منا مسؤولية جسيمة تجاه ذلك، وعلى قدر استطاعته يكون عظم مسؤوليته، فليست مسؤولية من لا يملك إلا نفسه كمسؤولية المدير في دائرة ما، وليس الأخير مثل وزير في وزارته، وليست مسؤولية الوزير كمسؤولية رئيس الدولة، والله سائل كل راع عما استرعى، وليبدأ كل منا بنفسه من الآن، فلا يخطو خطوة إلا وهو يخطط لإتقان تلك الخطوة، ولا يتصرف تصرفًا - كبر أم صغر - إلا وهو يحسن التدبير له، ويحث من هم تحت ولايته على ذلك الإتقان، ويغرس فيهم أن هذا دين، وأن الإتقان والإحسان تعبد لله عز وجل، وفقنا الله جميعًا لحسن العمل آمين آمين.
الهوامش
- صحيح البخاري برقم ٤٧٧٦ وصحيح مسلم برقم ٢٤٩٥
- صحيح البخاري برقم ١٨٤٢، ومسند أبي يعلى الموصلي برقم ٨٨٤
- المستدرك على الصحيحين برقم ٥٨٠٢، وتاريخ الطبري برقم ٥٤٠.
- صحيح البخاري برقم ١٩٤١، ومسند أحمد بن حنبل برقم ١٦٨٥٩ .
- البخاري برقم ١٣٨٥، ومسند أحمد برقم ١٣٧٤.
- المستدرك على الصحيحين برقم ۷۹۸۲، والجامع الصحيح للترمذي برقم ۲۲۷۹
- سنن الإمام أحمد برقم ٨٦٥٨، وابن ماجة برقم ١٦٨٠ .
- مسلم برقم ١٥٧٣، والمستدرك على الصحيحين برقم ۱۲۹۷
- البخاري برقم ٦٠٤٦، ومسلم برقم ٠٤٦٢٧
(*) أستاذ مساعد بجامعة الجوف بالسعودية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل