; الملتقى التربوي (486) | مجلة المجتمع

العنوان الملتقى التربوي (486)

الكاتب جاسم المسلم

تاريخ النشر الثلاثاء 24-يونيو-1980

مشاهدات 68

نشر في العدد 486

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 24-يونيو-1980

«تلبيس من إبليس»

(1) العقل خلق للتدبر:

اعلم أخي أنه قبيح بمن أُعطِيَ شمعة يستضيء بها أن يطفئها ويمشي في الظلمة.

فالعقل هو الشمعة التي أعطاك الله إياها، فمن الضلال أن تسلم عقلك لغيرك وتسير على غير هدى ونور. فينبغي أن يكون النظر إلى القول لا إلى القائل، كما قال علِي -رضي الله عنه- للحارث بن حوط وقد قال له: أتظن أننا نظن أن طلحة والزبير كانا على باطل؟ فقال له: يا حارث إنه ملبوس عليك، إن الحق لا يعرف بالرجال.

اعرف الحق تعرف أهله، ولكن التمادي في هذا -أي في استعمال العقل- وعدم الوقوف عند حدود الشرع يؤدي إلى علم الكلام، وهذا نوع آخر من التلبيس وهو تلبيس مذموم كما قال الإمام الشافعي رحمه الله: (لأن يُبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه ما عدا الشرك، خير له من أن ينظر في الكلام). وإذا كان كذلك فانتبه إلى هجر العقل وإلى التمادي في استخدام العقل؛ وكذلك جعلناكم أمة وسطًا.

كيف يسقط العلماء

أخي المربي، كثيرًا ما كنت أحس بالخوف والوجل عند قراءة قوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (الأنعام: ١١٠).

وإن خوفي ليزداد عندما أرى كثيرًا من العلماء كانوا لنا قدوة، فكم استمعنا إلى خطبهم وكم بكت العيون من مواعظهم فإذا هم يسقطون! ثم يطفحون على سطح الحياة فقاعات فارغة لا وزن لها ولا قيمة ولا كرامة، فيزداد عندي الخوف من السقوط وأحدث نفسي قائلًا: أين علمي من علمهم؟ وأين فهمي من فهمهم؟ ثم أتساءل ما الذي أصابهم؟ ما الداء الذي قضى عليهم؟ فإذا هم أموات في أشباه أحياء! وإذا العمل حابط بعد أن باعوا كل شيء! باعوا الجنة والرضوان، والعمل العظيم الذي شيدوه طوال السنين! أهذا هو مكر الله بهم وخاصة أنك ترى أحدهم بعد السقوط يسوق نفسه إلى الدمار والنار سوقًا؟! أين دفاع الله عن المؤمنين؟! 

﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ (الحج: ٣٨).

إذًا ما سبب سقوطهم؟ وإذ بالنداء الرباني يقول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (التوبة: ١١٥).

عندها عرفت سبب السقوط، إنهم لهم مع الله مواقف تعارض فيها الحق مع أهوائهم، فاتبعوا أهواءهم مُصرين على ذلك بعلم، مستكبرين غير نادمين ولا مستغفرين. أخذتهم العزة بالإثم حتى عبدوا الشهوة الخفية وآثروا المنصب والجاه، حتى تداعى صرح الإيمان في قلوبهم ثم انهار وسقط وهم لا يشعرون! وأخذت أتذكر حالي خائفًا أن يكون لي مع الله مثل هذه المواقف المهلكة، وسألت نفسي كم مرة تعارض الحق فيها مع هواي؟ وكم مرة تركت الحق واتبعت شهوتي وهواي؟ فوجدت نفسي واقفًا على أبواب الفتن وخلفي الشيطان يؤزُّني إلى قرعها أزًّا! فصرخت.. رحماك ربي «لا إله إلا أنت أعوذ بعزتك أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون، النجاة النجاة أين طريق النجاة». 

فإذا بي أسمع من قريب أخًا لي في الله يردد قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ،  وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ، وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٢: ١٠٧).

«إشارات ضوئية»

طريق الإعانة: 

كثيرًا ما يتململ الأخ من ضيق الوقت وكثرة الأعمال وازدحامها ويسأل عن كيفية الاستفادة من الأوقات والاستعانة على إنجاز هذه الأعمال، والأمر ليس كما يتصوره الأخ ضيقًا وشدة وإنما هو سهل ويسير، ولكن بأمور ثلاثة:

  1. الإخلاص لله والتوكل عليه بالدعاء، وأصل ذلك المحافظة على الصلوات ظاهرًا وباطنًا.
  2. الإحسان إلى الخلق بالمال وبكل ما ينفع.
  3. الصبر على أذى الخلق والصبر على النوائب. 

توفيق الله تبارك وتعالى لك تهون به الصعاب وتُحل المشكلات كما بينه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث القدسي الذي يرويه عن ربه: «ما زال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه...» الحديث.

التربية والمداراة: 

كثيرًا ما يخطئ الأخ في تربيته لأخيه ويسيء إليه من حيث لا يدري، بأن يظن حسن النية بمن معه والإحسان إليهم أن يفعل ما يرغبون فيه ويترك ما يكرهونه. ولخطورة المسألة أنزل الله بها قرآنا من السماء، فقال جل شأنه: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ﴾ (المؤمنون: ٧١). ثم خصص الخطاب للمدعوين من الصحابة فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ (الحجرات: ٧).

 ولذا كان الإحسان إليهم -الذي هو مطلوب منك شرعًا- فعل ما ينفعهم في الدين والدنيا ولو كرهه من كرهه. لذا إن رأيت في أخيك ما ينقصه كأخ قدوة، فعليك بإسداء النصح إليه وعدم تركه؛ حتى لا تتهمه في نفسك بالضعف والخور والفوضى وعدم النظام وغيرها من السلبيات، وفي نُصحك وبيانك للحق لا تنس قول عمر بن عبد العزيز: «والله لأريدن أن أخرج لهم المرة من الحق فأخاف أن ينفروا عنها، فأصبر حتى تجيء الحلوة من الدنيا فأخرجها فإذا نفروا لهذه سكنوا لهذه».

وبذلك يوصى النبي -صلى الله عليه وسلم- فيقول في حديث الصحيحين: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا نُزع من شيء إلا شانه».

العالِم ليُقتَبس من علمه

قال تعالى:

﴿قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا، قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا، قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ (الكهف: ٦٦: ٦٩). فانطلقا... (أ) وهكذا بدأت الرحلة، وبهذا الأدب اللائق بنَبِيٍّ يستفهم ولا يجزم ويطلب العلم الراشد من العبد الصالح العالم. ونظرًا لصعوبة العلم الذي يحمله هذا الرجل الصالح، يعزم موسى على الصبر والطاعة ويستعين بالله ويقدم مشيئته: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ ثم تبدأ الرحلة. وكذلك رحلة الداعية مع المربي، تبدأ عندما يضع ذلك التلميذ نفسه رهن إشارة أخيه بعد أن تأكد من إخلاصه لله، ولا يملك إلا أن يقول لأخيه المربي كلما رأى أمرًا لا يستطيع تفسيره، أو شدة يريد بها إصلاح، أو أمرًا يحتاج إلى طاعة دون تردد: ﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾

وهكذا تمضي رحله المربي مع إخوانه وحاجاتهم ونفسياتهم المختلفة، فيعيش بها ولها كالشمعة التي تضيء للغير في الوقت الذي فيه تحترق. وتمضي أيضًا رحلة الداعية مع أخيه المربي وإخوته الدعاة، وكلما مل الطريق واستعجل الثمرة تذكر قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (الكهف: ٢٨). (ب) فالله غايتهم، يتجهون إليه بالغداة والعشي، لا يتحولون عنه، ولا يبتغون إلا رضاه، وما يبتغونه أجلُّ وأعلى من كل ما يبتغيه طلاب الحياة. اصبر نفسك مع هؤلاء، صاحبهم وجالسهم ففيهم الخير، وعلى مثلهم تقوم الدعوات، تقوم الدعوات بهذه القلوب التي تتجه إلى الله خالصة له، لا تبغي جاهًا ولا متاعًا ولا انتفاعًا، إنما تبتغي وجهه وترجو رضاه. 

فإن كانت هذه الغاية فعليك أخي الحبيب أن تصبر على جفوة أخيك المربي أو سوء خلق منه -إن ظهر ذلك- ولا يصدك ذلك عن ملازمته وحسن عقيدته، وأن تتأول أفعاله التي تُظهر أن الصواب خلافها على أحسن تأويل، وتبدأ أنت عند جفوة الشيخ أو المربي بالاعتذار والتوبة مما وقع والاستغفار، وتنسب الموجب إليه وتجعل العتب عليك؛ فإن ذلك أبقى لمودة المربي وأحفظ لقلبه وأنفع للأخ في دنياه وآخرته. وعن بعض السلف: من لم يصبر على ذل التعليم بقي عمره في عملية الجهالة، ومن صبر عليه آل أمره إلى عز الدنيا والآخرة. 

وقال الشافعي -رضي الله عنه-: قيل لسفيان بن عينية إن قومًا يأتوك من أقطار الأرض تغضب عليهم يوشك أن يذهبوا أو يتركوك. فقال للقائل: هم حمقى إذًا مثلك إن تركوا ما ينفعهم لسوء خلقي.

 وقال أبو يوسف -رحمه الله-: خمسة يجب على الإنسان مداراتهم، وعدَّ منهم العالِم ليقتبس من علمه. (۱).

وأخيرًا أخي الداعية: أضرب لك مثلًا عظيمًا ينتفع منه كل داعية، أمامنا شجرة عنب كثيرة الثمر، فكان غارسها إذا مر به صديق له اقتطف عنقودًا ودعاه، فيأكله وينصرف شاكرًا. فلما كان اليوم العاشر قالت امرأة صاحب الشجرة لزوجها: ما هذا من أدب الضيافة، ولكن أرى إن دعوت أخاك فأكل النصف مددت يدك معه مشاركًا، إيناسًا له وتبسطًا وإكرامًا. فقال: لأفعلن ذلك غدًا. فلما كان الغد وانتصف الضيف في أكله، مد الرجل يده وتناول حبة فوجدها حامضة لا تساغ، وتفلها وقطب حاجبيه وأبدى عجبه من صبر ضيفه على أكل أمثالها! قال أبو حيان التوحيدي: فقال الضيف: قد أكلت من يدك من قبل على مر الأيام حلوًا كثيرًا، ولم أحب أن أريك من نفسي كراهة لهذا تشوب في نفسك عطاءك السالف. 

وما هذه من قصص الأغاليط. ولكنه مثل ضُرب لك أيها الأخ الداعية فاستمع له ومجاز تدلف منه إلى العدل، مفتوح أمامك. فليس فيمن حولك من انبغت له العصمة واستقام له الصواب، فإن أخطأ معك أخ لك. فلا تجرمنك كبوَته على الهجران، والتأفف، والضجر، والانتقاص منه، بل ولا على العتاب. إنما تتصبر، وتكظم، وتعفو في سرك مستحضرًا جمال سابقاته، وجياد أفعاله، وحلو مكرماته، لعله أعانك على توبة، أو ظاهرك عند تعلمك رديفًا ورفيقًا وسميرًا، أو علمك بابًا مما علمه الله وطريفة. (٢)

أخي الحبيب

لعل ذلك الأمر يضيء لنا جوانب أخرى في العملية التربوية التي نعايشها وتحتاج منا إلى بذل وتضحية، وصبر يغذيه إخلاص لله. والحمد لله رب العالمين.

(أ) سورة الكهف آية ٦٩: ٦٦

(ب) الكهف آية ٢٨

(ج) الظلال 4/ 2268 باختصار بسيط.

(۱) تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم ص ۹۱ -۹۲ بتصرف بسيط.

(۲) الرقائق للراشد / ۹۱ -۹۳ (وجزء منه من كتاب الإمتاع والمؤانسة 2/121).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل