العنوان خطورة الاستعجال
الكاتب جاسم المسلم
تاريخ النشر الثلاثاء 04-نوفمبر-1980
مشاهدات 78
نشر في العدد 503
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 04-نوفمبر-1980
قبل الشروع في بيان خطورة الاستعجال ينبغي أن ندرك قضية أساسية، وهي أن الدعوة -دعوة إلى الله سبحانه وتعالى- والله يختار ويصطفي لدعوته من يشاء من عباده، وما نحن إلا بمنزلة السبب، لذا نجتهد في حسن الاختيار ببذل ما في وسعنا من الوسائل المناسبة لذلك دون النظر إلى نتيجة ما قدمناه من عمل، ولهذا علينا أن نخطو خطوات مدروسة في دعواتنا، هذه الخطوات قائمة على المكث والتريث لأن الحركة لا يهمها التجمع القطيعي وإنما هي حريصة على التجميع والانتقاء المنظم، وهذه الخطوة -المكث والتريث- كفيلة إن شاء الله بإعطاء الأخ الجديد رؤية واضحة عن إخوانه العاملين، وبالتالي يُقبل على العمل في صفوف إخوانه الدعاة بقناعة تامة، ويكون نتاجه جيدًا بإذن الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ (سورة الفرقان: 32)
«وفي هذه الآية دليل على أنه ينبغي للمتكلم في العلم من محدث ومعلم وواعظ أن يتأمل في توجيه ربه سبحانه في تدبيره أمر الخلق، وبعث الرسل إليهم، فكلما حدث موجب أو حصل موسم أتى بما يناسب ذلك من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والمواعظ الموافقة لذلك».
لذا ينبغي للداعية المربي أن يتريث على إخوانه في العمل الإسلامي وغيرهم من الدعاة الجدد في انتهاز الفرص في تربيتهم جميعًا تربية مركزة قائمة على المكث لا الاستعجال، وبذلك يكون قد وافق الأسلوب القرآني في التربية.
وفي الاستعجال خطورة كبيرة تتمثل في عدة نقاط، منها:
أن الاستعجال يجمع أعضاء بسطاء الفكرة، ضعفاء التربية تجربتهم قليلة، وطريق هذه الدعوة شاق يشترط على السائر فيه التزام التقوى، لذا يحصل التساقط في الطريق وهذا خطر كبير.
إن الدعوة في نشأتها وبدايتها تقوم على أكتاف الأقوياء لتكوين القاعدة الصلبة والاستعجال يخالف ذلك.
إن كثرة الضعفاء في هذه المرحلة داخل الصف الإسلامي تؤدي إلى تأخير ساعة النصر وإشغال المربين وإضاعة طاقتهم في نوعية -لا تريد العمل الجاد المتواصل- تأخذ منهم أوقاتهم وجهودهم التي ينبغي منهم أن يصرفوها في أعمال أخرى يرفعون فيها من مستوى الشباب في المجالات المختلفة، وينتج عن ذلك خطورة واضحة لا شك فيها.
إن عملية الاستعجال سيكون من نتائجها بعد فترة تجميع فئة من الضعفاء تشغل المربين في تصريفها في مجال يتناسب معها، وبالتالي تنشأ قضية جديدة تأخذ منهم جهدًا فكريًّا وعبئًا حركيًّا هي في غنى عنه الآن وفي هذه المرحلة من العمل، لذا قال سيد رحمه الله:
«لا بد للإسلام من رواد فيهم من القدرة والطاقة والإدراك والكفاية والاستعلاء والحماسة والإصرار والصلابة بقدر ما فيهم من الإيمان والثقة بهذا الإيمان؛ لكي يخلصوا أنفسهم أولًا من ضغط هذا الواقع وشتى التوجيهات والتصورات المصاحبة له والمؤيدة بأجهزة الإعلام العالمية، ولكي يروا تصورًا آخر أكمل وأشمل ثم يتحركوا بعد ذلك في مواجهة هذا الواقع».
«حقيقة واقعة»
لاختلاف النفسيات والجبلات والينابيع التي كان يستقي منها الدعاة قبل وجودهم في منهج واحد يتلقونه، كان لا بد من أن يكون هناك خلافات حول الآراء الاجتهادية المطروحة والتي يتم فيها النقاش، ولوجود هذه الظاهرة الطبيعية كان لا بد أن نبين حقيقتها: وهي أن الخلاف الذي لا يفرق الصف لا ضرر فيه، كخلاف أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، لأنه لم يكن من الممكن نقل نفسية عمر إلى أبي بكر «مع أن كليهما في صف الجماعة المؤمنة».
والنفسية التي يجب أن يتحلى بها الدعاة في خلافاتهم التي هي في نطاق الدعوة والعمل، هي نفسية التغافر التي بيَّنها ابن السماك حينما قال له صديق: «الميعاد بيني وبينك غدًا نتعاتب». فرد عليه بنفسية الأخوة الحريصة على الائتلاف والوحدة: «بل الميعاد بيني وبينك غدًا نتغافر». فكان جوابًا تبينه القلوب التي ملؤها فقه وواقعية، وقد لذعت بواقع المسلمين وتألمت لأسباب تفرقهم. لذا أخي عبِّر لأخيك عن غفرانك له بلسان ذلك الشاعر حينما قال:
من اليوم تعارفنا ونطوي ما جرى منا
فلا كان ولا صار ولا قلتم ولا قلنا
كما أننا لا ننسى ما أوصانا به الإمام حسن البنا -رحمه الله- حين قال: «نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه». كما أننا يجب أن نبتعد عن أخذ مسائل الخلاف بعزة النفس منتصرين لآرائنا، لا للحق الذي يوافق شرع الله تعالى في كل هذه المسائل، إن فهمنا الموقف الصحيح تجاهها علمنا طريق الأخوة فاتبعناه، وطريق الاختلاف فابتعدنا عنه.
وأهمية هذه المسألة آتية من كون المربي كثيرًا ما يلتقي إخواننا المربين لقاءات كثيرة، حيث إن من طبيعة هذه اللقاءات والآراء والاختلافات حررنا هذا الموضوع.
تلبيس من إبليس:
التعود على الباطل يؤدي إلى الدفاع عنه:
إن من أكبر الأمراض التي تعترض الدعاة داء «الألفة»، أو ما اعتاده الإنسان من أمور يراها ويسمعها، ثم لا يلبث بعد فترة فلا يكاد يسبح بعظمة يراها من صنع الله، ولا ينكر منكرًا تكاد السماوات تسقط من فظاعته، وما ذلك إلا مرحلة حتى تأتي ما هي أكبر منها وهي الدفاع عن الباطل الذي اعتاده حتى كاد يكون محقًّا لا لبس فيه، والأمثلة على ذلك كثيرة نتركها لتجربتك ومعرفتك.
وحتى يتم التوضيح سنورد قصة تبين هذا الأمر وكيفية علاجه:
رُزق رجل ولدًا أحولَ فلا يزال يرى القمر بصورة قمرين حتى إن لم يشاهد في السماء قمرين، فقال له أبوه: القمر واحد وإنما السوء في عينيك، أغمض عينك الحولاء وانظر. فلما فعل قال:
أرى قمرًا واحدًا لأني عصبت إحدى عيني فغاب أحدهما.
فجاء من هذا القول شبهة ثانية، فقال له أبوه: إن كان ذلك كما ذكرت فغضَّ الصحيحة، ففعل فرأى قمرين، فعلم ما قال أبوه.
فهذا الولد ما دعاه إلى أن قال بأن السماء بها قمران إلا أنه قد اعتاد رؤية القمر بهذه الصورة، ولكن هذا داء، وهذا التلبيس لم يستسلم له الأب، بل حاول علاجه بصورة مختلفة حتى نجح بالعلاج. فلا تعجز أنت أخي الداعية عن البحث والتفكير في حل هذه المشكلة التي نشأت في بعض مراد الدعوة.
تقويم اللسان
الشيخ يونس حمدان
من الأخطاء الشائعة على ألسنة بعض المتكلمين وفي أقلام بعض الكاتبين قولهم: «هذا الأمر يمس بي»، وهذا لا يتفق مع الفصيح من كلام العرب، فإن هذا الفعل يتعدى بنفسه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (سورة الأنعام: 17)، وقوله: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ۚ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (سورة البقرة: 237)، وغير هذا كثير في كتاب الله، والصحيح إذًا أن يقال: «هذا أمر يمس كرامتي» بحذف حرف التعدية.
ومنها قول بعضهم: «أسقطوا الكلفة بينهم» يريدون الفوارق والحياء والحشمة، وهذا غير صحيح، لأن للكلفة معان أخرى ليس فيها معنى الحياء والفوارق ونحوها، فمن معانيها:
لون الأكلف، أو حمرة كدرة، أو سواد مختلط بحمرة.
ما تكلفته من أمر في نائبة أو حق.
المشقة، يقال: ليست عليه كلفة في هذا.
ما تكلفته على مشقة.
وجمع الكلفة: كلف.
ومن الأخطاء الشائعة ما يقوله بعضهم: «اطمأن فلان عن صحة صديقه»، وهذا خطأ لا يوافق الفصيح الصحيح المعروف من كلام العرب، وذلك لأن معنى «اطمأن عنه» أعرض عنه، والصحيح أن يقال: «اطمأن بصحة صاحبه» أو «اطمأن إليها».
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (سورة الرعد: 28).
﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (سورة النحل: 106). ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (الحج: 11).
وقال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾ (سورة يونس: 7).
﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (سورة الأنفال: 10).
ومما تقدم يتبين لك أن فعل اطمأن متلو دائمًا بحرف الباء. ويقول بعض علماء اللغة: إن استعمال «إلى» بعد هذا الفعل «مجاز»، فإن الحقيقة هي إلحاق حرف الباء.
ومن معاني «اطمأن»:
«اطمأن بالمكان»: إذا أقام به واتخذه موطنًا.
«اطمأن عما كان يفعله»: تركه، وضرب صفحًا عنه «مجاز».
«اطمأن فلان جالسًا»: استقر في جلوسه.
«اطمأنت الأرض»: انخفضت.
ويقول بعضهم: «شجبت الدول العربية قرار الكنيست الإسرائيلي بضم القدس، يريدون أنهم أعابوه واستنكروه، وهذا خطأ، والصحيح أن يستعمل هنا كلمة عاب، ذم، جذب، أو غير ذلك من الكلمات التي تؤدي المعنى المراد في نحو الحديث: «جذب لنا عمر السمر بعد العتمة»، وذلك لأن للفعل شجب معاني أخرى ليس فيها معنى عاب أو استنكر، فمن هذه المعاني:
شجب الرجل يشجب شجوبًا: هلك، شجب الرجل: إذا أصابه الخوف الشديد والمشقة.
ومنها الجذب والصد، يقال: «إنك لتشجبني عن حاجتي» أي تمنعني منها وتصدني عنها.
شجب الظبي: رماه بسهم فأصابه، فمنع حركته.
«شجب القربة بننجاب» أي سدها بسداد.
شجب الشيء شجبًا: إذا تداخلت عناصره وامتزجت.
شجب الغراب تشجيبًا إذا نعق بالفراق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل