العنوان إجازة الربيع.. وذكريات لها معنى
الكاتب تيسير الزايد
تاريخ النشر السبت 07-فبراير-2009
مشاهدات 77
نشر في العدد 1838
نشر في الصفحة 60
السبت 07-فبراير-2009
ضرورة تقييم العلاقة الزوجية وإحداث التغيير الإيجابي فيها من وقت لآخر
عدم حل الخلافات الأسرية الصغيرة بسرعة يحرمنا من السعادة دون أن نشعر
لي في كل إجازة ربيع مغامرة وقصة، فمهما حاولت أن تمر الإجازة دون حدوث مفاجأة، إلا أنني مع الأيام أجدني أصدق جملة: «مغامرة منتصف العام»، التي أطلقتها علي زميلاتي المدرسات، واللاتي دائما يطلبن مني سرد تفاصيلها بمجرد العودة إلى المدرسة فور انتهاء الإجازة الربيعية.
مغامرتي هذا العام تختلف عن كل عام؛ لأنها كانت معقدة بعض الشيء، وبرغم هدوئي الذي يعرفه عني من حولي إلا أن المغامرة استطاعت وبجدارة إثارة تفكيري لفترة من الزمن.
كان يومي عاديًا عندما طلبت مني أختي أن أرافقها أنا وأبنائي إلى شاطئ البحر، ليلعب الصغار، ويتحدث الكبار.. وبرغم رفضي الفكرة أخذ الأبناء إلى أماكن الجو البارد، خشية إصابتهم بنزلات البرد إلا أني وافقتها الرأي وخرجت أنا وصغاري معها، بعد أن جعلتهم كالدببة القطبية من كثرة الملابس التي ارتدوها!
ما أن وصلنا إلى الحديقة التي بالقرب من شاطئ البحر حتى أخذ أبناء أختي بالركض هنا وهناك، أما ابنتي وابني فجلسا لا يستطيعان الحركة من ملابسهم الثقيلة، أخذت أختي تلح علي أن أخفف من ملابسهما حتى يستطيعا الحركة والمرح، ولقد طاوعتها مرة أخرى، فلقد كنت مستسلمة لها هذه المرة على غير عادتي لأسباب لم أكن أعرفها، تناولنا بعض الأحاديث وبعض أكواب الشاي الدافئ، حاولت أن أدخل العالم أختي المرح، ولكن كما في كل مرة أجد نفسي تبتعد العالم آخر يختلف دائما عن عالمها – هكذا كنا دائما منذ الصغر - فلئن كانت أختي ترى في البحر رمالًا نلعب فيها، ومتسعا لنركض فيه، ووقتا نضيعه في أحاديث جانبية؛ فأنا أرى في البحر عمقًا مخيفًا، وأشعارًا حزينة حفظتها من مدة طويلة ورومانسية طالما بحثت عنها.
تركت أختي تداعب الصغار وتطعمهم، وأطلقت لقدمي العنان لتأخذني إلى عمق جديد لم أكتشفه بعد في هذا الشاطئ ولم تطل المدة التي ركبت فيها خيول الخيال حتى وجدت امرأة توشحت بالسواد ترتجف من مياه البحر، ودون تفكير نزعت ردائي الثقيل ولففتها به واحتضنتها بقوة.. لم تكن لتتغلب على قوة حركة جسمها المتسارعة لم أكن أعرف كيف أتصرف؟! ولو تركتها لدقائق كي تطلب هي المعونة لماتت من البرد ولهذا مكثت بجانبها أدفئها وأهدئ من روعها، لم يكن هناك داع لسؤالها عما بها، فالأمر الذي دفعها لتغسل أحزانها في هذا البحر الهائج البارد كبير، وقبل أن يرسم عقلي تفاصيل القصة كعادته فإذا بصوتها الحزين يأخذني لعالمها: «بعد عشرين عاما على زواجنا يقذفني بمزهرية الورود على ظهري». ويتعالى صوتها المخنوق حزنا.. لا أدري أعلى ألم نفسها، أم على ألم جسدها أم على تاريخ طويل عاشته مع زوج اكتشفت أنها لا تعرفه، أم يا ترى على المزهرية التي كسرت دون ذنب؟
بدأت أعين الفضوليين ترمقنا، ولهذا طلبت منها أن تقوم معي لنذهب للسيارة لنتحدث قليلًا ربما نجد حلا لمشكلتها، ذهبت معي دون مقاومة، بل شعرت أنني كنت لها طوق النجاة الذي كانت تبحث عنه، ولقد صدق ظني؛ فما أن بدأنا الحديث حتى وجدتها راغبة في حل مشكلتها، فهي تحب حياتها، وما حدث من زوجها لأول مرة لن يلغي كل ما قدمه لها وإن كان كطعنة بسكين وجهت لقلبها، لا تدري متى ستشفى منها إلا أنها راغبة في أن تنسى ما حدث، وقد حاولت هذا عندما نزلت البحر البارد بملابسها دون أن تدرك مدى برودته.
تركتها تتكلم لوقت طويل حملتني كلماتها لأيام من السعادة.. كانت تعابير وجهها تسبقها عندما كانت تتذكرها ولأيام أخرى من القسوة كانت عيناها تعبر عنها أيضًا.. لم أكن أعلم كيف أساعدها، ففي داخلي ثورة كامرأة تريد أن تثار لبنات جنسها، وتطلب منها أن تغادر المنزل وتنتصر لنفسها، كما أن المنطق يقول: إن عليها العودة لمنزلها لمواجهة مشكلاتها ومعرفة الدوافع التي جعلت زوجها يقوم بهذا الأمر.. نعم، هي في حاجة للبحر ولكن لتجلس أمامه وتفكر بروية وبحكمة في أيامها، وليس للهرب بين أمواجه الباردة التي قد تصيبها بالحمى.
صديقتي تلك لا أعرف حتى اسمها، ولكني مازلت أتذكر ملامح وجه زوجها الذي كان منتظرًا خارج بوابة المنزل عندما قمنا بتوصيلها، فما أن رآها حتى هرع إلى باب السيارة، وأخذها من يدها ودخل بها إلى المنزل وهي مازالت ترتجف.
عدت إلى منزلي الصغير وأول ما قمت به.. أتدرون ما هو؟
أفكر في صديقتي
رفعت كل المزهريات من على الطاولات وحفظتها في الخزانة، وجلست أمام زوجي أفكر متى سيصل إلى حالة رمي المزهريات؟ لا أعتقد أني سأعطيه فرصة لذلك، بل سأجعل حياته سلسلة من المفاجآت والأحداث التي تشغلنا وتقربنا معًا.
كثيرًا ما أفكر في صديقتي تلك ويدفعني الفضول أحيانًا لأذهب لمنزلها وأطمئن على أحوالها، ولكن أشعر ربما هي في حاجة النسيان تلك الحادثة، ونسيان كل ما يتعلق بها. ربما ستنسى هي، ولكني لن أفعل فحادثة المزهرية حافز لي لتقييم علاقتي الزوجية دائما، وإدخال بعض التغيير فيها بين الحين والآخر، فلقد أخفيت جميع المزهريات.. ولكن هناك الكثير من الأشياء التي يمكن أن أقذف بها.
تحت ضوء القمر
قصة أخرى يرويها أحد الأزواج فيقول: قليل هم الرجال الذين يبوحون بأسرارهم ويحكون قصصهم، ولكن سأكسر القاعدة اليوم لأحكي عن تجربة إجازة منتصف العام الماضي.
أنا أعشق البر والصحراء، وما أن تأتي عطلة الربيع حتى أجد فرصتي لأصطحب أسرتي لنخيم في الصحراء، وعلى عكسي تمامًا فزوجتي لا تحب تلك الصحاري الممتدة المسافات طويلة في كل الاتجاهات، ولا تحب ضوء القمر في الليل، ولا تحب خيمتنا الصغيرة المرفهة التي جعلتها بيتًا صغيرًا لها، وكنت كل عام أحاول أن أتجاهل عصبيتها أو كلامها المستمر والرافض، وطالما أن الأبناء فرحون منطلقون فلم يكن يهمني شيء، بالرغم من أني كنت أفتقد خروجها معي لنتمشى ليلا تحت النجوم أو أن نقوم بشي الكستناء «القسطل» خارج الخيمة فلقد كانت تجلس طوال اليوم تقرأ مجلاتها وقصصها، وتشاهد التلفاز كعقاب لنا علي خروجنا للصحراء.
وفي العام المنصرم لم أكن قادرًا على تحمل إلا ثلاثة أيام في الخيمة، فلقد قررت فجأة أن نعود إلى المنزل ودون أن التفت لأحد.. وضعت الأغراض في السيارة.. وأغلقت الخيمة، وودعت أسرتي التي كانت خيامهم تحيط بنا من كل جانب.
عدنا إلى المنزل ما بين بكاء الصغار وسعادة الزوجة الغامرة، ومشاعري المتبلدة.
مر يوم، وآخر.. وأنا ما بين طاولة الطعام والأريكة أشاهد المباريات على كل القنوات ونوم مستمر.. بدأ الصغار يتململون، وبدأت الأم تشتكي وأنا على موقفي فالإجازة قد أعطيت للراحة - كما تدعي دائما زوجتي - وليس للخروج هنا وهناك أربعة أيام مرت وأنا أمارس حياتي الطبيعية دون شكوى بل المخيف في الأمر أنني بدأت أعتاد جلوس الأريكة وتناول المكسرات!
اليوم الحاسم
في اليوم الخامس كان اليوم الحاسم في حياتنا الأسرية اجتمع الصغار مع أمهم فوقي على السرير، وفي صوت واحد طالبوا بالعودة إلى الصحراء، وإلى خيمتهم وأبناء عمومتهم، فلقد اشتاقوا للوجوه السمراء المغبرة، ورائحة الفحم التي تدفئهم ليلًا.
حاولت أن أصمم على موقفي فالإجازة للراحة، ولكن شوقي لجو البر سبقني للسيارة. وما هي إلا ساعتان حتى صرنا في خيمتنا نعيد تنظيفها وتدفئتها، وما هي إلا ست ساعات إلا وزوجتي تضع يدها في يدي، ونمشي معا تحت ضوء القمر، وأنوار المخيمات.
بهدوء.. حللت مشكلتي التي كنت أعاني منها لسنوات، وفهمت زوجتي الدرس بالرغم من أن كبريائها منعها بأن تفصح عما تعلمته ولكني وجدته في كل خطوة مشيناها معًا، وفي كل عشاء تناولناه معا خارج فناء خيمتنا.
قد تضيع منا الكثير من السعادة وتضيع منا أيام، ونحن نعاني من خلافات صغيرة ولا تفكر في حلها سلميًا، وقد لا نشعر بجمال ضوء القمر بسبب عناد أو مكابرة، والأمر أسهل مما كنا نتخيل والحياة أجمل مما نتصور.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل