; «جرد» حساب الدور الانعقاد المنصرف | مجلة المجتمع

العنوان «جرد» حساب الدور الانعقاد المنصرف

الكاتب د. سامي محمد العدواني

تاريخ النشر السبت 24-يوليو-2010

مشاهدات 72

نشر في العدد 1912

نشر في الصفحة 8

السبت 24-يوليو-2010

يمضي دور الانعقاد الأخير بكثير من الأحداث والدروس تتطلب التوقف عندها، كونها ترسم مسارًا جديدًا للعلاقة بين السلطتين، وشكل العلاقة بين التيارات السياسية والكتل البرلمانية، نحاول في هذه الإطلالة التوقف عند أبرز ملامح هذا الدور، والتطلع للمرحلة القادمة برؤية استراتيجية مغايرة للمنظور الذي ساد دور الانعقاد الأخير.

أداء الحكومة: مازال الأداء الحكومي يتعثر في تحقيق مكتسبات حقيقية تنموية وإصلاحية يمكن أن توجد المبرر العملي لاستمرارها واستقرارها، شاهدنا ذلك في أهم ملفات «الكهرباء، الصحة، التربية والتعليم...»، بل حتى في مؤشر مدركات الفساد الذي تراجعت فيه الدولة إلى المرتبة ٦٦ عالميًا «الأخيرة خليجيًا».

وهي حالة يمكن أن تحدث إرباكًا على مستوى القرار الحكومي، بل يزيدها اهتزازا الموقف تجاه الممارسة الإعلامية التي ساهمت في خلخلة النسيج الاجتماعي ونتوء العصبيات والإثنيات، حتى ظهرت على سطح البرلمان في ختام دور الانعقاد، وكانت «زارًا» وطنيًا شهد تلاسنًا بين نواب الأمة حول الأصول العرقية والأنساب الشخصية وقد كان لسمو الأمير وقفاته الحازمة تجاه هذا اللغط الذي تضمن خطاباته الأخيرة في البرلمان وعبر شاشات التلفزة.

في المقابل، فإنه من الإنصاف أن حالة من الأجواء المريحة المعينة على أداء أفضل للحكومة قد توافرت هذه المرة أكثر من سابقاتها في أدوار الانعقاد الماضية.

فقد مثلت الأغلبية البرلمانية الداعمة للحكومة «تحالف شيعي ليبرالي مع بعض الرموز القبلية» مهد لفرض أجندة الحكومة تجاه بعض المواقف والمشروعات المقدمة من اللجان البرلمانية «المرأة، البدون، المعاقون، القروض...»، سواء بالتمرير أو التخيير والانتقاء بين بنودها وموادها أو إعادتها إلى «أفران» اللجان؛ لمزيد من التهذيب ليتوافق مع محددات «سي سيد».. أقصد الحكومة!

البرلمان.. جرعة زائدة!: كان لافتًا الجرعة الزائدة التي منحها البرلمان للحكومة في دعم ملف التنمية، فقد وجد الجميع نفسه أمام خطة تنموية غير مسبوقة من ٢٥ عامًا في ظل عطش وطني للتنمية والتحسين في الخدمات العامة، وتزايد الخوف من ضياع مدخرات الوطن، واستنزافها في إسقاط قروض المواطنين وطلبات الكوادر التي تعمل على مضاعفة الأجور وزيادة المكافآت الوظيفية؛ مما يثقل كاهل الباب الأول - حسب رأي بعض الراصدين - من دون مقابل عملي.

وأمام هذا الجهد العلمي الرصين الذي عبرت عنه الخطة في تفاصيلها، والشفافية

الأداء الحكومي مازال متعثرًا في تحقيق مكتسبات حقيقية تنموية وإصلاحية

خطة التنمية شهدت خطوات تنفيذها الأولى إرباكًا واقعيًا مع نزولها إلى المستويات التنفيذية في الدولة

بروز كتلة التنمية والإصلاح كحصان أسود بفضل الانسجام بين أعضائها

كتلة العمل الوطني تعيش أسوأ مراحلها والبعض يرى في خطابها تناقضًا لا ينسجم مع منطلقاتها

اهتزاز واضح لكتلة العمل الشعبي وهناك شرخ بين رمزها وأعضائها

التي أدار فيها عرابها الشيخ أحمد الفهد وأحسن استثمارها؛ لتكون الشعار الذي ينفذ من خلاله إلى قلوب المواطنين وعقول القياديين، فقد بدت خطوات تنفيذها الأولى تشهد إرباكًا واقعيًا مع نزولها إلى المستويات التنفيذية في الدولة.

شكل هذا النزول امتحانًا حقيقيًا تطلب معه التهديد المباشر الذي طال المسؤولين عن تنفيذها، بأن «بقاءهم في مناصبهم مرهون بالتزام تطبيقها» في لهجة حزم غير مسبوقة بدأت تنعكس ملامحها في ارتفاع وتيرة الجدية، والتفكير بصورة واقعية لمواجهة الترهل والبطالة المقنعة التي يظن كثيرون أنها سمة العمل الحكومي خلال السنوات الماضية.

الكتل البرلمانية

برزت كتلة التنمية والإصلاح كحصان أسود في دور الانعقاد الأخير، والبعض يعزو ذلك إلى الانسجام الذي تبلور لأعضائها، ومع اكتمال أركانها بانضمام فلاح الصواغ القادم من الدائرة الخامسة؛ مما شكل دفعة زادت من ثقلها، وبات يؤخذ تحركها على محمل الجد في الملفات التي تفتحها.

ظهر هذا الانسجام في التوازن بين المبادرات التنموية التي قدمتها الكتلة، وفي تفعيل الأدوات الرقابية الإصلاحية لمواجهة ملفات «الرافال، المناهج، الخصخصة، غلاء الأسعار...»، عدا عن ذلك، فقد بدا واضحًا توزيع الأدوار في الملفات المطروحة بين أعضاء الكتلة مما يعد نجاحًا يحسب لصالحها.

كتلة التنمية والإصلاح تملك قدرة على التشارك برغم تباين الخلفيات الفكرية والامتدادات الدوائرية والجغرافية؛ الأمر الذي يعتبر استمرار هذا الانسجام مدعاة للدخول الأمن في الانتخابات البرلمانية القادمة في ظل الاهتزاز الواضح لكتلة العمل الشعبي الذي غدا الشرخ واضحا بين رمزها وأعضائها.

كتلة العمل الوطني.. وتحسس موطن القدم!

الحال بالنسبة لكتلة العمل الوطني ليست أفضل منها في كتلة العمل الشعبي فهي تعيش أسوأ مراحلها من حيث الانسجام بين أعضاء فريقها، البعض يرى في خطابها تناقضًا لا ينسجم مع منطلقاتها التي يتم ترويجها على أنها النموذج الوطني الواجب اتخاذه مسلكا في الممارسة السياسية.

فهي حينا تعلن رفضها التصعيد السياسي والتشنج البرلماني، ونجدها قد خرجت عن طورها في ملفات الرياضة، وطالبت بتقديم وزير الشؤون ورئيس الوزراء إلى مقصلة الاستجواب، ويراها آخرون قد تمايلت مع الريح في قانون الاستقرار المالي.

في المقابل، نجدها قد تصلبت عند مناقشة قانون إسقاط فوائد القروض عن كاهل المواطنين، ومناقشة قانون الحقوق الإنسانية والاجتماعية لشريحة البدون؛ مما رسخ لدى البعض قناعة كانت تتردد على عدد من الأفواه بأنها لا تعبر إلا عن« عنصرية» وطبقية ورعاية المصالح متنفذة؛ الأمر الذي يضيق بمساحة تحركها وطنيًا ويجعلها أكثر تقوقعا وانزواء.

التيارات السياسية.. والمسارات القادمة

بشكل عام، التيارات السياسية ليست بأفضل حال من باقي الكتل والتجمعات البرلمانية، ففي الوقت الذي تنشغل فيه الحركة الدستورية الإسلامية كبرى الحركات السياسية وأكثرها انتشارًا وتنظيمًا - وفقًا لدراسة معهد «كارنيغي» ومركز «فوكس» - في إعادة ترتيب أوراقها وتقويم بيتها الداخلي وصياغة استراتيجيتها الجديدة.

تبقى خياراتها للمرحلة القادمة تنحصر في بناء تحالفات جديدة وترميم الصورة الذهنية التي نالها ما نالها من تجريح، وإعادة تنظيم صفوفها الداخلية، والاستفادة من المقومات التي ظلت حاضرة وفاعلة برغم تراجع عدد مقاعدها في البرلمان.

التحالف الوطني الإسلامي التيار الأكثر اعتدالًا في خطابه شيعيًا، مازال يدور في رحى الالتزام الطائفي الذي بات المسار الاستراتيجي لبرنامجه السياسي، ونال فيه الكثير من المكتسبات «لديه وزير نشط في الحكومة»، إلا أنه ساهم في استمالته سياسيًا، فلم يعد بالتوقد الذي عهدناه في مراحل تاريخية مضت، ومع طول هذا الالتزام فإنه يخشى عليه من «التذويب» والضمور!

التحالف الوطني الديمقراطي الذي يبدو للوهلة الأولى أنه حليف الحكومة الأبرز تاريخيًا، ومازالت الحكومة تحتضن وجوها بارزة في تياره في مستويات مختلفة داخل الجسم الحكومي، أبرزهم وزيرة التربية والتعليم العالي «موضي الحمود» بالإضافة لعدد من المستشارين لدى الحكومة ورئيسها، وبرغم هذا التواجد المؤثر حكوميًا إلا أن توزان الصوت المعارض مازال حاضرًا في الساحة السياسية، فأمين عام التحالف الوطني الديمقراطي خالد الفضالة بقي متواجدًا في خطابه معبرًا عن سقف سياسي غير مسبوق في لهجة المعارضة الوطنية.

من هذه النماذج تلويحه بالكارت الأصفر لأسرة الحكم في تجمع منطقة الأندلس لدى النائب البراك، واتهامه لرئيس الوزراء بغسيل الأموال؛ الأمر الذي نفاه لاحقا، لكن القضاء أدانه وأدخل التحالف في إرباك مع نفسه؛ الأمر بات يتطلب مراجعة جادة وموازنة من نوع دقيق بين المسارين.. أن تكون لك قدم في الحكومة وأخرى في المعارضة بهذا السقف المفتوح، فهذا يعد في نظر الكثيرين «برجماتية» غير مقنعة!

الخلاصة

مازالت ملامح المرحلة القادمة غامضة، يلمح البعض أنها لن تكون حالمة كما كانت في دور الانعقاد المنتهي، بل ستزيد تصعيدًا جديدًا قد يبدأ بملفات الكهرباء التي تشهد تعثرًا على إثر الانقطاعات المتكررة، وحسم صيغة محطة الزور «شركة مساهمة توزع حصة منها على المواطنين أو ترسية بالمناقصة».

بالإضافة لتوقع ظهور نتائج تحقيق ديوان المحاسبة حول بعض الأسئلة والإثارات التي لفت إليها الأنظار النائب الحربش في آخر جلسات دور الانعقاد، وهناك ملف الرياضة الذي مازال مفتوحًا، وهو محل تجاذب واستقطاب حاد؛ لصعوبة مراس طرفي المنازلة وبأسهم القوي وامتلاكهم العديد من الكروت المرشحة للتحريك والإثارة من جديد.

في حين تبقى صفقات السلاح وآخرها طائرات «الرافال»؛ ترصدها تصريحات النواب وأسئلتهم التي ستقض سكينة الصيف على الحكومة، وقد تكون الفترة القادمة مرحلة انطلاقة جادة لرؤية مشروعات التنمية الموعودة، بعد أن تم شحن أجهزة الدولة التنفيذية وتهيئة الظروف الملائمة لمباشرة التنفيذ، وضخ الروح في أطرافها الراقدة في سبات الترهل والسلبية.

على مستوى الكتل البرلمانية، الصيف فرصة للراحة وجمع الشتات وإعادة «جرد» الحساب بعد موسم حافل، وهو كذلك للتيارات السياسية التي يتوقع أن تخلد إلى النوم بعين واحدة! وقد تشهد هذه المرحلة بلورة تحرك النشطاء الجدد وإطلاق تجمعهم الرسمي؛ فتكون فرصة لبلورة مشروعهم السياسي ومظلة لحراكهم.

في كل الأحوال، كان المحفل السياسي المنتهي الأقل سخونة على مستوى المواسم العشرة السابقة وهو مرشح للتبريد أكثر، مما يعيد الأمل من جديد، ويخفف من هدر الفرص الضائعة، والالتفات للوقت المسكوب على صراع أدرك الجميع فداحة ما أثخنوا من جراح في جسد هذا الوطن الجميل.. قليلًا من التعقل.. قليلا من العمل.. وسوف يزهو المستقبل!

«الهوامش»

(*) رئيس مركز «الإتقان للدراسات والاستشارات»

الرابط المختصر :