; إجماع رسمي وشعبي بالمغرب على إدانة نشر الرسومات المسيئة | مجلة المجتمع

العنوان إجماع رسمي وشعبي بالمغرب على إدانة نشر الرسومات المسيئة

الكاتب عبدالغني بلوط

تاريخ النشر الأحد 01-فبراير-2015

مشاهدات 72

نشر في العدد 2080

نشر في الصفحة 32

الأحد 01-فبراير-2015

نشر هذه الرسوم تصعِّد مشاعر الكراهية للمسلمين وترفع مؤشرات "الإسلاموفوبيا"

نشر الرسوم لا يبرر أي رد فعل عنيف فالعنف لا يأتي إلا بما يستهويه اللاعبون الكبار وراء الستار من إشاعة الحقد والكراهية بين الأمم.

نصرة النبي امتدت إلى ملاعب كرة القدم حيث قدم جمهور فريق "الرجاء البيضاوي" لوحة معبرة عن نصرة النبي الكريم في مقابلة له ضد نادي "الصفاقس التونسي".

مجموعة من الشباب أطلقوا حملة تعريفية بالنبي تحت عنوان "من هو محمد؟".

أبلغ رد على السخرية والاستهزاء هو التجاهل والإعراض

الإساءة أتت من جريدة.. فأين مجلاتنا وجرائدنا وإعلامنا؟

توافق الرد الرسمي والأكاديمي والشعبي بالمملكة المغربية على استنكار واستهجان نشر رسومات مسيئة للنبي صلى الله عليه على صحيفة "شارلي إبدو" الفرنسية، وكان أول هذه المواقف من وزارة الخارجية المغربية التي رفضت أن يشارك مسؤولوها في المسيرة التي نظمت بباريس على خلفية الهجوم على الصحيفة ذاتها وأدى إلى مقتل 12 شخصاً.

ووجد موقف وزارة الخارجية المغربية صدى كبيراً في أوساط رواد مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أشادت آلاف التعليقات بالموقف المغربي، وجرى تداوله على نطاق واسع خصوصاً على موقعي التواصل الاجتماعي "فيسبوك" و"تويتر" من جانب نشطاء من مختلف أنحاء الوطن العربي والإسلامي.

 ومنع المغرب أيضاً دخول العدد الجديد من الصحيفة والذي يحتوي أيضاً على رسومات مسيئة، كما منع دخول كافة المنشورات المماثلة، وقال مصطفى الخلفي، وزير الاتصال الناطق باسم الحكومة المغربية: إن المنع جاء تطبيقاً لأحكام قانون الصحافة والنشر، وأضاف: نحن نعتبر أن إعادة نشر هذه الرسومات المسيئة استفزازاً، ويخالف ما صدر على المستوى الدولي من رفض لازدراء الأديان، ونثمن مواقف وسائل الإعلام الدولية التي رفضت هذه الرسوم. 

ونبه الخلفي لأخطار صعود مشاعر الكراهية للمسلمين، وارتفاع مؤشرات الإسلاموفوبيا، والتي ينبغي علينا جميعاً أن نعمل على مواجهتها، نحن في المغرب معنيون بهذا الأمر بشكل كبير، باعتبار وجود جالية مغربية كبيرة من الناحية العددية في أوروبا ككل وفي فرنسا بصورة خاصة.

أما الرد الشعبي من مختلف الفعاليات السياسية والمدنية لم يكن مخالفاً للرد الحكومي من إعادة نشر الصور الكاريكاتيرية، نورد منها ما جاء من مواقف لقيادات من كل من "حركة التوحيد والإصلاح"، و"جماعة العدل والإحسان"، أهم حركتين دعويتين في المغرب، حيث استنكر د. عمر مولاي عمر بن حماد نائب رئيس حركة التوحيد والإصلاح، تعمد صحيفة "شارلي إبدو" إعادة نشر رسوم كاريكاتيرية تزعم أنها للرسول محمد عليه الصلاة والسلام، مشيراً إلى أن الإساءة إلى أنبياء الله بدعوى الحرية أمر غير مقبول وغير مفهوم.

واستهجن بن حماد بقوة أي إساءة للرسول صلى الله عليه وسلم، عبر أي مقال أو أي رسومات أو غير ذلك، وأكد تطلع جميع المحبين للسلام إلى تجريم الإساءة لأنبياء الله والرسل من جميع الديانات السماوية.

أما الأستاذ محمد حمداوي، عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان ومدير مكتب علاقاتها الخارجية، فأكد إدانته لكافة أعمال العنف، مشدداً في الوقت نفسه على عدم القبول أبداً بالتطاول على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن كل إساءة لشخصه الكريم هي إساءة واستهداف واستهزاء بكل المسلمين في العالم، بل لكل المسلمين السابقين واللاحقين إلى يوم الدين.

وأشار إلى أن نشر الرسوم لا يبرر أي رد فعل عنيف، فالعنف لا يأتي إلا بما يستهويه اللاعبون الكبار وراء الستار من إشاعة الحقد والكراهية بين الأمم والشعوب، وإثارة الفتن، ليبقى العالم قيد التحكم وفق الوجهة المعلومة الخادمة لأيديولوجيات الغدر والإقصاء وإذلال الشعوب واستنزاف خيراتها.

وتجلى الرد الشعبي أيضاً في تنظيم مبادرات، منها على الخصوص دعوة إلى مسيرة مليونية ينتظر أن تنظم مطلع شهر فبراير، فيما تنوعت الأنشطة الأخرى بين محاضرات وندوات وحملات لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم، وصلت أيضاً إلى الملاعب، حيث قدم جمهور فريق "الرجاء البيضاوي" لوحة معبرة عن نصرة النبي الكريم في مقابلة له ضد نادي "الصفاقس التونسي"، ولقيت إعجاباً كبيراً.

وقامت مجموعة من الشباب كذلك بإطلاق حملة تعريفية بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم تحت عنوان "من هو محمد؟"، ووزعوا الورود وبطاقات تحمل أحاديث نبوية شريفة كهدايا على المارة في الشوارع في محاولة لتذكيرهم بالرسول الكريم وبالأخلاق العالية التي من الواجب التحلي بها، وقام الشباب ضمن فعالياتهم بالتواصل مع مجموعة من السياح الأجانب الذين أبدوا رغبة كبيرة في التعرف على الرسول صلى الله علية وسلم، وعلو سيرته العطرة، واعتبروا ذلك وسيلة للتعرف على الدين الإسلامي.

وجاء الرد الأكاديمي حسب ما رصدناه أكثر عمقاً، فقد قال الأستاذ حسن السرات، الإعلامي والباحث في قضايا التدين المعاصر لـ"المجتمع": إن أبلغ رد على السخرية والاستهزاء هو التجاهل والإعراض، وأكثر من ذلك تفويض الأمر لله تعالى؛ إذ هو الذي كفى عبده ورسوله وحثه على تجاهلهم فقال: (إنا كفيناك المستهزئين) (الحجر:95)، وقال (فسيكفيكم الله وهو السميع العليم) (البقرة:137)، وأضاف أن المستهزئ شخصية مريضة ومرضها مضاعف، وتساءل: لماذا حثنا الله تعالى على الإعراض وتكفل هو جل جلاله بأمر المستهزئ الذي ﻻ يعترف بالمنطق والبرهان وﻻ بالوجدان، ولأنه فاقد له من حيث الأصل.

وأكد السرات أن المستهزئ فقد الشعور بالمساواة والقدرة على قبول الآخر سواء كان مخالفاً أو من عشيرته، ولم يعد في جعبته إﻻ تحقير الآخرين وتصغيرهم، والمستهزئ يلبي رغبة دفينة لديه في محو مخالفه من الحياة، وعندما ﻻ يقدر على ذلك يمحوه من الكرامة والتقدير والاعتراف بتشويهه وإثارة الضحك منه وتقديمه في أقبح صورة.

وأضاف أن المستهزئ مشروع سفاح ينتظر الفرصة لإزهاق أرواح الآخرين وسفك دمهم، وما سخريته إﻻ تنفيس عن تلك الدموية الدفينة.

وقال الحقوقي والمحامي الأستاذ عبدالمالك زعزاع لـ"المجتمع": إن نشر الرسومات فيه إساءة إلى عقيدة المسلمين، مشيراً إلى أن الإساءة إلى كل الأديان يجرمها القانون الدولي والإنساني وفقاً للمواثيق الوطنية والدولية.

وأكد أن الدول الغربية العلمانية التي لا تؤمن بالدين يجب أن تحترم خصوصيات الشعوب؛ لأن إلغاء تلك الخصوصية هو إلغاء للهوية وتدمير للبشرية وتنميطها على نمط واحد، وأضاف زعزاع أن الإرهاب والعنف لا يعالج بالإرهاب، وإنما باحترام حقوق الإنسان، ومن بينها الحق في التدين وحرية الفكر والتعبير دون استفزاز لمشاعر الآخر؛ لأن الإرهاب المضاد لا يحد من العنف، وإنما يزيد من مشاعر الكراهية والتمييز، وأوضح زعزاع، الكاتب العام لمنتدى الكرامة بالمغرب، أن الرد على تلك الرسوم يجب أن يكون بالطرق الحضارية والسلمية، بالحوار الجاد والهادف. 

من جانبه، قال المهندس عمر المرابط (من أصل مغربي)، نائب عمدة مدينة أتيس مونس جنوبي باريس لـ"المجتمع": إن شغل هذه الصحيفة الشاغل هو استفزاز الآخرين والسخرية منهم؛ ولهذا في اعتقادي الشخصي أن تجاهل هؤلاء أفضل رد، وأضاف: نحن ندين هذا العمل الشنيع المسيء إلينا، ونطالب باحترام مقدساتنا، لكن لا نسبهم ولا ندخل في مهاتراتهم طبقاً للآية الشريفة: (ولا تسبوا الذين كفروا) (الأنعام:108)، وشدد المرابط أنه من الناحية الاجتماعية، وجب على المسلمين ومسؤوليهم القيام بالتأثير الديني اللازم الذي يجعل المسلم محصناً من التطرّف، ويجعله لا يتأثر بهذه الاستفزازات الدنيئة.

وأكد أنه يجب أن يعلم الجميع أن هذه الصحيفة قامت بفعل الشيء نفسه مع المسيحيين، ورسمت رسومات مسيئة لبابا الفاتيكان والمسيح عليه السلام، لكن خاب ظنها إذ لم تجنِ ردود أفعال التي تريد، وقال المرابط: إن حرية التعبير لها حدود، والغرب وفرنسا تحديداً تعرف ذاك من خلال قوانين سطروها تمنع حرية التعبير وتقننها في بعض المواضيع المعروفة، لكن يجب أن نفهم خلفية الغرب ودوافعه من خلال قراءة ماضيه وتاريخه وعلاقة مجتمعاته مع الدين، وهي علاقة ليست نفسها الموجودة في العالم الإسلامي، فالإلحاد منتشر والمقدسات الدينية لها قيمة تراثية وليست عقدية عند الكثير منهم خاصة في فرنسا العلمانية، ثم الكيل بمكيالين مسألة لا غبار عليها، لكن يجب علينا معرفة التصرف بتقوية نفوذنا للتأثير في القرار وليس بتضعيفه عبر تصرفات إرهابية وطائشة تزيد من محن المسلمين.. إذن، الرد يكون بشكل حضاري عبر التعريف بخير البرية عليه الصلاة والسلام، وباتباع منهجه وإطْلاع الغير على سيرته.

وأخيراً، أود الإشارة إلى أن الكثير من المسلمين يتكلمون وكأنهم طائفة خارج المجتمع، والأحرى أن يتكلموا كجزء منه لأنهم بهذا يكرّسون ما يطالب به العنصريون والمتطرفون من الجانب الآخر.

من جهته، أكد د. محمد خروبات، الأستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة القاضي عياض، أن الاقتداء بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم في أخلاقه ومعاملاته مع الناس هو خير رد على كل المستهزئين، وأضاف أن "الإرهاب" مصطلح دخيل على الإسلام، لا ثقافة ولا حضارة؛ إذ إن ديننا كان ومازال يدعو دائماً إلى الخير والسلام والمحبة، وبذلك فُتحت أقطار وأمصار في كل بقاع الدنيا، وأشار خروبات إلى أن سبيل اتباع النبي صلى الله عليه وسلم قدوة وأسوة هي تربية تمارس في البيوت والمدارس عن طريق التوجيه والإرشاد والسلوك، ويأتي بعد ذلك العلم والتعلم، مشيراً إلى أن ألفاظ التوقير والتبجيل عادة شائعة في ثقافتنا الإسلامية، إذ لا يخلو رمز من رموز الإسلام من نعت يصاحبه "الله أكبر، مكة المكرمة، المدينة المنورة".

وشدد خروبات على ضرورة انتقال الأمة من ردود الأفعال، إلى صناعة الفعل وعدم الالتفات لمحاولات الاستفزاز، واستنكر المتحدث كافة ردود الفعل العنيفة والأعمال الإرهابية، مؤكداً أن الإسلام دين الرحمة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بُعث رحمة للعالمين، وأن الإساءة أتت من مجلة، فأين مجلاتنا وجرائدنا وإعلامنا؟!

الرابط المختصر :