; إجماع يهودي وتشتت عربي إسلامي | مجلة المجتمع

العنوان إجماع يهودي وتشتت عربي إسلامي

الكاتب الشيخ رائد صلاح

تاريخ النشر الثلاثاء 02-نوفمبر-1999

مشاهدات 71

نشر في العدد 1374

نشر في الصفحة 35

الثلاثاء 02-نوفمبر-1999

القدس في خطر يتهدد تاريخها وحاضرها ومستقبلها، ويتهدد مقدساتها عامة والأقصى المبارك خاصة، ويتهدد حاراتها ومبانيها وأرضها، ويتهدد الإنسان ودينه ولقمة عيشه، وذلك لأسباب كثيرة اجتمعت على القدس الشريفة تستهدف تهويدها اسمًا ورسمًا، وتهويد الأرض والإنسان والمقدسات فيها، ولأهمية هذا الأمر وخطورته في أن واحد فسأجتهد أن أبين الخطر الذي يهدد القدس الشريف من خلال مجموعة ملاحظات:

1- القدس محل إجماع المجتمع اليهودي كله على الرغم من انقسامه إلى متدين وعلماني، أو إلى شرقي وغربي، أو إلى يمين ويسار، إلا أنهم يلتقون على قضية القدس، ويعتبرونها عاصمتهم إلى الأبد، ويجمعون على ضرورة تهويدها وإقصائها عن أي مفاوضات كانت لذلك قد يختلفون على قضايا أخرى إلا القدس، فهي محل إجماع ديني وقومي وسياسي لدى المجتمع اليهودي بأطيافه المختلفة، ولا أدل على ذلك من هذه الشواهد ماضيًا وحاضرًا

ذكرت صحيفة "ها ارتس"، بتاريخ 8 يونيو ١٩٦٧م أن موشي ديان وقف عند حائط البراق في حرم الأقصى المبارك بعد ١٩٦٧م وقال: لقد وحدنا من جديد القدس المبتورة عاصمة إسرائيل المشطورة رجعنا إلى قدس أقداسنا عدنا إليها، ولن نتركها إلى أبد الآبدين.

ذكرت صحيفة "معاريف"، بتاريخ ١٠/٢١/ ١٩٩٥م أن إسحاق رابين قال: أمام جمع من الطلاب الثانويين اليهود أنا وضعت لنفسي سلم أفضليات، أولًا وقبل كل شيء القدس والحفاظ على وحدتها، وتعزيز وتقوية هذه الوحدة، إن القدس فوق أي اعتبار.

ذكرت صحيفة "معاريف" بتاريخ ٥/١٦/ ١٩٩٦ م كان شيمون بيريز قد أكد أمام الكنيست أن حكومته تؤكد على وحدة القدس وأنها لن تقسم ولن تكون في يوم من الأيام عاصمة للسلطة الفلسطينية، وستظل تحت السيادة اليهودية.

مازال الجميع يذكر موقف نتنياهو من القدس من خلال هديته التي قدمها قبل ثلاث سنوات إلى المطران سلوم بمناسبة عيد الميلاد، حيث أرسل إليه مجسمًا للقدس، وقد اختفى منه المسجد الأقصى المبارك ووضع مكانه مبنى خيالي للهيكل.

- كلنا سمع عن لاءات إيهود باراك - رئيس الحكومة الإسرائيلية الحالية وأحدها "لا للتفاوض على مستقبل القدس الشريف"

 هذه بعض شواهد من عشرات الشواهد التي تؤكد أن قضية القدس الشريف محل إجماع لدى المجتمع اليهودي بكل أطيافه.

2- ولكن للأسف لا نرى هذا الإجماع على مستوى العالم الإسلامي والعربي ولا على المستوى الفلسطيني، ولأن قضية القدس الشريف ليست محل إجماع لدينا فقد كان من السهل تنحيتها عن محادثات كامب ديفيد، وكان من السهل على الطرف الإسرائيلي أن يصر على تنحية مضادات القدس عن محادثات مدريد مرورًا باتفاقات أوسلو وواي ريفر وشرم الشيخ الأخيرة، وإلى الآن لا يعرف الموقف الإسلامي والعربي والفلسطيني ماذا يريد من القدس الشريف هل يريد الولاية الدينية؟ أم الولاية السياسية والدينية بدون انفصال بينهما؟ وهل القدس قضية المسلمين والعرب والفلسطينيين لأنها تحمل البعد الديني والتاريخي والعمق القومي والحس الوطني؟ أم أنها قضية فلسطينية تشبه قضية الخليل ونابلس وطولكرم ليس إلا؟

للأسف إن وجهات النظر المستهجنة والمحزنة قد مزقت إمكان وجود إجماع صائب وصادق حول قضية القدس الشريف على المستوى الإسلامي والعربي والفلسطيني، ولا أبالغ إذا قلت إن هناك اختلافًا إسلاميًّا – إسلاميًّا، وعربيًّا -عربيًّا، لا بـل وفلسطينيًّا – فلسطينيًّا حول هذه القضية فمن الواضح أن بعض الدول الإسلامية غير العربية أو بعض الدول العربية الإسلامية لها رباطها الرسمي الواضح مع الحكومات الإسرائيلية المختلفة، على الرغم من إصرار الموقف الإسرائيلي على أنه لا مفاوضات على القدس، وهناك بعض الدول الإسلامية والعربية التي تتبنى موقفاً آخر، وكأن لسان حالها يقول القدس أولًا وحتى على الصعيد الفلسطيني هناك خلاف فلسطيني - فلسطيني على قضية القدس، فهناك من يبارك مسودة المشروع الذي اشتهر باسم مشروع يوسي بيلين - أبو مازن والذي يقضى بمجمله بإعطاء حي أبوديس للسلطة الفلسطينية على اعتبار انه حصة السلطة الفلسطينية من مدينة القدس الشريف، ثم السماح للسلطة الفلسطينية أن تقيم مؤسساتها الرسمية في هذا الحي الوحيد المتاخم لأراضي السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وهناك من الفلسطينيين من يستنكر مسودة هذا المشروع، لا بل يطالب بصريح العبارة بإقالة أبو مازن عن هذا الموضوع، كما طالب بذلك خليل الشقاقي، وهو رئيس مركز دراسات فلسطيني موجود في مدينة نابلس.

ولان وضعنا الإسلامي والعربي والفلسطيني وصل إلى هذا الحال المؤلم من التمزق حول قضية القدس، فقد تم تعليق قضية القدس على النوايا الأمريكية، علمًا بأن الكونجرس الأمريكي أقر نقل مبنى السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس وهذا معناه تأييد الموقف الإسرائيلي عمليًّا ألا مفاوضات على القدس، كما وتم تعليق قضية القدس على النوايا الإسرائيلية، علمًا بأن الحكومات الإسرائيلية تقوم بتنفيذ سياسة تهويد القدس كل يوم وليلة دون توقف!! وتنفق على ذلك مليارات الدولارات، وعلما بأن الجميع قد تعرف قيمة الاتفاقات الخطية لدى الحكومات الإسرائيلية، فمدريد تمخض وولد أوسلو وأوسلو تمخض وولد واي ریفر وواي ریفر تمخض وولد شرم الشيخ الأخير، وشرم الشيخ الأخير مازال يتمخض ولا ندري ماذا سيلد؟

وخلال هذه الظروف المتقلبة من حالات مخاض أو ميلاد اتفاقية تنسخ أختها السابقة لها، ظلت سياسة تهويد القدس الحكومية الإسرائيلية على قدم وساق خلال كل أربع وعشرين ساعة من كل يوم يمر علينا.

4- ولأن قضية القدس كانت ولا تزال محل إجماع لدى المجتمع اليهودي بكل أطيافه، فقد جعلوا منها عامل توحيد لهم ورفعوها شعارًا وعملًا، وجمعوا لها كل أموال وجهود وإمكانات اليهود في العالم على الصعيد الرسمي والشعبي من خلال تبنٍ واضح لهذه الجهود من كافة الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة. فحكومة المعراج (العمل) هي التي احتلت القدس الشريف عام ١٩٦٧ م، وحكومة الليكود هي التي سنت قانونًا أساسيًّا عام ۱۹۸٠م يقضي بأن القدس عاصمة موحدة أبدية بشطريها الشرقي والغربي، وحكومة المعراج هي التي بنت خلال سنوات ۱۹۹۰ . ۱۹۹۳م تسعة آلاف وحدة سكنية في القدس، وحكومة الليكود هي التي بدأت البناء على جبل أبو غنيم ثم توقفت، وحكومة المعراج برئاسة باراك هي التي تكمل البناء على جبل أبو غنيم هذه الأيام، وكلتا الحكومتين عملت على تنفيذ مشروع القدس الكبرى فاتسعت مساحة القدس حتى زادت على ۱۲۳ الف دونم، وزاد عدد السكان اليهود حتى وصل قرابة ٦٠٠ الف يهودي، مقابل ١٧٤ ألف فلسطيني، وكلتا الحكومتين عملت على تنفيذ مشروع خطة الأحزمة التي تقضى ببناء حزام استيطاني أول يحاصر بلدة القدس القديمة، ثم بناء حزام ثان يحاصر الأحياء العربية الواقعة خارج أسوار القدس القديمة، ثم بناء حزام ثالث يرسم حدود القدس الكبرى بسلسلة من المستوطنات وكلتا الحكومتين عملت على تنفيذ سياسة تهويد القدس من خلال التهويد الديني والتعليمي والعمراني والسكاني والاقتصادي والقضائي

5- ولابد أن أؤكد بشكل خاص أن المسجد الأقصى المبارك نتيجة لكل هذه السياسات الإسرائيلية الرسمية المتواصلة قد أصبح في مركز أحزمة استيطانية يهودية تحيط به إحاطة السوار للمعصم، وإذا كانت القدس في خطر فإن الأقصى في خطر كذلك، فهو محاصر بحزام استيطاني ضيق تحيطه مجموعة من الأحزمة الاستيطانية اليهودية. لذلك فالمسجد الأقصى شبه منقطع عن الامتداد السكاني المسلم من حيث المكان والمباني والكثافة السكانية، هو شبه محاصر بحزام استيطاني يهودي من حيث المكان والمباني وبداية كثافة سكانية، ويكفي بذلك مصدراً للقلق يجعلنا نصرخ الأقصى في خطر.

6- وأخيراً فإنني اتمنى أن يتحقق مطمعان مستعجلان يداعبان أحلامي وهما

أ- وحدة الموقف الإسلامي والعربي والفلسطيني من قضية القدس على المستوى الرسمي والشعبي من خلال إجماع صائب وصادق يترجمه الفهم والعمل والإعلام

ب - إقامة لجنة إسلامية وعربية وفلسطينية تضع نصب عينيها إعمار البيوت الفلسطينية في القدس وإنقاذها من خطر التهويد، وهذا يعني إعمار الأحياء والحياة والمؤسسات الفلسطينية في القدس، وإنقاذها من خطر التهويد، وكذلك أن تسعى، هذه اللجنة، إلى إعمار المقدسات عامة وإنقاذها من خطر التهويد أو التدمير، وإلا فإني أخشى ما أخشاه أن تتحدث بعد قليل عن قدس تاريخية لا عن قدس شريف يحمل البعد الإسلامي، والعمق العربي، والحس الفلسطيني.

الرابط المختصر :