; إجهاض الأجنة المريضة وراثيًا أو المشوهة خلقيًا | مجلة المجتمع

العنوان إجهاض الأجنة المريضة وراثيًا أو المشوهة خلقيًا

الكاتب نجم عبدالله عبدالواحد

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1989

مشاهدات 64

نشر في العدد 935

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 03-أكتوبر-1989

 

 

إجهاض الأجنة المريضة وراثيًا أو المشوهة خلقيًا

إن هذا المقال يطرح موضوعًا طبيًا في محتواه، شرعيًا في حقيقته، وإن قرار الإجهاض هنا ما هو إلا التصور الطبي لهذا الموضوع وهو مطروح أمام الفقهاء من المسلمين لاتخاذ القرار الشرعي فيه سواء إن كان هذا القرار سيشمل جميع هذه الأمراض المطروحة هنا أو بعضًا منها أو ما يشابهها.

ولأنني كطبيب مسلم أحببت نقل هذه الأمانة إليكم حبًا في تقديم الخير للمسلمين من ناحية، ولفت الانتباه إلى أن قرار الإجهاض في مثل هذه الحالات متخذ في بلاد غير المسلمين وخاصة في بلاد الغرب، وحيث إن كثيرًا من المتواجدين هناك أو المسافرين بغرض العلاج يلجأون إلى هذا النوع من الإجهاض وهم لا يعلمون حقيقة القرار الشرعي فيه.

بانتظار قرار الفقهاء:

وأود القول بأن الأمراض المطروحة هنا لا تشكل حصرًا لمثل هذه الحالات، ومن جانب آخر ليس بشرط أن يستلزم علينا إجراء الإجهاض للأجنة التي تحمل الأمراض المذكورة هنا، فهذا الأمر لا نزال ننتظر القرار فيه من أولي الأمر من الفقهاء والعلماء من المسلمين، وإنني أعمل بقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- عندما سئل: لمن النصيحة؟ قال: "هي لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"، فلذلك اخترت من الأمراض ما يجعل مادة هذا الموضوع شيقة وممتعة للنظر فيها، لأن تشخيص هذه الحالات جميعًا لا يمكن أن يتم إلا بعد الأسبوع السادس عشر وهو مرحلة نفخ الروح أو قبلها بقليل.

كيفية تشخيص الأمراض الوراثية للأجنة:

1.     الاستفسار عن صلة القرابة. (Consanguinity) في حالة زواج الأقارب وخاصة أبناء العمومة تزداد نسبة الأمراض الوراثية بدرجة 1/8. وفي حالة زواج الأقارب للأسرة تحدث نسبة الأمراض الوراثية بنسبة 1/16. لذلك نجد ظهور الأمراض الوراثية المتنحية (Recessive)، والنادرة في حالة زواج الأقارب نظرًا لتوفر الكروموسومات الناقلة للمرض من كل من الزوجين.

2.     التحري عن وجود الأمراض الوراثية بالأسرة (Pedigree analysis) هناك أنواع مختلفة من الأمراض الوراثية والتي تظهر في الأسرة بحسب صفة تواجدها، فنجد الأمراض الوراثية التي تظهر في حالة إصابة أحد الزوجين، وهذه تسمى الصفة الغالبة (Dominant) أو الأمراض التي تظهر في حالة إصابة كلا الزوجين، وهي تسمى الصفة المتنحية. وحتى نصل إلى هذه المعلومات الدقيقة يجب علينا تتبع شجرة العائلة بدقة وتحديد المصابين والناقلين للمرض، ومن ثم معرفة الصفة الغالبة واحتمالات الصفة المتنحية ووجودها.

3.     معرفة وجود الأمراض الوراثية بالأسرة (Counseling) تتم معرفة وجود هذه الأمراض عندما تؤخذ عينات من دم الأبوين والأبناء جميعًا وفحصها بواسطة تحاليل معينة تخص أي مرض من الأمراض التي سوف نتناولها في هذا المقال، وهنا يتم تحديد ما إذا كانت الصفة متنحية أو لا حيث إن نتيجة التحليل تعرفنا بأشخاص الناقلين وإن كانوا معافين ولا تظهر الأعراض، ولكن تحليل الدم يثبت وجود المرض عندهم. وتجدر الإشارة هنا إلى إمكانية معرفة الناقلين لمرض دوشين ضمور العضلات (Duchenne Muscular Dystrophy) وكذلك مرض الهيموفيليا وذلك بواسطة تحديد نسبة إنزيم (CPK) بالدم بالنسبة لمرض دوشين ضمور العضلات وتحديد نسبة وجود المادة الثامنة أو التاسعة (Factor VIII or IX) بالنسبة لمرض الهيموفيليا. وهذه التحاليل لا يمكن إجراؤها على الأجنة، ويتم تشخيص هذه الحالات بواسطة الافتراض العشوائي إن كان الجنين ذكر فيحتمل الإصابة أو عدمها بنسبة 50%. أما باقي الأمراض المطروحة هنا فنجد أن نفس التحليل الذي تُعرف بواسطته الصفة الوراثية الغالبة أو المتنحية يمكن إجراؤه على الأجنة، فبذلك يكون التشخيص 100% بالنسبة للأجنة المصابة.

4.     أهمية معرفة جنس الجنين (Fetal Sex) هناك أنواع مختلفة من الأمراض الوراثية لا تظهر إلا عند الذكور والسبب يعود إلى الكروموسوم الجنسي X (X Chromosome)، ومثال على هذه الأمراض مرض الهيموفيليا (Hemophilia) الذي يصيب الذكور فقط أما الإناث فلا يظهر عليهن المرض حتى وإن كن ناقلات له. لذلك فأهمية جنس الجنين الذكر هنا بتقدير احتمال الإصابة بمعدل 50%.

5.     معرفة عمر المرأة الحامل (Maternal Age) يتدخل عمر المرأة الحامل في حدوث خلل بالكروموسومات فغالبًا ما يحدث الحمل بعد عمر 35 سنة وخاصة بعد الأربعين خللًا في انقسام الكروموسومات بصورتها الصحيحة مما قد يؤدي إلى خلل هذه الكروموسومات كحدوث الثلاثي الكروموسومي (Trisomy)، وهذا يؤدي إلى ظهور التخلف العقلي للطفل المصاب ومثال هذه الحالة حالة داون سندروم حيث يكون الثلاثي الكروموسومي موجود في الكروموسوم 21. ويعتبر هذا النوع أغلب أنواع الخلل الكروموسومي عند الكبيرات في السن من النساء الحوامل.

6.     حدوث ما يستدعي توقع خلل الكروموسومات أو تشوهات الجنين: هنا تظهر أهمية أخذ المعلومات الصحيحة من الأم الحامل حول تعرضها المباشر أو غير المباشر خاصة في الشهور الأولى من الحمل للإشعاعات، أو الأدوية والعقاقير ذات الفاعلية الشديدة أو السامة كذلك في حال تعرضت الأم الحامل للإصابة بأمراض مثل الحصبة الألمانية (German Measles) أو الإيدز أو غيرها.

7.     تحليل السائل الرحمي الأمينوسي. (Amniotic Fluid) بعد الاعتماد على المعلومات أعلاه يتم تشخيص الأمراض الوراثية بواسطة أخذ عينة من السائل الرحمي، وهو السائل المحيط بالجنين داخل رحم الأم الحامل يتم سحب 5 إلى 10 سم من هذا السائل وغالبًا بعد الأسبوع السادس عشر من الحمل، ويتم سحب هذا السائل بواسطة الاستعانة بالموجات فوق الصوتية (السونار). يمكن إجراء خمسة أنواع من التحاليل الطبية أربعة منها بتحليل مباشر لهذا السائل والخامسة بتحليل دم الجنين، وهو عملية تحتاج الخبير في سحب هذا الدم دون اختلاط بالسائل الرحمي دون اختلاط بدم الأم. التحليل الأول للسائل الرحمي يكون بواسطة معرفة نوعية الكروموسومات (Karyotype) وبذلك يمكننا معرفة ما إذا كان هناك خلل بالكروموسومات مثل وجود الكروموسوم الثلاثي (Trisomy)، وهنا يكون التشخيص دقيقًا يصل إلى 100%. التحليل الثاني للسائل الرحمي يكون بواسطة معرفة جنس الجنين، فإذا كان هناك اثنان من الكروموسومات فهذا يعني أن الجنين أنثى أو إذا كان XY فهذا يعني كون جنس الجنين ذكر. التحليل الثالث للسائل الرحم يكون بواسطة معرفة خلل بالإنزيمات (Inborn Errors of Metabolism) تنتقل بواسطة الوراثة كصفة غالبة، أو كصفة متنحية ومثال على هذا فيمكن قياس إنزيم (Hexosaminidase) مباشرة من السائل الرحمي، وفي حالة نقصه يتسبب في ظهور مرض منتشر بين اليهود ويسمى مرض تاي ساكس (Tay-Sachs Disease) وله صفة وراثية متنحية. التحليل الرابع للسائل الرحمي يكون بواسطة قياس زيادة في نسبة وجود البروتين الجنيني (Alpha-Fetoprotein) ووجود مثل هذه المادة البروتينية يدل على وجود تشوهات خلقية شديدة الخطورة على حياة الجنين مثل انعدام الدماغ (Anencephaly) أو تشوهات العمود الفقري (Spina Bifida)، وكلا هذين الحالتين يسببان تلفًا شديدًا للجهاز العصبي والدماغ. إن الاستعانة بالموجات فوق الصوتية جعل تشخيص تشوهات الجنين أمرًا يسيرًا، وكذلك دقة التشخيص تزداد بعد الأسبوع السادس عشر علاوة على المقدرة على معرفة جنس الجنين، والذي لا تتم معرفته أيضًا إلا حوالي الأسبوع السادس عشر. التحليل الخامس للسائل الرحمي والذي هو في حقيقته لدم الجنين مباشرة يكون بواسطة معرفة نوعية الهيموجلوبين في دم الجنين، ويُجرى مثل هذا التحليل في مراكز متخصصة بالعالم لتشخيص مرض فقر الدم المنجلي (Sickle Cell Anemia) أو فقر الدم الثلاسيمي (Thalassemia Major) وكلا هذين المرضين ينتقلان بواسطة الصفة المتنحية في الكروموسومات غير الجنسية. نبذة مختصرة عن الحالات التي تستحق الإجهاض من الناحية الطبية والتي متروك أمر شرعية الإجهاض فيها للفقهاء.

أولًا: خلل الكروموسومات:

إن تلف أحد الكروموسومات الواحد والعشرين غير الجنسية (Autosome) بانشطار أحدها أو انتقاله إلى كروموسوم آخر ليكون التركيبة الثلاثية (Trisomy) ينتج عنه خلل أشد ما يصيب نمو خلايا المخ فيظهر التخلف العقلي، وقلة الذكاء كأهم المشاكل التي تسبب الضرر البدني للمصاب والضرر البدني والنفسي والمالي للأم وللأسرة وللمجتمع. وهذه الحالات التي يظهر بها خلل الكروموسومات (Trisomy) كثيرة وأهمها وأكثرها شيوعًا على الإطلاق ما يسمى بمتلازمة داون (Down Syndrome)، حيث نجد أن التركيبة الثلاثية (Trisomy) موجودة في الكروموسوم 21. أما الثاني فيسمى متلازمة إدوارد (Edward Syndrome) حيث نجد أن التركيبة الثلاثية (Trisomy) موجودة في الكروموسوم 18، والثالثة تسمى متلازمة باتو (Patau Syndrome) حيث نجد أن التركيبة الثلاثية (Trisomy) موجودة في الكروموسوم 13. وهنا يأتي عمر المرأة من أهم مشاهدات الطب حيث وجدوا أن النسبة الغالبة لحدوث هذا الخلل بالكروموسومات له علاقة بعمر المرأة، والذي يظهر بعد عمر 35 سنة ويزداد ظهوره بعد عمر الأربعين ويزداد بصورة غالبة عندما يكون أحد الوالدين يحمل هذا الخلل أو عند ولادة سابقة تحمل هذا الخلل. لذلك أصبح من المعتاد في بلاد الغرب إجراء فحص السائل الرحمي لكل امرأة حامل والتي عمرها فوق 35 سنة وبالأخص إذا كان عمرها 40 سنة، وهنا فعلًا يتم الإجهاض في الحالات عند تحقق وجود هذا الخلل بالكروموسومات وقوة التشخيص هنا تصل إلى 100% في المراكز المتقدمة علميًا في جميع الحالات.

1.     متلازمة داون (Down Syndrome): يسبب هذا المرض علامات مميزة على الوجه واليدين مما دعا الناس سابقًا إلى تسميته بالطفل المنغولي لتشابه هذه العلامات وأولئك الأطفال المنغوليين. لابد من أخذ رأي الفقهاء والعلماء في حالات إجهاض الأجنة. الغربيون يتركون خيار الإجهاض أو عدمه لقرار الأسرة. معرفة جنس الجنين تساعد على معرفة وتقدير الإصابة بنسبة 50%. يسبب هذا المرض التخلف العقلي والذي لا يُرجى شفاؤه، ولكن لحسن الحظ أن شخصية هذا الطفل تكون لطيفة وسمحة ويحب الموسيقى ويطرب لها. كذلك يسبب هذا المرض تلفًا في الأحشاء الداخلية، وبالذات تشوهات القلب الخلقية ونسبة الإصابة بسرطان الدم عالية (Acute Leukemia)، وغالبًا ما يموت هذا الطفل في السنة الأولى من الحياة، ولكن مع تقدم الطب الحديث ظهرت عدة تقارير في أنحاء العالم المتفرقة عن إمكانية استمرار بعض هؤلاء الأطفال لعمر أطول، وحتى أن بعض النساء منهن حملن وأنجبن وكان نصف أطفالهن يحملون هذا العرض.

2.     متلازمة إدوارد (Edward Syndrome): يسبب هذا المرض علامات مميزة على الوجه واليدين والقدمين والتي تختلف عنها عن الطفل المنغولي. كذلك يسبب هذا المرض التخلف العقلي وتلف العضلات - خاصة في الأصابع -، وكذلك التأخر الشديد في النمو (Failure to Thrive) كما تظهر التشوهات الخلقية في القلب مما يسبب تأخرًا أشد في النمو.

3.     متلازمة باتو (Patau's Syndrome): يسبب هذا المرض صغر حجم الدماغ (Microcephaly) بالإضافة إلى ظهور التخلف العقلي وتلف العضلات مع وجود علامات مميزة على الوجه والأطراف، وكذلك ظهور التشوهات الخلقية في القلب مما يسبب تأخرًا في النمو.

ثانيًا: دوشين ضمور العضلات (Duchenne Muscular Dystrophy):

هذا المرض يسبب تلفًا للعضلات ويسمى باسم العالم الذي اكتشفه واسمه دوشين. وهذا المرض يصيب الذكور فقط من الأبناء وينتقل بواسطة الإناث، فلذلك عند توفر المعلومات الأساسية لتشخيص الأمراض الوراثية للجنين، والتي تحدثنا عنها أعلاه نجد أن معرفة جنس الجنين في وجود معلومات من الأسرة عن وجود هذا المرض الوراثي فإن معرفة كون جنس الجنين ذكر ستعطينا أحد احتمالين إما مريض أو سليم، والآن في الغرب يُترك الخيار للأسرة بقرار الإجهاض من عدمه حيث لم يستطع الطب التوصل إلى تحليل معين لدم الجنين أو السائل الأمينوسي لمعرفة حالة إصابة هذا الجنين الذكر بالمرض أم بكونه سليمًا من هذا المرض، ولذلك نجد أن قرار الإجهاض لمرضى دوشين ضمور العضلات هنا عشوائي يحمل نسبة 50% صواب وخطأ. ينتقل هذا المرض بواسطة الكروموسومات الجنسية بصفة متنحية ويظهر في الذكور فقط. تظهر مشكلة هذا المرض بعد عمر الثلاث سنوات - بتلف في عضلات الحوض والفخذ والساقين. هذا التلف بالعضلات يبدأ على شكل ضعف بسيط يسبب الميلان عند المشي كمشي البطة (Waddling Gate)، ثم يزداد الأمر سوءًا حيث تضعف هذه العضلات أكثر وأكثر ويصبح من الصعوبة النهوض ومن ثم المشي. يسبب هذا المرض الموت في العقد الثاني من الحياة وذلك لتلف عضلات التنفس وتوقفها عن العمل، وهنا نشاهد الضرر البدني والنفسي والمالي على كل من المريض، والأم، والأسرة، والمجتمع.

ثالثًا: الهيموفيليا (Hemophilia):

هذا المرض يسبب النزف المتواصل وذلك لعدم وجود صفائح دموية تمنع التخثر والسر في نقص هذه الصفائح الدموية يرجع إلى نقص إنزيم الدم لتكوين هذه الصفائح، وهذا النقص ينتج من مرض ينتقل وراثيًا بواسطة الكروموسومات الجنسية بصفة متنحية ويظهر فقط بين الذكور وينتقل بواسطة الإناث، فلذلك عند توفر المعلومات الأساسية لتشخيص الأمراض الوراثية للجنين والتي تحدثنا عنها أعلاه نجد أن معرفة جنس الجنين الذكر يكون قرار الإجهاض لمرضى الهيموفيليا هنا عشوائي بنسبة 50% صواب وخطأ. كانت في السابق نسبة الوفيات والعجز الكامل لهذه الحالات عالية جدًا، ولكن مع تقدم الطب الحديث خاصة في توفر عمليات نقل الصفائح الدموية الناقصة في مثل هذه الحالات أصبح هؤلاء المرضى الرجال في حالة تعتبر جيدة بشرط توفر العناية الطبية الفائقة لهم دائمًا، أما إذا لم يتوفر هذا الشرط فنسبة الوفيات من جراء النزف الشديد عالية وكذلك نسبة العجز الكامل لتلف المفاصل خاصة مفصل الركبة لتكرار النزف فيه مما يؤدي إلى تلفه وعجز هذا الإنسان عن العمل لا تزال عالية، مع ملاحظة أن هذا الإنسان لا يعيش الحياة السوية لتكرار ذهابه إلى المستشفيات، لأتفه الأسباب يجعل الضرر البدني والنفسي والمالي عليه وعلى أسرته وعلى المجتمع كبيرًا.

رابعًا: فقر الدم المنجلي (Sickle Cell Anemia):

هذا المرض يسبب فقر الدم ونقص الهيموجلوبين، وذلك لتكسر كريات الدم الحمراء بسبب احتوائها على هيموجلوبين غير طبيعي يرمز له بالحرف S. ومن واجبات الكريات الحمراء نقل الأكسجين والغذاء إلى أنحاء الجسم المختلفة ونتيجة لتكسرها هذا تتضح مشاكل هذا المرض. هنا نجد نوعين لهذا المرض وهو الشديد والخفيف ويرجع الأمر في هذا إلى كون هذا المرض ينتقل وراثيًا بواسطة الكروموسومات غير الجنسية (Autosomal) بصفة متنحية فعندما يكون الأب والأم كل منهما مصاب، أو ناقل لهذا المرض وهذا مشاهد في زواج الأقارب فيظهر المرض الشديد عند الطفل سواء الولد أو البنت، أما عندما يكون أحد الأبوين ناقلًا للمرض فيظهر المرض الخفيف والذي يظهر من اسمه أن مشاكله عادة ما تكون خفيفة إلا في ظروف معينة تكون شديدة، ومن هذه الظروف حدوث الجفاف أو الالتهابات.

مشاكل:

المشاكل الناجمة عن هذا المرض تتلخص في:

1.     فقر الدم والذي عادة يظهر بوضوح منذ الشهر الرابع للحياة وهذا يسبب التأخر الشديد في النمو (Failure to thrive) وقد يسبب أيضًا التأخر في البلوغ، كذلك فقر الدم يسبب مشاكل أخرى مثل عجز القلب، سهولة الإصابة بالالتهابات، تكون الحصيات بالمرارة (Cholelithiasis) وتقرحات الساقين (Leg Ulcers).

2.     الألم المفاجئ: الذي ينتج عن سرعة تكسر كريات الدموية وتجمعها في مكان واحد وغالبًا ما تكون في العظام والطحال، ولكن قد يحدث في أي مكان آخر بالجسم، وهذا التكسر المفاجئ والسريع قد يؤدي بحياة المريض مع وجود الألم الشديد، أو فقط حدوث الألم المفاجئ والشديد نتيجة لهذا التكسر وحدوث ما يسمى بالجلطة (Infarction) في ذلك المكان الذي حدث به التكسر ونتيجة لحدوث الجلطة، فقد يؤدي بحياة هذا الإنسان أو تلف أي عضو من أعضاء جسمه كتلف المفاصل وخاصة مفصل الورك وحصول العجز الجسدي.

3.     إن كثرة الرقود في المستشفيات وكثرة التردد على الأطباء من جراء هذه المشاكل المختلفة هذا مما يجعل الضرر البدني والنفسي والمالي على كل الأطراف سواء للفرد المصاب، أو أسرته أو بالذات أمه أو المجتمع. يتم تشخيص هذا المرض عند الجنين بدقة تصل إلى 100% في المراكز المتخصصة، وذلك لمعرفة نوعية الهيموجلوبين لهذا الجنين.

خامسًا: الثلاسيميا الشديدة (Thalassemia Major):

هذا المرض يسبب فقر الدم ونقص الهيموجلوبين، وذلك لتكسر كريات الدم الحمراء لاحتوائها على هيموجلوبين غير طبيعي يرمز له بحرف F. هنا أيضًا نجد نوعين لهذا المرض الشديد والخفيف، والذي يهمنا ويعنينا هنا هو الشديد والذي يسبب المشاكل الكثيرة وهو كذلك ينتقل بواسطة الوراثة عن طريق الكروموسومات غير الجنسية بصفة متنحية، ويظهر المرض الشديد عندما يكون كلا الأبوين مصاب أو ناقل لهذا المرض ويظهر عند الأولاد والبنات على حد سواء. تكون مشاكله الخاصة بفقر الدم مشابهة لفقر الدم المنجلي، ولكن لا نجد مشكلة الألم المفاجئ والجلطة هنا مثل فقر الدم المنجلي. كذلك حياة هذا الطفل أو المصاب بهذا المرض تكون مهددة عندما لا يوجد مركز متخصص لعلاجه الدائم والمنتظم ما دام على قيد الحياة. وهنا تظهر مشكلة جديدة وهي زيادة تركيز نسبة الحديد بالدم (Hemosiderosis) من جراء كثرة حصوله على كميات الدم العديدة لحل مشكلة فقر الدم، وهذه المشكلة بلا شك تلعب دورًا في تلف أحشائه الداخلية مثل القلب والمخ مما يؤدي إلى تدهور حالته الصحية أكثر وأكثر، ولقد تنبه الطب لهذه المشكلة وهناك حلول لها في الوقت الحاضر، ولكن يستلزم اختصاصيين ماهرين ومراكز طبية متقدمة وهذا مما يزيد من التكاليف الباهظة في علاج مثل هذه الحالات والتي قد يعجز عنها الأبوان في البلاد التي لا يكون فيها الطب بالمجان. يتم تشخيص هذا المرض عند الجنين بدقة تصل إلى 100% في المراكز المتخصصة وذلك لمعرفة نوعية الهيموجلوبين لهذا الجنين.

سادسًا: مرض تاي ساكس (Tay-Sachs Disease):

هذا المرض منتشر غالبًا بين اليهود وخاصة في الطائفة الدينية منهم، وذلك لتزاوجهم بعضهم من بعض وينتقل بواسطة الوراثة عن طريق الكروموسومات غير الجنسية بصفة متنحية. يظهر هذا المرض نتيجة لنقص إنزيم متخصص بالجسم ونتيجة نقص هذا الإنزيم يزداد ترسب المادة الدهنية في المخ مؤديًا إلى تعطل عمل الخلايا العصبية من الناحية الوظيفية العصبية مسببًا الشلل الكامل والعمى في السنتين الأولين من الحياة، هذا بالإضافة إلى التخلف العقلي الشديد. يتم تشخيص هذا المرض عند الجنين بدقة بواسطة فحص السائل الأمينوسي، وتحديد نسبة هذا الإنزيم ويتم التشخيص بنسبة 100%.

سابعًا: التشوهات الخلقية:

إن عددها كثير ومسبباتها كثيرة أيضًا ومن أشهرها ما يسمى بانعدام وجود المخ (Anencephaly)، أو تلف العمود الفقري الشديد (Spina Bifida Major) أو الحصبة الألمانية (German Measles) في الشهور الثلاثة الأولى للجنين، وغير ذلك من الأمراض. أصبح تشخيص هذه التشوهات الخلقية يسيرًا، والتي في معظمها يتنافى مع استمرارية حياة الجنين أو حديث الولادة. وهذا التشخيص يتم بواسطة الموجات فوق الصوتية، وكذلك بواسطة سحب السائل الرحمي الأمينوسي وتحليله. وقد يتساءل سائل إذا كانت الحياة لا تتناسب مع هذه التشوهات فلماذا نطرح فكرة الإجهاض لمثل هذه الحالات؟ والجواب هو أن فكرة الإجهاض لمثل هذه الحالات ما هي إلا رحمة للأم من الاستمرار في عذابها بالحمل من ناحية، ولوضع حد لهذه المشكلة والتي تمت الولادة بها، وكان هذا الجنين لا يزال حيًا فقد يخلق صدمة نفسية عنيفة للأم من ناحية ويتحقق العذر النفسي علاوة على تحقق الضرر المادي والبدني لكل من الأم والأسرة وربما المجتمع.

الدكتور نجم عبدالله عبد الواحد

دكتوراه هرمونات التناسل (لندن) وحدة الغدد الصماء - مستشفى الصباح

 

الرابط المختصر :