; «خواطر».. في مشهد متجدد | مجلة المجتمع

العنوان «خواطر».. في مشهد متجدد

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 25-فبراير-2006

مشاهدات 65

نشر في العدد 1690

نشر في الصفحة 13

السبت 25-فبراير-2006

shaban 1212@hotmail.com

كنا منذ الصبا.. نسمع ونقرأ عن أهوال التعذيب ومقاصل الموت ووسائل الإذلال الجهنمية في زنازين الطغاة فتقشعر أبداننا وتسود الدنيا في وجوهنا.. ولما سمعنا وقرأنا لشهود تلك الأحداث عما جرى زاد يقيننا بما جرى وشببنا في أجواء يتناقض فيها واقعان: «واقع حقيقي مخضب بدماء الضحايا وملبد بسحائب الكبت وينخر في عظامه سرطان الفساد والإفساد في الأرض، وواقع، كاذب مساو في المقدار ومضاد في الاتجاه يكتسي ثوبًا زاهيًا من الوعود والآمال العريضة، ويصنع أجواء كلها بريق لامع من الحرية والكرامة والانتصار تلو الانتصار.. وسار الواقعان شوطهما، وقطعا مسيرتهما وهما يتدافعان ويتصارعان، ونحن ندور بينهما حيارى أشبه بمن سقط بين شقي رحى.. ننظر إلى البريق فيطول الأمل.. ونعيش الواقع فتقع الحسرة.

وهكذا عشنا سنوات من التمزق بين الواقع، الكاذب، والواقع، الواقع... لقد قضينا سنوات صبانا وشبابنا الأولى بين شقي رحى هذا الوضع.. و«عجنتنا» أحداثه المتناقضة وصنعت منا جيلًا نموذجيًا... تم تجريب كل ألوان الكذب والنفاق السياسي عليه وعايش أهوال ما جرى للإنسان على يد أنظمة ثورية باغية لا ترقب في مؤمن إلا ولا ذمة.. جيل تربى على الهتافات وذبح الحناجر للزعيم في طابور الصباح بالمدرسة الابتدائية.. وبعد انقضاء المدرسة يعيش في بيت لا يجرؤ على الكلام في السياسة.. أو القراءة فيها.. وإن جرؤ واحد على القراءة فبدون علم بقية أفراد الأسرة.. ومحرم فيها سماع نشرة أخبار إلا النشرة الرسمية.. وإن جرؤ واحد على الكلام في السياسة، فالكل يزجره.. لأن الحيطان لها ودان.

هو جيل هزيمة ١٩٦٧م «العربية الثورية»! جيل لم يتذوق طعم العدل ولا النصر ولا الرفاهية.. لقد اعتصرته الصعاب.. وعجنته المحن، وكان مقدرًا له.. وفق التخطيط الجهنمي - أن يذهب إلى أطباق الثرى.. ليواريه الصمت.. لكن قدر الله أقوى وأمضى فقد كان اللقاء التاريخي في أوائل السبعينيات من القرن الماضي بين هذا الجيل وبين الذين قالوا ربنا الله.. فغيبوا عشرات السنين خلف القضبان.

وحدث الانصهار في «بوتقة» صناعة الصحوة الإسلامية في حراسة الله وبحكمته.. وما هي إلا سنوات حتى انتشر خبرها، وذاع أثرها وصارت تغطي الأرض من «غانا» إلى «فرغانة» «وفق تعبير الدكتور محمد عمارة».. صحوة راشدة جرب أبناؤها كل ألوان خدع الأنظمة الثورية وشعاراتهم وكبتهم ودكتاتورياتهم، فلم تعد تنطلي عليها الأكاذيب ومن تخلف عنها ذهب إلى غير رجعة.. ولم يعد يخيفها الوعيد أو تضعفها الوعود. ولهذا تشق طريقها بقوة وتحتضنها الشعوب وتتمسك بها.

فلم تعد تجرى انتخابات حرة أو نصف حرة إلا وتعطيها الشعوب ثقتها.. انظر إلى مقاعد البرلمانات من إندونيسيا إلى الدار البيضاء.. إلى القاهرة وفلسطين.. ستجد أبناء الصحوة يعتلون كراسيها في شموخ وانظر إلى مؤسسات المجتمع المدني.. والفعاليات الشعبية.. ستجد أن قيادها بأيدي أبناء تلك الصحوة.

لقد تداعت تلك الخواطر إلى عقلي، وأنا أتابع كغيري جولات وتحركات قادة «حماس» في العديد من الدول، بعد أن تسلموا قيادة القضية الفلسطينية.. وهم من ثمار تلك الصحوة.. وأقول لنفسي لله صنعه وتدبيره وحكمه سبحانه وتعالى هو النافذ، فقد فعلت قوى الاستعمار الحديث وسماسرتها كل ما في وسعهم ليغيبوا حماس منذ نشأتها قبل ۱۹ عامًا «۱۹۸۷م».. لكن قدر نافذ.. وهكذا يفعلون - عبر سماسرتهم ليغيبوا أو يضربوا أو يجهضوا تلك الصحوة في بلاد المسلمين، لكن سماسرتهم فشلوا فشلًا ذريعًا، فصارت قوى الاستعمار تتولى اليوم المعركة بنفسها، ونزلت إلى الميدان ب عصيها وجزرها ... طالبة الحوار تارة.. ومهددة حينًا آخر.. وفارضة الحصار الاقتصادي والسياسي تارة.. ومساومة تارة أخرى.. وهكذا فعلها.. حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا...

الرابط المختصر :