; «إدمان» الجري وراء السراب! | مجلة المجتمع

العنوان «إدمان» الجري وراء السراب!

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 22-سبتمبر-2007

مشاهدات 64

نشر في العدد 1770

نشر في الصفحة 17

السبت 22-سبتمبر-2007

إن لم يكن ذلك هو التلاعب والاستخفاف بالعقول فبم نسميه إذًا؟!.. فهكذا يتعامل رئيس وزراء الكيان الصهيوني إيهود أولمرت مع السيد محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية.. وهكذا طريقة الحكومات الصهيونية المتعاقبة مع الحكومات العربية التي هرولت لـ «السلام خيار إستراتيجي».. صور ضاحكة، وحفاوة استقبال، ووداع أمام الكاميرات لإغاظة المشاهد والمتابع العربي.. ثم عند الاقتراب من نقطة «الجد» للحصول على شيء من الحقوق المسلوبة، يتراجع الموقف الصهيوني إلى نقطة الصفر، ويقلب الصهاينة ظهر المِجَن، وينكثون وعودهم، أو تصريحاتهم... ورغم أن فريق التفاوض والتطبيع في المعسكر العربي -وبخاصة رجال «السلطة»- لم يحصل إلا على «السراب» عبر مسيرة ثلاثين عامًا من التفاوض والهرولة، إلا أنه يبدو أن السيد محمود عباس وفريقه أصبحوا مدمنين على الجري وراء السراب الصهيوني.. كما يبدو أنهم لم يعد لديهم بديل غير ذلك.. فالسراب لديهم أصبح أفضل من لا شيء!!

فمنذ أحداث غزة، وتحول العلاقة بين حماس وفتح إلى حالة حرب.. تكثفت اللقاءات التلفزيونية بين عباس وأولمرت بصورة ملحوظة، وكانت رسالتها واضحة بأن الحلف بين عباس وأولمرت ضد حماس أكثر قوة وتناميًا، بمباركة غربية، ورضا من أطراف إقليمية، وأن «الحل» عند عباس وليس حماس.. وأن العالم لا يستمع إلا لعباس... وبالطبع ثم إمطار الساحة المخدوعة من قبل أولمرت بموجة من الوعود... رفع حواجز الإذلال والتعذيب للشعب الفلسطيني.. إطلاق أسرى.. الجدية في التوصل إلى حل نهائي للقضية، ووضع إطار واضح لذلك.

وعلى هذا، دعا الرئيس بوش لـ «مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط»، المفترض أن تناقش فيه آلية إقامة الدولة الفلسطينية، ووضع تصور متكامل وعملي للحل النهائي للقضية وفق تصريحاتهم التي صدعونا بها طوال الفترة الماضية.. لكننا فوجئنا هذه الأيام بخطابين.. خطاب محمود عباس وفريقه المفاوض، وهو خطاب يحاول خداعنا بأن إنجازًا ما قد تحقق من اللقاءات التلفزيونية المكثفة مع أولمرت، بينما جاء خطاب الجانب الصهيوني مبددًا لكل هذا الخداع، ومؤكدًا في مجمله أن الاجتماعات والاتصالات والتصريحات كانت كلها كلامًا في كلام...

ومن جانبي أتعهد بأن اللقاءات، والاتصالات، والمؤتمرات القادمة، لن تتعدى لغة «الكلام».. وأن عباس وغيره من تيار التطبيع، لن يتوبوا عن إدمان سماع «الكلام»، وتصريحات الهواء الطلق!

ماذا حدث؟!

تابعنا -جميعًا- تصريحات إيهود أولمرت يوم الاثنين الماضي التي أعلن فيها تراجعه عن إطلاق مائة أسير فلسطيني من فتح، كان قد وعد عباس بإطلاقهم بمناسبة شهر رمضان، لكن أولمرت سحب فجأة بند إطلاق سراح هؤلاء الأسرى من جدول أعمال الجلسة الأسبوعية لمجلس الوزراء.. ليس هذا فحسب، بل إن القوات الصهيونية اعتقلت أكثر من خمسين فلسطينيًّا خلال حملات المداهمات والاجتياحات المتواصلة في الضفة الغربية؛ ليزداد بذلك عدد المخطوفين والأسرى من الفلسطينيين بدلًا من أن يفرج عن بعضهم.

ثم جاءت الضربة الثانية من أولمرت التي نسفت مؤتمر الخريف القادم في واشنطن بإعلانه: أن إسرائيل والفلسطينيين يعكفون على صياغة «إعلان مشترك»، وليس «اتفاق مبادئ»، كما روج الجانب الفلسطيني، وهناك فارق بين «الإعلان المشترك» و«اتفاق المبادئ»، فالأول غير ملزم، وهكذا شدد أولمرت، والثاني يكون ملزمًا.. ورغم أن الجانب الصهيوني لم يحترم ولم يلتزم بقرارات دولية، ولا اتفاقيات سلام، حتى ننتظر منه احترام «اتفاق المبادئ» هذا.. إلا أن أولمرت أراده إعلان مبادئ غير ملزم... يعني سيذهب المؤتمرون إلى واشنطن ويعودون كما ذهبوا!! وستظل الرحى تدور هكذا.. طحنًا في الهواء!!

أليس الأولى لعباس -ورجاله من فتح- أن يتحاور مع حماس ويتوصل معها إلى اتفاق مبادئ وطني حتى يذهب إلى المؤتمرات واللقاءات التي يحب الذهاب إليها والصف الوطني الفلسطيني موحد وقوي... أم أن الحوار مع بني الوطن صار من المحرمات، والاقتراب منه جريمة كجريمة اقتناء أسلحة دمار شامل؟

الرابط المختصر :