; إذا ابتليت فاصبر | مجلة المجتمع

العنوان إذا ابتليت فاصبر

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 14-يونيو-2008

مشاهدات 79

نشر في العدد 1806

نشر في الصفحة 59

السبت 14-يونيو-2008

يقول الإمام علي كرم الله وجهه «الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد، ولا خير في جسد لا رأس معه، ولا في إيمان لا صبر معه».

ولله در الشاعر الإسلامي إبراهيم النبهاني عندما قال: 

تعز فإن الصبر بالحر أجمل

                       وليس على ريب الزمان معول

فلو كان يغني أن يرى المرء جازعًا

                           لحادثة أو كان يغني التذلل

لكان التعزي عند كل مصيبة

                           ونائبة بالحر أولى وأجمل

فكيف وكل ليس يعدو حمامه

                 وما لأمرئ عما قضى الله مزحل 

إن المتدبر لنصوص القرآن والسنة والناظر في وقائع الحياة وأحداثها وأحوال أناسيها، لا بد أن يدرك ويوقن أن الابتلاء من سنن الله تعالى في الكون وفي حياة البشر، قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقنَا ٱلإِنسَٰنَ مِن نُّطفَةٍ أَمشَاج نَّبتَلِيهِ فَجَعَلنَٰهُ سَمِيعَا بَصِيرًا﴾ (الإنسان: 2)، ولكن الناس يختلفون في فهمهم للابتلاء.. فما معنى الابتلاء؟

معنى الابتلاء: للابتلاء ثلاثة ألفاظ، هو واحد منها يضاف إليه لفظا، الفتنة والمحنة وفيما يلي محاولة لتبيان كل منها:

يقول ابن منظور في لسان العرب: «الابتلاء في اللغة مأخوذ من الفعل ابتلى، ومجرده بلي، فنقول بلاه بلوا وبلاء أي: اختبره». ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ٱبتَلَىٰ إِبرَٰهِـمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰت فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاما قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهدِي ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ (البقرة: 124).

ومعنى: «وإذا ابتلى إبراهيم ربه».. أي اختبره والمبتلى أي المختبر هو الله تعالى والمبتلى أي المختبر هو إبراهيم عليه السلام.

 ومن الابتلاء قوله تعالى: ﴿وَٱبتَلُواْ ٱليَتَٰمَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ ٱلنِّكَاحَ فَإِن ءَانَستُم مِّنهُم رُشدا فَٱدفَعُواْ إِلَيهِم أَموَٰلَهُم﴾ (النساء: 6).

فهذا نداء من الله تبارك وتعالى إلى الأوصياء على اليتامى أن يختبروا قدرة اليتامى عند البلوغ على إدارة أموالهم وإحسان التصرف فيها، فإذا وجدوهم أهلًا لذلك دفعوا إليهم أموالهم التي ورثوها.

معنى الفتنة:

الفتنة تأتي بمعنى الاختبار والامتحان، فيقال: فتنت الذهب أي وضعته على النار وأذبته، حتى يتميز جيده من رديئه.

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُترَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءَامَنَّا وَهُم لَا يُفتَنُونَ وَلَقَد فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبلِهِم فَلَيَعلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعلَمَنَّ ٱلكَٰذِبِينَ﴾ (العنكبوت: 2: 3).

ولذلك يقال للصائغ الفتان، لأنه يصهر الذهب بالنار، ويصنع منه الحلي بأشكال مختلفة، ويعرف جيده من رديئه. 

وللفتنة معان متقاربة أخرى، منها: الإزالة، ومن ذلك، فتن الرجل عن دينه، أي أزاله عنه وتركه، ومن ذلك قوله U: ﴿فَإِنَّكُم وَمَا تَعبُدُونَ مَا أَنتُم عَلَيهِ بِفَٰتِنِينَ﴾ (الصافات: 161: 162).

ومن معاني الفتنة القتل، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَيسَ عَلَيكُم جُنَاحٌ أَن تَقصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِن خِفتُم أَن يَفتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ ٱلكَٰفِرِينَ كَانُواْ لَكُم عَدُوّا مُّبِينا﴾ (النساء: 101)، والمعنى إن خفتم أن يقتلكم الذين كفروا.

معنى المحن:

المحن: جمع محنة، وكلمة محنة مأخوذة من الفعل محن. يقال: محن فلان فلانًا: أي خبره وجربه. ومحن فلان: أي: وقع في محنة، فهو ممحون ومحنت الفضة إذا صفيتها وخلصتها من النار. ومن ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿أُوْلَٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم لِلتَّقوَىٰ لَهُم مَّغفِرَة وَأَجرٌ عَظِيمٌ﴾ (الحجرات: ۳) 

ومحنته: أي اختبرته وابتليته. ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿يا ٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَاءَكُمُ ٱلمُؤمِنَٰتُ مُهَٰجِرَٰت فَٱمتَحِنُوهُنَّ﴾  (الممتحنة: ١٠).

الدنيا دار ابتلاء:

إذا نظر الواحد منا في حاله ووقائع حياته وجد أنه لا يكاد يعيش أيامًا دون ابتلاء، أيًا كان نوع البلاء ودرجته.. بل انظر إلى حال الأفراد والشعوب والمجتمعات والأمم وأنت تشاهد التلفاز أو تستمع إلى نشرة أخبار من الإذاعة، أو تقرأ صحيفة أو مجلة، أو تحادث صديقًا ويحادثك، أو عندما تأوي إلى فراشك ويجول عقلك في أعماق نفسك ومراحل حياتك وأحوال الآخرين.. انظر إلى حال الأمة الإسلامية، وما آلت إليه من ضعف وجوع ومرض وفقر وإيذاء لها من أعدائها، بل ومن أبنائها أحيانًا... كل ذلك ينطق بسنة الابتلاء.. فماذا تفعل أخي المبتلى؟

دواء الصبر والأمل:

اصبر أولًا على نفسك الأمارة بالسوء، إنها كالدابة التي ربما. إن لم تضبطها. جمحت بك، ثم اصبر على ما أصابك، فإن ذلك من عزم الأمور واعلم أن النصر مع الصبر.

ولقد اشتهر عنترة بن شداد في الجاهلية بأنه ما صارع رجلًا إلا غلبه، إما أن يقتله، وإما أن يفر، وظن بعض الناس أن عنترة لا يخشى شيئًا ولا أحدًا أبدًا، فسألوه: كيف تغلب أعداءك؟ فقال عنترة بالصبر. كلما أردت أن أفر أقول: اصبر قليلًا لعله يفر هو، فيفر، فأدركه فاقتله، أو يهرب فانتصر عليه.

وقد بين رسولنا الكريم أن البلاء على قدر الإيمان قال r: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل» (أخرجه الترمذي (2398)، وأحمد (1494)، والدارمي (2783) باختلاف يسير) وفي رواية، الأنبياء، ثم العلماء، ثم الصالحون، وقد وضح r: «يبتلى المرء على قدر دينه».. فإذا ابتليت واشتد بلاؤك وصبرت فأبشر، أبشر بالأجر العظيم.

نموذج يوسف عليه السلام:

لقد كان ابتلاء يوسف عليه السلام ابتلاءات وليس ابتلاء واحدًا، ابتلاء الإخوة، وابتلاء غيابات الجب، وابتلاء امرأة العزيز، وابتلاء تمكنه من إيقاع العقوبة على إخوته والانتقام منهم أو العفو والصفح، فعفا وقال: ﴿لَا تَثرِيبَ عَلَيكُمُ ٱليَومَ﴾ (يوسف ۹۲)، وذلك أنه كان يعيش على أمل البشريين، البشري الأولى تحقق الرؤيا، ﴿إِنِّي رَأَيتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوكَبا وَٱلشَّمسَ وَٱلقَمَرَ رَأَيتُهُم لِي سَٰجِدِينَ﴾ (يوسف: 4) ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرضِ﴾ (يوسف: 21) 

الرابط المختصر :