; إرادة التغيير | مجلة المجتمع

العنوان إرادة التغيير

الكاتب محمد السيد حبيب

تاريخ النشر السبت 29-مارس-2008

مشاهدات 69

نشر في العدد 1795

نشر في الصفحة 30

السبت 29-مارس-2008

  • التغيير مرتبط بالجماعة ومرهون بحركتها.. ولولا قوة الرأي العام وغضبة الجماهير ما تنازلت سلطة عن الحكم أبدا

هل يريد الشعب المصري التغيير حقا؟ وهل سئم من سيطرة الحزب الوطني على السلطة في البلاد؟ وهل هو على قناعة أن الحزب الوطني هو سبب ما فيه من شقاء وبلاء وانهيار وانكسار؟ وهل يريد الشعب المصري أن يسترد حقوقه وأن يشارك في صنع الحياة وتقرير المصير من خلال إرادته الحرة؟ وهل لدى الشعب المصري أمال وأحلام في النهضة والرقي والتقدم؟ وهل هو قادر على تحقيقها؟ وهل يرغب في أن يرى نفسه يوما ما ينعم بالأمن والأمان؟ وهل يريد أن يرى بلاده وقد احتلت المرتبة اللائقة بها بين الأمم؟

أسئلة كثيرة تتردد في نفس كل وطني غيور حريص على أهله وبلده... ويتمنى أن يجد لها إجابات شافية وردودًا مقنعة.. والحقيقة أن هذه الأسئلة كثيرًا ما نسمعها في المؤتمرات والندوات واللقاءات على مختلف أشكالها وألوانها، عامة وخاصة، وهي إن دلت على شيء فإنما تدل على أن ثمة مشكلة موجودة حقًا، لكن أحدًا لا يستطيع أن يشخصها وأن يضع يده على بداية الحل وقدمه على أول الطريق إذ لا يختلف أحد أن الشعب حقًا بريد التغيير، لكنه لا يدري كيف.. هو يريد أن تتفضل السلطة وتتكرم عليه بأن تغير من جلدها وسياساتها ووسائلها وأدواتها.. وهذا لا يمكن أن يكون.. هو يعلم أو يتمنى أن يصحو من نومه يومًا فيجد السلطة قد تغيرت والحال قد تبدل وقد ذهب زيد وجاء عمرو.. نعم ربما يحدث هذا، فليس هناك من دائم إلا الله سبحانه وتعالى.. لكن المشكلة ليست في زيد. كما أن الحل ليس في يد عمرو، طالما بقي السياق هو نفسه. والمناخ لم يحدث له أو فيه أي تغيير!!

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ  (الرعد: ۱۱).. هذه هي القاعدة التي تعمل باطراد وتؤدي إلى النتائج المرجوة في أي وقت وفي أي مكان، ومع أي بشر، إنها إرادة التغيير.. وإذا فقدت هذه الإرادة فلا أمل.. يغذي هذه الإرادة صدق العزم وعلو الهمة، وبدون هذه أو تلك تصبح الإرادة فاترة أو باهتة.. لذا كان واجب الزعماء والقادة شحذ الهمة، وإيقاد العزم. وإزالة كل أثر لليأس أو الإحباط أو القنوط وإيقاظ الأمل وإحياء الرجاء حتى تقوى الإرادة ويبدأ فعلها في النفوس.. واجب الزعماء والقادة أن يعملوا على استعادة الشعب الثقة في نفسه وأن لديه طاقات وإمكانات فذة وملكات خلاقة مبدعة، وأن هذه الطاقات قادرة على فعل المعجزات وتحقيق الآمال والأحلام وصنع مستقبل مشرق يقوم على الحق والعدل والحرية... انظر إلى هذا التعبير القرآني البليغ يقوم... وكأنه يوحي إلينا بأهمية الجماعة، والتجمع والتماسك والوحدة.. ولذلك قيل: إذا كان الفرد قليلًا بنفسه فهو كثير بإخوانه.. وإن يد الله مع الجماعة.. وإن التغيير مرتبط بالجماعة مرهون بحركتها... إذ لا توجد سلطة، أيًّا كان التزامها بالديمقراطية، يمكن أن تتنازل عن امتيازاتها أو بعض امتيازاتها عن طواعية واختيار للشعب الذي تحكمه...

ولولا قوة الرأي العام وغضبة الجماهير ما تنازلت سلطة – إلا فيما ندر – عن الحكم أبدًا، و لظلت فيه حتى تفارق الحياة.. هذا هو الثابت الذي تدركه من دروس التاريخ... ولذلك قيل: إن الحرية لا توهب والديمقراطية لا تمنح، وإنما تنتزع.. ومن هنا فإن الواجب على الشعب أن يعلم عن يقين أنه قادر على إلزام هذه السلطة أو تلك يترك موقعها، أو عدم تجاوز صلاحياتها إن أرادت هذه السلطة أن تأخذ شيئًا ليس لها أو تسلب الشعب حقًا من حقوقه. 

سياسة معلومة

وغالبًا ما تنزع السلطة الدكتاتورية إلى اعتماد القمع في التعامل مع الشعب حتى لا يستطيع يومًا ما أن يلملم شتات نفسه، أو يجمع صفوفه أو يحشد قواه في مواجهة هذه السلطة.. ويكفي أن تقوم السلطة باعتقال القيادات أو الرؤوس والتمثيل بهم حتى تشيع جوًّا من الرعب بين أبناء الشعب فيصيبه الجفول والإحجام والتردد والخوف وهي سياسة معلومة ومجربة على مدار التاريخ.. إنه لا شيء يقتل الهمة، ويضعف العزم، ويشل الإرادة مثل الخوف والشعور بالدونية والتشتت والتشرذم وتغليب المصلحة الفردية والخاصة على المصلحة الجماعية والعامة.. كما أن الأنانية وحب الذات والحرص على الدنيا وغلبة الشح على المستوى العام يباعد حتمًا بين الشعوب وإرادة التغيير.

التواصل مع الشعب

أما مسألة أن يكون الشعب قد سئم من سيطرة حزب السلطة الحاكم على مقاليد الأمور في البلاد طيلة هذه العقود فهو صحيح، ولكن المشكلة تكمن في اعتياد السأم وكأنه لازمة من لوازم الحياة.. وقد يكون مبعث ذلك اليأس من التغيير الذي يؤدي إلى الركون والاستسلام والرضوخ إلى الأمر الواقع الأسيف.. والمهمة التي يجب أن يتصدى لها القادة والزعماء الحقيقيون، وإن كانت صعبة وشائكة، لكنها ضرورية وحتمية هي الأخذ بيد الشعب وعدم تركه ليأسه أو استسلامه وانتشاله من الوحدة التي وقع فيها، وبعث الروح فيه حتى يتحول اعتياده ورضاه بالسأم والاستكانة إليه إلى رفض وغضب وطاقة حركة سلمية ضد من سلبه حقه.. ولا يتم هذا إلا بالاقتراب من الشعب والتواصل معه، ومخالطته وتقديم القدوة إليه والصبر عليه، والاستمرار في توضيح الرؤية أمامه.. ولا شك أن ذلك يتطلب وقتًا طويلًا، وجهدًا عظيمًا، وعملًا دؤوبًا، وفق منهج واضح، وخطة محكمة ومدروسة، من حيث بيان الحكمة من وجود الإنسان والغاية التي خلق من أجلها، والهدف الذي يجب أن يعمل له، وضرورة ارتباطه بالمثل العليا، وما هو مطلوب منه خاصة إزاء التحديات التي يواجهها.. الخ. 

العمل الجماعي

والنفس بطبيعتها تميل إلى الدعة والراحة. كما أنها تحب أن تأخذ لا أن تعطي أو تأخذ أكثر مما تعطي.. ومن هنا كانت النفس محل التغيير، وهي هدفنا الأول الذي يجب أن تتوجه إليه مباشرة فإذا استطعنا أن تدفع بها إلى الحركة نحو هدف واضح ومحدد، وإن كان صغيرًا، فإننا نكون بذلك قد وضعنا أقدامنا على الطريق الصحيح.. لذا كانت الحركة إلى المسجد لأداء الصلوات الخمس والحضور مجالس الذكر والعلم، وكان السعي وراء الرزق وزيارة ذوي الأرحام والأحباب والأصدقاء وحضور الندوات والمؤتمرات.. ومشاركة الآخرين أفراحهم وأحزانهم، والمشاركة في العمل العام، أقول: كل ذلك كان لازمًا وضروريًّا.. وهو من جانب آخر تدريب للنفس على الإيجابية والعطاء على بذل الجهد والوقت والمال، فضلًا عن التواصل مع الآخرين، إنه ليس هناك أسوأ ممن يعيش لنفسه فقط.. ولذلك قبل ما استحق أن يولد من عاش لنفسه.. قد يتصور ولو للحظة أنه ليس في حاجة إلى الآخرين، وأنه مكتفٍ أو مستغنٍ بما لديه عن الناس أجمعين وهذا - لَعمري - هو قصر النظر بعينه والخسارة الكبرى التي لا يمكن تعويضها.. فالإنسان - أي إنسان - لا يمكن أن ينفك عن الآخرين وهو لابد محتاج إليهم ولو بعد حين، كما أن هناك من الأعمال ما لا يستطيع الإنسان أن يقوم بها بمفرده.. مثل السعي إلى الإصلاح والتغيير إذ لابد أن يضاف جهده إلى جهود الآخرين، ولابد أن يكون هناك تعاون وتنسيق وأن يعمل الكل بروح الفريق من منطلق، وتعاونوا على البر والتقوى. 

إنقاذ سفينة الوطن

أما قضية القناعة بأن حزب السلطة هو سبب ما به من بلاء وشقاء فذلك صحيح، لكنه يحتاج دومًا إلى التذكير: حيث يعمد رجال الحزب المذكور إلى خداع الجماهير، ومحاولة تضليلهم والضحك عليهم والتغرير بهم من خلال الشعارات البراقة والكلام المعسول عبر الأداة الإعلامية الجبارة التي تجعل القبيح حسنًا والحسن قبيحًا.. لابد وأن تتذكر الجماهير بشكل مستمر ودائم أن حزب السلطة يعمل في ظل قانون طوارئ يستبيح الدستور والقانون والحريات العامة والشخصية.. وأنه أوصل البلاد إلى حالة من الجمود والركود والانسداد السياسي نتج عنه حالة التخلف العلمي والتقني والحضاري التي نعيشها.. فضلًا عن الفساد المستشري والإخفاق والفشل في التعاطي مع المشكلات المعيشية التي يعاني منها المواطن المصري كالبطالة والغلاء والتضخم، ومشكلات الصحة والتلوث البيئي والتعليم والإسكان والنقل والمواصلات علاوة على تهميش دور مصر المحوري على المستوى الإقليمي والدولي، وأن حزب السلطة وضع كل مقاليد الأمور في يد الأجهزة الأمنية، وعزز وكرس الدولة البوليسية وانتهك حقوق الإنسان، وأهدر مبدأ تداول السلطة، واستأثر بالحكم، ووضع الوطن كله في دائرة الاشتباه، وزور إرادة الجماهير، وساعد على هروب المليارات من أموال المواطنين إلى الخارج، وعقد الصفقات المشبوهة، وعمل على تصعيد رجال المال والأعمال على حساب الطبقة الفقيرة والمسحوقة التي تمثل السواد الأعظم من الشعب، كل ذلك كفيل بأن يدفع الشعب المصري إلى تحمل المسؤولية والسعي إلى إنقاذ سفينة الوطن، ولو كلفه ذلك جزءًا من راحته ووقته.. وحريته.

الرابط المختصر :