; إرتيريا.. | مجلة المجتمع

العنوان إرتيريا..

الكاتب هشام أبو محمود

تاريخ النشر الثلاثاء 08-أغسطس-1989

مشاهدات 67

نشر في العدد 927

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 08-أغسطس-1989

في العام ١٩٥٠ تم الاتفاق على أن يكون شكل الحكم ما بين إثيوبيا وإرتيريا بعد نيل الاستقلال هو الفيدرالية، وذلك بناء على القرار رقم ٣٩٠ والصادر عن منظمة الأمم المتحدة، إلا أن إمبراطور إثيوبيا هيلاسي لاسي نكص عن الالتزام بهذا الوعد فقام بضم إرتيريا إلى إثيوبيا في العام ١٩٦٢ والذي بدأت عنده الثورة التحريرية الإرتيرية.

تجميد الصراعات ومحاولة إيقاف الحروب وعدم التدخل في شؤون الآخرين من أهم شعارات المرحلة الآنية، والتي تسمى بمرحلة الوفاق، والتي تخطط لها زعامة العالم بقيادة أمريكا والاتحاد السوفيتي، هذه السياسة أخذت ترخي بظلالها على العديد من الأحداث الملتهبة في العالم بدءًا من الانسحاب الروسي من أفغانستان ومرورًا بتوقف الحرب الإيرانية العراقية، والمحاولات العديدة هنا وهناك لإنهاء الصراعات المحلية والإقليمية والدولية. وبطبيعة الحال فإن سياسة الوفاق وخاصة بيرويسترويكا غور باتشوف فتحت الباب للأنظمة اليسارية والشيوعية الموالية للاتحاد السوفيتي بالتفكير في الحلول الحادثة والسلمية، ويعتبر هذا شأن السياسة الإثيوبية الآنية تجاه القضية الإرتيرية.

الأطروحة الإثيوبية لحل القضية:

بدأ نظام «الدرق» الإثيوبي في محاولات التفلّت من القضية الإرتيرية بطرح العديد من المبادرات من وجهة النظر الإثيوبية البحتة، والتي تتلخص في مشاريع إعادة اللاجئين الإرتيريين من السودان وإلى إثيوبيا وإقامة مستوطنات ومعسكرات على قرى الحدود، مثل تسني الإرتيرية القريبة من مدينة كسلا السودانية، وقد اعتبرت الثورة الإرتيرية أن هذه محاولات لمشروع وهمي يسعى لإجهاض الثورة الإرتيرية.

ثم بعد ذلك بدأت إثيوبيا في إجراء العديد من الاتصالات السرية والعلنية مع ممثلي منظمات الثورة الإرتيرية؛ وذلك بقصد التوصل إلى حلول سلمية للقضية، ويعتبر هذا التفكير من قبل نظام الدرق الإثيوبي خطوة في الاتجاه السليم وإزاحة تلقائية للوصف الذي دأب نظام الدرق على إطلاقه في وجه الثوار بأنهم «حفنة من قطاع الطريق سيتم ردعهم وتأديبهم»، خاصة بعد الاجتياح العريض من قبل الثوار للقوات الإثيوبية في معركة مارس ۱۹۸۸ والتي استطاعت أن تطعن الجيش الإثيوبي في مقتل الغطرسة والكبرياء وهزيمته شر هزيمة مع خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، إلا أن هناك جملة من الاعتبارات أدت إلى طرق النظام الإثيوبي لباب السلام ومحاولات الحوار مع الثوار الإرتيريين.

إثيوبيا.. جملة من الاهتراءات الداخلية:

إن الاتجاهات الحديثة في السياسة الإثيوبية لم تكن وليدة الصدفة، وإنما هناك العديد من العوامل الداخلية والتي أثرت مباشرة على النظام في ضرورة التفكير الجاد في البحث عن مخرج للقضية الإرتيرية الإثيوبية، فالوضع الاقتصادي في داخل إثيوبيا يعاني من مشاكل ضخمة أقعدت آلية الإنتاج وهزمت المعنويات وأشاعت روح الفساد والإحباط في المواطنين، مما أدى إلى تدهور كامل في الخدمات وخراب في البنيات الأساسية لإثيوبيا

كذلك فإن المؤسسة العسكرية والتي تعتبر ثاني أكبر المؤسسات العسكرية في إفريقيا بعد مصر عانت الكثير من الإحباطات والانكسارات النفسية القاسية، فالجيش الإثيوبي يجابه عدة جهات تناصبه العداء، فهناك جبهة الصومال وثوار الأوغادين، ولذلك لم يكن مستغربًا أن يذعن النظام الإثيوبي للشروط الصومالية ويعقد اتفاقية لتهدئة الأوضاع على الحدود الإثيوبية الصومالية حتى إشعار آخر. وكان إن انتقلت القوات المرابطة على الحدود الصومالية إلى الجبهة الإرتيرية ولكن لم يكن حظ هذه القوات بأفضل، إذ إنها تجرعت هزيمة مارس على جبهة نقفة والتي كانت من القساوة على النظام الإثيوبي ليعيد تفكيره أكثر من مرة في هذه القضية وضرورة حلها. وأيضًا أسهمت هذه الحادثة في إيقاظ الضمير السلمي لدى العديد من القادة الإثيوبيين في المؤسسة العسكرية، وكانت المحاولة الأخيرة للانقلاب على نظام هيلا مريام في مايو الماضي أبرز تلك المحاولات، والتي راح ضحيتها معظم قادة الجيش الإثيوبي.

إرتيريا.. وروسيا وأمريكا:

كان الاتحاد السوفيتي من دعامات الثورة الإرتيرية، إذ إنها كانت تمدها بالسلاح والدعم المعنوي حتى قيام نظام الدرق بقيادة منغستو، وفي الحال تحولت روسيا إلى دعم النظام الجديد وقد أغدقت عليه الدعم العسكري والمادي والمعنوي وزودته بالعديد من الخبراء «ألفا خبير سوفيتي»؛ وذلك لمواجهة المد الثوري، ولكن بعد التوجهات الجديدة في السياسة الخارجية السوفيتية بقيادة غور باتشوف بدأت النصائح تنهال على النظام الإثيوبي لمحاولة إيجاد حل للقضية الإرتيرية، وقد ترجمت روسيا هذه النصائح بسحب الخبراء الروس من إرتيريا ليواجه الحقيقة المرة ولينصاع لإطار الوفاق الدولي.

أما عن أمريكا فهي لم تحاول أن تدعم الثوار الإرتيريين إلا في شكل معونات غوث اللاجئين، ولكن عندما بدأت تباشير الحلول تتضح فإذا بها سريعًا تبعث عرَّاب الاتفاقيات والمعاهدات الرئيس الأسبق كارتر؛ وذلك حتى لا يأكل الاتحاد السوفيتي ثمار حل القضية لوحده، وكذلك حتى لا يضطر النظام للقبول بشروط الثوار وهي حق تقرير المصير، فأمريكا لا تريد لإرتيريا أن تنفصل عن إثيوبيا وذلك يمثل بُعدًا استراتيجيًّا لأمريكا، خاصة وإن إرتيريا محسوبة من ضمن الدول ذات الأغلبية المسلمة «أكثر من ٦٠%» والتي بها دماء عربية، وهذا بطبيعة الحال يؤثر على وضعية البحر الأحمر والذي له دور استراتيجي في ربط الشرق بالغرب، ومن هنا تبرز تلك المساعي الإسرائيلية لمد يد المساعدة لإثيوبيا في إخماد الثورة الإرتيرية في مقابل عدم جعل البحر الأحمر بحيرة عربية بحتة، وأيضًا في مقابل تهجير اليهود الفلاشا لإسرائيل لمدها بعناصر بشرية تستغل كأيدي عاملة رخيصة في مهن رخيصة داخل أراضي فلسطين المحتلة. والدور الأوروبي أيضًا ماثلا في القضية الإرتيرية، إذ إن العديد من المفاوضات السرية والعلنية تجري بمساعٍ من المجلس الأوروبي وبدعم من الحزب الاشتراكي الإيطالي بغية تقريب وجهات النظر بين النظام الإثيوبي والثوار الإرتيريين.

الدول العربية ورؤية الحل للقضية الإرتيرية:

لعبت الدول العربية وخاصة الدول النفطية دورًا هامًّا في تغذية شريان الثورة الإرتيرية بالدعم المالي والمعنوي والعسكري، إلا أنها ما زالت بعيدة عن التحرك بشكل استراتيجي لمقابلة الحلول- الغربية التي تنزع نحو عدم إتاحة الفرصة للهوية الإسلامية والعربية للتبلور من خلال حل القضية الإرتيرية، وفي هذا السياق ينبغي على الدول العربية ذات الوزن أن تلعب دورًا أكثر فاعلية خاصة وإن الظروف مواتية للعب مثل هذا الدور، سيما وإن المنظمة الإفريقية الآن تحت رئاسة الرئيس محمد حسني مبارك، مما يتيح للدول العربية استخدام آلية تأثير مباشرة وذات صبغة قانونية من خلال الوجود العربي في المنظمة وتحت رئاسة مصر للمنظمة

القضية الإرتيرية.. والسودان:

يعتبر السودان هو المدخل لحل القضية الإريترية؛ وذلك لأنه يمثل العمق الاستراتيجي للثورة الإريترية والمأوى الطبيعي للشعب الإرتيري مقابل القهر والاستبداد الإثيوبي، وقد برز هذا الدور واضحًا في إصرار جبهة التحرير الإرتيرية على مشاركة الوفد السوداني في المباحثات التي جرت في مايو الماضي بين ممثلي الجبهة وممثلي النظام الإثيوبي علنًا في الخرطوم، وكذلك المباحثات العلنية في نهاية يوليو الماضي وبقيادة العراب الأمريكي جيمي کارتر، هذا من زاوية. أما من الزاوية الأخرى فإن إثيوبيا تعتبر السودان مدخلًا أساسيًّا لحل القضية الإرتيرية، لذلك فقد قامت باحتضان قادة وحركة التمرد بقيادة جون قرنق وإفساح المجال لها؛ وذلك ليراهن نظام الدرق الإثيوبي على القضية الإرتيرية بورقة المتمرد جون قرنق، إلا أن هناك فروقًا أساسية بين القضية الإرتيرية وبين المتمرد جون قرنق يمكن إجمالها في الآتي

أولًا- إن الثورة الإرتيرية هي قضية شعب بأكمله قامت إثيوبيا بالاستيلاء على أرضه وضمها إلى الأراضي الإثيوبية، بينما المتمرد جون قرنق يعتبر حركة تسعى لتحقيق مكاسب آنية وتنفيذ مخططات إمبريالية في السودان.

 ثانيًا- إن الثورة الإرتيرية لن تقبل بالمساومة بين الحل السلمي وبين الدخول تحت عباءة نظام الدرق في إطار الدستور الإثيوبي الجديد، بل تسعى جادة لحق تقرير المصير وإنفاذ القرار رقم ٣٩٠ لسنة ١٩٥٠ الصادر عن هيئة الأمم المتحدة

إن الثورة الإريترية تبقى حقيقة متألقة في تاريخ الشعوب الحية ومشعلًا لمبدأ انتزاع الحقوق وإرساء دعائم الحرية وطموحات النضال، وعلى الدول العربية والإسلامية أن تلتفت إلى هذه الحقيقة بشيء من التفكير الاستراتيجي، إذ إن أعداء العروبة والإسلام ناشطون هذه الأيام للحيلولة دون إيجاد الحل الذي يقرب الشعب الإرتيري من العالمين الإسلامي والعربي، فهل يستفيد العرب من دروس الماضي والحاضر أملًا في مستقبل أفضل؟ نأمل ذلك.

 

الرابط المختصر :