العنوان «زلزال» فوز الإخوان.. الغرب يدرس توابعه!
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر السبت 10-ديسمبر-2005
مشاهدات 65
نشر في العدد 1680
نشر في الصفحة 16
السبت 10-ديسمبر-2005
خبراء: هذا الفوز المفاجئ للإخوان يضع الغرب في مأزق ديمقراطي
وفد البرلمان الأوروبي وصف الانتخابات بأنها محاولة للتلاعب بالإصلاح
أجمع خبراء وسياسيون مصريون على أن الفوز الكبير الذي حققته جماعة الإخوان المسلمين في مصر «بنسبة تقارب حوالي ٦٥% من مرشحيها» قد صنع نوعًا من «المأزق الديمقراطي» للغرب عامة والولايات المتحدة على وجه الخصوص، وبشكل قد يفرض على الرئيس الأمريكي بوش والدول الأوروبية التفكير في تعاطٍ جديد مع التيارات الإسلامية «المعتدلة» في المنطقة العربية، خاصة إذا كان صعودها لا يضر بالمصالح الأمريكية في المنطقة. وجاء رأي الخبراء والسياسيين حول ثلاث وجهات نظر مختلفة وفق استطلاع أجرته المجتمع لهذه الآراء: الأولى منها تشدد على أن الغرب ليس لديه مشكلة في التعامل مع الإسلاميين أو غيرهم، وبالتالي فما يهمه في هذا الصدد هو مصالحه، ولو ظلت هذه المصالح مؤمنة بعد فوز الإخوان أو غيرهم من الفصائل الإسلامية في المنطقة فليست هناك مشكلة، والمشكلة ستظهر فقط لو تعرضت هذه المصالح للخطر.
لا توجد مشكلة ويؤيد وجهة النظر هذه د. عصام العريان أحد قيادات جماعة الإخوان الذي يقول إن الغرب ربما يعيد حساباته تجاه الجماعة إيجابيًّا وليس سلبيًّا، لأنه كانت هناك حملة تخويف وتفزيع تتم للغرب باستخدام الإخوان كفزاعة لهم، ولكن الآن نحن في انتخابات حرة وأثبت الإخوان أن لهم قبولًا وشعبية لدى المصريين.
ويشدد د. العريان على أن أمريكا تسعى فقط لحماية مصالحها النفطية وأمنها، وتسعى لمنع الإرهاب وهم يرون أن الإرهاب جاء بسبب الاستبداد والفساد، وبالتالي فأمريكا قد ترى صعود الإخوان خطرًا بعيدًا عن مصالحها في المنطقة، ولكن الخطر القريب الحالي هو «الإرهاب».
ويؤيد هذا الرأي د. ضياء رشوان، الخبير في مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام، الذي يؤكد للمجتمع أن «مشكلة أمريكا الرئيسة مع الإسلاميين أنه إذا تعارض وجودهم مع الأهداف الإستراتيجية الأمريكية». ويحدد الأهداف الأمريكية عمومًا في المنطقة بأنها تتمثل في: «أمن إسرائيل وحرية المرور في الممرات المائية والحفاظ على النظم الصديقة ومحاربة الإرهاب».
ويضيف رشوان: «لو تعارض أي من هذه الأهداف الأربعة مع صعود الإخوان فسيقلق هذا أمريكا، وهدفان من هذه الأهداف يتعارضان حاليًا بالفعل وهما: أمن الدولة الصهيونية والنظم الصديقة مثل مصر والأردن».
أما الأوروبيون فليس لديهم مشكلة مع الإخوان ولديهم توجه لحل مشكلات الإسلاميين في العالم العربي عمومًا بسبب تجربتهم العنيفة في الجزائر.
قوى متطرفة
أما الرأي الثاني.. فيرى أن هناك مشكلة ستظهر مع صعود الإخوان السياسي لأن الإدارة الأمريكية تعتبر الإخوان تحديدًا من القوى المتطرفة كما ورد على لسان مسؤوليها.
وهذا الرأي يتبناه محللون مصريون وأجانب، حيث يؤكد د. محمد السيد سعيد نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أن «الأمريكيين أعادوا تقييم الموقف الآن وخلصوا إلى أن التحول السريع والقوي للديمقراطية في مصر مستحيل وستكون نتيجته «صعود الإخوان» غير مستحبة لواشنطن». وإن «المطلعين على بواطن الأمور في واشنطن ينصحون الآن وزارة الخارجية الأمريكية بعدم التخلي عن الحكومات العربية دون وجود بدائل واضحة، والعمل على إجراء تغييرات هيكلية بعيدة الأمد وإيجاد سبل للتأثير على الرأي العام العربي».
ويقول د. سعيد إن التغير في النبرة الرسمية الأمريكية «واضح» في التصريحات العلنية التي صمتت إلى حد كبير بشأن مصر في الآونة الأخيرة، بعد تصريحات متكررة بشأن انتخابات الرئاسة في سبتمبر ٢٠٠٥م، مشيرًا إلى أن الجناح المتطرف في إدارة بوش يقول إن الإرهاب نشأ من الإخوان.
ويؤيد ذات الرأي محللون غربيون مثل «جوش ستاتشر» المحلل السياسي الأمريكي المستقل الذي قال لوكالة رويتر إن معظم حديث إدارة الرئيس جورج بوش عن ديمقراطية الشرق الأوسط للاستهلاك الداخلي في أمريكا، وأن الولايات المتحدة تدعم الآن شكلًا من أشكال الحكم الاستبدادي، وتتورط في عملية «تكيف استبدادي» وتدعم رفض الحكومة المصرية الاعتراف بالإخوان المسلمين كحزب، على الرغم من أنها أقوى قوة معارضة في مصر بشكل واضح.
إصلاحات سريعة
ويلاحظ هنا أن تصريحات أمريكية صدرت بالفعل تشير إلى أن الإخوان ليسوا جماعة معتدلة حسبما قالت «ليز تشيني» مساعدة وزيرة الخارجية لصحيفة «روز اليوسف المصرية»، والتي أكدت عدم اعتقادهم في إدارة بوش باعتدال الإخوان، كما صدرت تصريحات مشابهة من مدير المخابرات الأمريكية السابق جيمس ولزي يلمح فيها إلى أن الإخوان ليسوا معتدلين.
ويفسر خبراء.. الصمت الأمريكي حيال المكاسب الكبيرة التي حققتها جماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات البرلمانية المصرية بأن واشنطن تعيد التفكير في موقفها الرامي إلى «الضغط لإجراء إصلاحات ديمقراطية سريعة» في مصر، بعد مساهمة ذلك في تحقيق مكاسب لصالح الإسلاميين، وليس لأحزاب ليبرالية كانت تراهن عليها، وهو ما يؤكده د. سعد الدين إبراهيم رئيس مركز ابن خلدون الذي يقول إن المسؤولين الأمريكيين «محبطون جدًّا» للأداء الانتخابي الضعيف لحزبي الغد والوفد، وهما الحزبان الأكثر ليبرالية، كما أن الضغوط الأمريكية من أجل الإفراج عن السجناء السياسيين أدت في نهاية الأمر إلى مساعدة الإخوان المسلمين والإفراج عن قادتهم.
المراهنة على الشعب
أما الرأي الثالث فهو لا يقيم وزنًا للغرب فيما يخص صعود الإسلاميين، ويقول إن الرهان يجب أن يكون على البشر والشعوب التي تحدث التغيير وليس على أمريكا.
ويتبنى هذا الرأي بصفة أساسية د. سيف عبد الفتاح أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة الذي يؤكد لـــ المجتمع إليكم أن «المهم هو بث الوعي السياسي».
أمريكا قلقة أم لا؟!
ولكن ماذا عن الموقف الأمريكي والأوروبي عمومًا من فوز الإخوان بهذه النسبة العالية من المقاعد؟ هل هم قلقون أم لا؟ أم أنهم متخبطون في المواقف وفق التقسيم الداخلي بين محافظين متطرفين ومعتدلين؟ أم لا يزالون يدرسون المفاجأة؟!
لقد لوحظ بداية أن رد الفعل الأمريكي جاء عاديًّا، حيث أكد مساعد وزير الخارجية من تصاعد الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد وولش أن الولايات المتحدة «ليست قلقة شعبية التيار الإسلامي في مصر طالما تم ذلك من خلال عملية نيابية شفافة وبما يعبر عن إرادة الشعب، لكنها تظل أيضًا تراقب الوضع وتنتظر لترى».
ولكنه عاد ليقول إن: «ما يهم الولايات المتحدة ليس من هو الفائز، بل من هو الملتزم بقواعد الممارسة الحرة بعيدًا عن العنف أو الشعارات المحرضة على العنف والتمييز بما يخدم مصلحة الشعب المصري في النهاية»، وأضاف: «اتخاذ مرشح ما للإسلام كبرنامج انتخابي أو كشعار هو تهديد للديمقراطية، وعدم احترام حقوق الإنسان شيء آخر».
وبعد صمت طويل انتقد شون مكورماك المتحدث باسم الخارجية الأمريكية أعمال العنف التي سادت الانتخابات البرلمانية، ولكنه لم يعلق بشكل محدد على سؤال حول المكاسب التي حققها مرشحو الإخوان، مضيفًا: «المهم هو أن يشعر جميع المصريين بأنهم ممثلون في العملية السياسية وأن يشعروا بأن أصواتهم يعتد بها»، إلا أن الخارجية الأميركية قالت إنها لا تستطيع تأكيد الاعتقالات التي قال الإخوان المسلمون إنها «تزوير مسبق لإرادة الناخبين»!
وعندما تصاعد العنف والاعتقالات عاد ماكورماك ليقول يوم ۲۱ نوفمبر الماضي في المؤتمر الصحفي اليومي للوزارة: «لقد لاحظنا في الآونة الأخيرة ارتفاعًا في أعمال العنف، وهو ما يسبب لنا قلقًا حقيقيًّا». وقال إن واشنطن «تحدثت مع القيادة المصرية بشأن هذا الأمر وطلبت منها توفير مناخ يمكن أن تُجرى فيه الانتخابات بطريقة تمكن الناس من التعبير عن أنفسهم بحرية».
ثم تطور الموقف عندما حثت الولايات المتحدة الأمريكية مصر ٢٩ نوفمبر الماضي على «تطهير» انتخاباتها البرلمانية بعد أن شابتها اتهامات بالتزوير وتخويف الناخبين، إضافة إلى حملة الاعتقالات التي تستهدف جماعة الإخوان المسلمين.
أوروبا.. أكثر جدية
وعلى عكس الموقف الأمريكي «المائع» لوحظ أن الموقف الأوروبي جاء أكثر جدية، حيث قرر وفد البرلمان الأوروبي عدم العودة إلى مصر لمتابعة المرحلة الثالثة من الانتخابات التشريعية بسبب ما حدث في المرحلتين الأولى والثانية من أعمال شغب وبلطجة ورشاوى وتجاوزات من جانب الحزب الحاكم، ووصف وفد البرلمان الأوروبي في بيان له الانتخابات البرلمانية المصرية الحالية بمحاولات «التلاعب بالإصلاح الذي تنشده القوى السياسية والمصريون».
وأكد بيان وفد البرلمان الأوروبي المكون من أربعة أعضاء أن الحزب الحاكم متشبث بالسلطة عبر تكتيكات وأساليب متعددة لا تعبر عن أي نية للإصلاح أو التغيير.
وكان رئيس الوفد «إدوارد بيروموند» قد تابع وفريقه المرحلة الأولى بجولتيها والجولة الأولى من المرحلة الثانية دون دعوة أو طلب من الحكومة المصرية، وهي المرة الأولى التي يرسل فيها البرلمان الأوروبي وفدًا لمراقبة ومتابعة انتخابات بالدول العربية دون طلب من هذه الدول، وأكد «بيروموند» أن الانطباعات عن الانتخابات المصرية كانت سلبية خاصة كشوف الناخبين، لذلك تمت مخاطبة المجلس القومي لحقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية والبرلمان والحكومة لتقديم مساعدات فنية ومالية وبشرية لتطوير وتعديل الكشوف الانتخابية التي يقع عليها عبء ٥٠٪ من نتائج العملية الانتخابية، ودون تطوير هذه الجداول فلن يتم إجراء انتخابات نزيهة أو شفافة.
بل قال محللون مصريون إن إلغاء زيارة مبارك لإسبانيا لحضور مؤتمر برشلونة المتوسطي جاء تحسبًا لموقف أوروبي خلال المؤتمر يسبب حرجًا لمصر.
النموذج الجزائري
ومع أن العديد من الخبراء المصريين يؤكدون أن السيناريو الجزائري الذي يرفعه العلمانيون كفزاعة جديدة في مصر غير ممكن التحقق، فهو حجة أخرى بدأت تنتشر لتشويه صورة الإخوان الفائزين.
فالدكتور عصام العريان يؤكد أن السيناريو الجزائري غير ممكن في مصر، ويقول إن النموذج التركي ربما يمكن الأقرب إلى التصور.
والدكتور مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية يؤكد أن «السيناريو الجزائري غير وارد هذه المرة»، ولا يستبعد بدوره «سيناريو على الطريقة التركية» إذا تم الاعتراف بالإخوان كحزب. لكن الدكتور عمرو الشوبكي الخبير بمركز دراسات الأهرام يطرح وجهة نظر أخرى مغايره تمامًا، حيث يؤكد «أن الخطر الأكبر على الديمقراطية في مصر هو الحزب الوطني الديمقراطي وليس الإخوان» الذين رأى أنهم قد يسيرون على خطى «النموذج التركي».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل