العنوان «سايكس- بـيـكـو» جديدة في سماء الوطن العربي
الكاتب محمد عبدالحميد أحمد
تاريخ النشر الثلاثاء 20-أبريل-1993
مشاهدات 55
نشر في العدد 1046
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 20-أبريل-1993
في مطلع القرن الحالي قامت بريطانيا
وفرنسا بتمزيق العالم العربي بما يخدم مصالحهما وأهدافهما في المنطقة. وبانتهاء
الحرب العالمية الثانية، تراجعت الدولتان المذكورتان من مصاف الدرجة الأولى، وبرزت
الولايات المتحدة كقوة عظمى وارثة التركة البريطانية الفرنسية؛ فأرادت إعادة رسم
المنطقة بصورة تحقق مصلحتها، إلا أن بروز الاتحاد السوفييتي كقوة منافسة للقوة
الأمريكية حال دون استفراد أمريكا بالمنطقة، وسرعان ما بدأ الصراع
الأمريكي-السوفييتي على منطقة الشرق الأوسط في محاولة كل منهما لحرمان الآخر من
تحقيق أهدافه في المنطقة.
إن الصراع الذي استغرق (٤٠) عامًا
بينهما لم يعطِ الولايات المتحدة حرية رسم المنطقة كما تشاء، وبالتالي دخل المشروع
فترة جمود انتظارًا لما سينجم عنه الصراع والتنافس بينهما. وبانهيار الاتحاد
السوفييتي أوائل هذا العقد، خلا الجو لأمريكا لتعيد ترتيب المنطقة العربية دون
تعكير من قوى خارجية؛ ويبدو أن الولايات المتحدة قد بدأت بالفعل بتنفيذ هذا
المشروع ضمن النظام العالمي الجديد الذي ظهر لحيز الوجود متزامنًا مع انهيار
الاتحاد السوفييتي.
إن استئناف سياسة تمزيق العالم
العربي الذي ابتدأته بريطانيا وفرنسا يعد من أبرز أهداف إسرائيل في المنطقة منذ
قيامها عام ١٩٤٨، وبالتقاء الأهداف الإسرائيلية مع الأهداف الأمريكية في فترة ضعف
وتمزق وتشتت عربي، وفي غياب قوة دولية تحول دون تحقيق هذه الأهداف؛ فإن المنطقة
تقف على أعتاب مرحلة لا تقل ظلامًا عن مرحلة ما بعد عام ١٩١٦ «اتفاقية
سايكس-بيكو».
الخطر الإسلامي
لم يعد سرًا بعد سقوط الاتحاد
السوفييتي والكتلة الشيوعية أن الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة ينظرون للإسلام
على أنه عدوهم الاستراتيجي في المرحلة القادمة على الرغم من نفي الغرب؛ ويبدو أن
الولايات المتحدة تريد استباق الزمن وقطع الطريق على الإسلام وأهله من الوصول
لمرحلة القوة والوحدة، فبتمزيق العالم العربي إلى المزيد من الدويلات تيسر مواجهة
الإسلام ودحر أتباعه أو على أقل تقدير تأخيره من الوصول لمواقع القوة.
وبالنظر إلى التاريخ الإسلامي منذ
إنشاء الدولة الإسلامية الأولى، نجد أن مراكز القوة عبر التاريخ الإسلامي هي (الجزيرة
العربية، دمشق، بغداد، القاهرة، إسطنبول). إن المؤامرة على الإسلام وأهله اختصرت
معركتها بتدمير هذه المراكز ليتحقق لها ما تشاء، فابتدأت المعركة بسحق هوية تركيا
المسلمة وأخرجت من صف الدول الإسلامية وأدخلت في حلف الأطلسي المسيحي، ثم جاء دور
القاهرة وأخرجت من الصف العربي ووضعت في أطرافها الأغلال بمعاهدات كامب ديفيد.
وأخيرًا تم تدمير بغداد والدور الآن
ينتظر دمشق؛ أما بعض دول الخليج فبعد أن كانت مركز الثروة والمال في العالمين
العربي والإسلامي، أضحت بعد حربي الخليج الأولى والثانية تستدين الأموال من البنوك
الدولية؛ فهل اكتفى الغرب بإنزال هذه الهزائم في مراكز قوة العالم الإسلامي؟
كل المؤشرات توحي بأن الغرب لن يقف
عند هذا الحد، فالمخطط الذي تقوده الولايات المتحدة يشير إلى رغبة تمزيق العالم
العربي لمزيد من الدويلات؛ فوجود حروب ونزاعات الحدود وطوائف عرقية ومذهبية في
الدول العربية ستكون على الراجح هي نقطة انطلاق تنفيذ المخططات الأمريكية. أما
مؤشرات هذا المخطط فأخذت معالمه تبدو في العراق والسودان واليمن والصومال
وأفغانستان، وفي مرحلة لاحقة قد يتسع المخطط ليشمل إيران والجزائر.
ولا يساور الشك أحدًا الآن بأن مجلس
الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة أصبح وكأنه مؤسسة تابعة للحكومة الأمريكية،
تستطيع من خلاله استصدار ما تشاء من قرارات التقسيم لتصبح واقعًا شرعيًا تلتزم به
الأسرة الدولية؛ كما حدث لفلسطين عام ١٩٤٧ حين أصدر مجلس الأمن قرار تقسيمها بين
أهالي البلاد من الفلسطينيين والغزاة اليهود.
السودان
إن اشتداد المعارك في جنوب السودان
برغم ما حققته الحكومة السودانية من انتصارات ليوحي بشكل جلي وصول مخطط التجزئة
إلى السودان. ففي لقاء تم في منتصف شهر سبتمبر الماضي في واشنطن بين اثنين من قادة
المعارضة السودانية: محمد عثمان الميرغني وفاروق أبو عيسى، مع هيرمان كوهين مساعد
وزير الخارجية الأمريكية للشؤون الإفريقية، قال لهما كوهين في هذا اللقاء: إن
واشنطن لا تعارض مبدئيًا تقسيم السودان إذا كانت تلك رغبة طرفي القتال الدائر في
جنوبه حاليًا.
من جهة أخرى أوردت بعض التقارير
الصحفية مؤخرًا وصول عدد كبير من الخبراء الإسرائيليين إلى نيروبي عاصمة كينيا
المجاورة للسودان بصفة سياح أو عمال إغاثة لتقديم المساعدات للصوماليين الفارين من
المجاعة في الصومال، وأشارت هذه التقارير بأن التحرك الإسرائيلي له علاقة على ما
يبدو بالوضع العسكري في جنوب السودان.
الصومال
إن النزاعات الحالية بين طوائف الشعب
الصومالي وما أدت إليه من مجاعة مدمرة لهي صورة حية عن مخطط التقسيم؛ فلم يعد
للصومال وجود كدولة واحدة، فقد أعلن عن تجزئته إلى دولتين وربما دولة ثالثة، دولة
تشمل شمال الصومال وعاصمتها مرقية، والدولة الأخرى التي أعلن عن قيامها تحتل وسط
وجنوب الصومال حتى حدود كينيا. أما الدولة الثالثة فقد أعلن عن قيامها في الشمال
الشرقي من الصومال. أما العاصمة السابقة مقديشو فهي منقسمة إلى نصفين بين دولة
الشمال ودولة الجنوب، ويتم فيهما حاليًا تداول عملتين نقديتين مختلفتين.
اليمن
إن الاغتيالات التي تحدث في اليمن
وما تتركه من شعور عدم الاستقرار لهي مؤشر باتجاه تقويض اليمن وإفشال وحدة جزئيه
الشمالي والجنوبي؛ فوجود يمنين أفضل عند الغرب من يمن واحد قوي في جزيرة العرب حيث
المخزون النفطي الضخم. وبغياب الاتحاد السوفييتي لم يعد وجود يمن جنوبي يمثل خطرًا
على مصالح الغرب.. إن إعادة تشكيل يمن جنوبي فقير سيضطره للارتماء في أحضان الغرب
أو اتباعه طلبًا للمساعدات.
أفغانستان
إن ما يحدث في أفغانستان من نزاعات
وحروب بين المجاهدين ربما يستقر في النهاية على تقسيم أفغانستان إلى ثلاث دول
حسبما أورد العديد من التقارير الصحفية في الولايات المتحدة. وإذا ما حدث فعلًا
تقسيم أفغانستان، فإن اللوم يقع في أكثره على قادة المجاهدين الذين يحققون
بتنازعهم مخطط التجزئة الذي تتزعمه أمريكا حاليًا.
الجزائر
إن ملامح تقسيم الجزائر ليست بادية
للعيان حتى الآن، لكن بذور التجزئة موجودة «عرب وبربر» إذا ما تحقق وصول
الإسلاميين لمقاليد السلطة، ومن الجدير بالذكر أن الغرب وخاصة أوروبا ينظرون بحذر
شديد لإمكانية وصول الإسلاميين للحكم في الجزائر.
الخلاصة
مما لا شك فيه أن المزيد من شرذمة العالم العربي والإسلامي يسهل عملية الهيمنة الغربية على المنطقة، لكن الحقيقة المرة أن العديد من الأنظمة العربية تشارك مباشرة بتنفيذ المخططات الغربية بتحويل المنطقة إلى دويلات مذهبية وعشائرية! فما الذي تجنيه هذه الأنظمة من هذه السياسة؟ لا أظن أن عاقلًا سيجد مبررًا واحدًا فيه مصلحة للأمة العربية والإسلامية من وراء هذه السياسة.
اقرأ أيضًا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل