; إسرائيل تريده استسلامًا | مجلة المجتمع

العنوان إسرائيل تريده استسلامًا

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 04-ديسمبر-1984

مشاهدات 76

نشر في العدد 694

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 04-ديسمبر-1984

     بعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد، والاتفاقية المصرية الإسرائيلية عام ٧٩ أخذت أنظار الإدارة الأمريكية والدولة الصهيونية تتجه نحو الأردن لتوقيع معاهدة سلام مماثلة، وقد تأكد هذا التوجه منذ إعلان الرئيس الأميركي رونالد ريغان عن مبادرته في أول سبتمبر ۱۹۸۳، ومنذ نجاح حزب العمل الإسرائيلي في انتخابات تموز الماضي، وقد دعا رئيس وزراء العدو الصهيوني شيمون بيريز الأردن للدخول مع إسرائيل في مفاوضات حول مستقبل الضفة الغربية وقطاع غزة بدون شروط مسبقة، ورد عليه الملك حسين بأن هذه «مزايدة».

مبادرة الملك:

     لكن الملك أعلن في افتتاح المجلس الوطني الفلسطيني في عمان يوم ٢٢ نوفمبر الماضي عن مبادرة كان قد أعدها من قبل تتلخص في قيام صيغة أردنية فلسطينية مشتركة للتحرك على أساس قرار مجلس الأمن الدولي رقم (٢٤٢) كأرضية صالحة لمفاوضات سلمية في إطار مؤتمر دولي يعقد تحت إشراف الأمم المتحدة، وبشرط أن تقوم المفاوضات على مبدأ «السلام مقابل الأرض»، وتشير الدلائل إلى أن الدبلوماسية الأردنية الفلسطينية المشتركة وكذلك الدبلوماسية المصرية ستنشط مع بداية العالم القادم في هذا الاتجاه، ومع يقيننا بأن هنالك خلافات في وجهات النظر بين أطراف هذا المحور، إلا أننا نؤمن بأنها تجمع على ضرورة التحرك من أجل كسر الجمود في مباحثات السلام وإحياء المفاوضات العربية الإسرائيلية حول مستقبل الأراضي العربية.

     والسؤال الذي يطرح نفسه باستمرار على ألسنة بعض قادة هذا المحور، كما يتردد على ألسنة الناس عمومًا وخصوصًا الشعب الفلسطيني، هو هل ستؤدي هذه المفاوضات كما يقول الملك حسين إلى «استرجاع الأرض وإنقاذ الأهل والمقدسات»؟

     ولما كان الطرف الأساسي في هذه المعادلة هي إسرائيل، فالسؤال هو هل ستتخلى إسرائيل عن الضفة والقطاع مقابل السلام العربي المعروض؟

     وقبل الإجابة عن هذا السؤال، نحب أن ننبه إلى أننا إذ نطرح هذا الموضوع بهذا الشكل، فإنه لا يعني أننا نوافق على مبدأ التفاوض مع «إسرائيل» إن كان ذلك ينطوي على احتمال استرجاع بعض الأرض، لقناعتنا بأن مبدأ التفاوض مع العدو المغتصب على أساس التسليم له بالسيادة وضمان أمنه على آية رقعة من فلسطين أو غيرها- مرفوض شرعًا وسياسة. 

     كما نريد أن ننبه إلى أن تناولنا لمبادرة المحور الأردني الفلسطيني بالذات لا تعني تغاضينا عن دور المناهضين له وبخاصة الدور السوري، ويكفينا الاستشهاد هنا بقول بيريز الذي علق في الأسبوع الماضي على الوضع في لبنان قائلا: «إن من الصعب التفاوض مع سوريا، ولكن من السهل التوصل إلى اتفاق معها، وإنه من السهل التفاوض مع لبنان، ولكن من الصعب التوصل إلى اتفاق معها».

     ولئلا نخرج عن موضوعنا فإننا نريد هنا أن ندرس مقولة أصحاب الفكر التفاوضي «العقلاني»، أو «الواقعي» كما يحلو لأصحابه أن يسموه، من حيث نصيبه من «الواقعية» والصواب.

عدوان وتوسع:

     وبادئ ذي بدء لا بُدَّ من التذكير بحقيقة أساسية من الحقائق التي يقوم عليها الفكر الصهيوني، وهي فكرة «العدوان والتوسع الاستيطاني»، والتي استطاعت المؤتمرات الصهيونية أن تبرمجها من خلال وضع أهداف مرحلية يتم تنفيذها من خلال دورات زمنية، قدر كل واحدة منها حوالي عشر سنوات، وتأكدت هذه المرحلية بعد قيام دولة الكيان الصهيوني في عام 194،8وفي هذا الإطار كان عدوان 1956، وهزيمة عام 1967، وحرب أكتوبر 1973، واحتلال لبنان عام 1982.

     وقد يكون من المناسب التذكير بأن الهدف المركزي للحركة الصهيونية هو التركز في فلسطين أولًا، ثم مواصلة المشروع للسيطرة على العالم العربي والإسلامي انطلاقًا من الشعار المكتوب على الكنيست الإسرائيلي «حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل».

     وخبرتنا بإصرار الحركة الصهيونية على تحقيق أهدافها، خاصة وأنها تملك من الإمكانات ما لا تملكه الدول العربية مجتمعة، بالإضافة إلى أن ميزان القوى الدولي يميل لصالحهم؛ تجعلنا نميل إلى القناعة باستبعاد فكرة الانسحاب من أية قطعة من أرض فلسطين من حيث المبدأ.

     لكننا لا نستبعد استعداد دولة العدو الصهيوني للتنازل عن قطعة من هنا أو هناك في سبيل توقيع معاهدة سلام مزعومة، تدخل ضمن تحقيق الأهداف المرحلية التي أثبتت الوقائع جدارة الحركة الصهيونية في تنفيذها. 

أهداف مرحلية:

     والأهداف المرحلية للحركة الصهيونية ودولة العدو الصهيوني أصبحت تتركز منذ عدوان عام ١٩٦٧ في نقطتين أساسيتين، هما:

  • تحقيق الاندماج في المنطقة عن طريق توقيع معاهدات سلام ثنائية مع الدول العربية، وتطبيع علاقاتها الاقتصادية والثقافية معها لتحقيق نوع من الاستقرار يهيئ لها نجاح الهدف الثاني، وهو:
  • جمع شتات اليهود وتوطينهم في فلسطين، والنهوض بهم اجتماعيًا واقتصاديًا. 

     والتمسك بهذه الأهداف المرحلية هو الذي يفسر تمسك قادة العدو الصهيوني سواء كانوا من تجمع العمل أو تجمع الليكود يرفض أية مشاريع لتسوية شاملة في المنطقة، وهو الذي يفسر كذلك كيف وافق مناحيم بيغن التوراتي التلمودي على توقيع اتفاقية كامب ديفيد مع مصر، بالرغم من أنه وحزبه من المؤمنين بشعار «لا قدس بدون سيناء، ولا سيناء بدون القدس».

     وها هو خليفته إسحق شامير يذكر من جديد بأن کامب ديفيد «دمرتهم اقتصاديًا»؛ بسبب تكاليف انتشار القوات الإسرائيلية من جديد على حدود سيناء، وبسبب خسارة آبار نفط سيناء، وهذا ما يكشف عن جدال عنيف ثار في حينه في أوساط تجمع الليكود حول مبدأ توقيع الاتفاقية الإسرائيلية المصرية، بسبب اعتقاد بعضهم کشامیر، ويوسف بورغ، وغيرهم بأن عزل مصر مؤقتًا لم يكن يساوي تنازل إسرائيل عن سيناء بسبب قوتها وعدم حاجتها لمثل ذلك الاتفاق.

 ولكن الوقائع أثبتت بعد نظر بيغن بالرغم من تزمته وتعصبه، فقد سهلت الاتفاقية لدولة العدو الصهيوني احتلال لبنان عام ۱۹۸۲، وطرد قوى الثورة الفلسطينية منها، وفرض واقع أمني جديد يحفظ لها حدودها الشمالية بضمانات لبنانية وعربية ودولية.

     وانطلاقًا من هذه التجربة يدور نقاش كبير بين قوى العدو الصهيوني السياسية حول جدوى الدخول في معاهدة سلام مؤقتة مع الأردن، وإلى أي مدى يمكن تقديم تنازلات في هذا المجال.

نظريتان:

     ورغبة منا في الاختصار نريد أن نبين أن هنالك نظريتين في دولة الكيان الصهيوني، وهما:

أولًا- نظرية حزب العمل التي خاض على أساسها الانتخابات وهي:

«أن إسرائيل التي تدرك وجود المشكلة الفلسطينية ستكون مستعدة للمساهمة في حلها ضمن إطار دولة أردنية فلسطينية؛ حيث تستطيع الهوية الذاتية للعرب الفلسطينيين أن تجد تعبيرًا عن نفسها، ومشكلة اللاجئين أن تجد حلًا لها، وسوف تمتد الدولة هذه على الأرض الإقليمية لشرق الأردن وأجزاء كثيفة السكان في الضفة الغربية وغزة حيث يجري إخلاء قوات الجيش الإسرائيلي منها عند إقرار السلام».

     وقد فصل برنامج حزب العمل كيف سيتم تطبيق هذه النظرية، ويمكن الإشارة إليها باختصار على النحو التالي:

  1.  إبرام معاهدة مع الأردن لما لها من أهمية في حل المشكلة الفلسطينية.
  2.  بقاء النظام الأمني لقوات الجيش الإسرائيلي والاستيطاني في غور الأردن بما في ذلك شمال البحر الميت،  وضواحي مدينة القدس، وجنوب قطاع غزة تحت السيادة الإسرائيلية.
  3. المشكلة الفلسطينية يجب ويمكن حلها في إطار أردني-فلسطيني، ويمكن أن تمتد الدولة الأردنية الفلسطينية لمناطق محددة مكتظة بالسكان العرب في الضفة وقطاع غزة. 
  4.  نهر الأردن هو الحدود الأمنية الشرقية لإسرائيل.
  5. بقاء المستوطنات القائمة وضرورة تطورها. 
  6.  لا لدولة فلسطينية مستقلة، ولا للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

ثانيًا- نظرية تجمع الليكود والتي تتلخص بشعار «ولا شبر» ولا مجال لإعطاء «عرب أرض إسرائيل» أكثر من الحكم الذاتي المنصوص عليه في اتفاقيات كامب ديفيد، وعليه فإن سياسة الليكود تركز على تطوير العلاقة مع مصر، وجر الأردن لتوقيع اتفاقية مماثلة.

     وعلى أية حال فإن أية محادثات سلام لن تؤدي إلى أي نتيجة خلال السنوات الأربع القادمة؛ لأن حكومة الاتحاد الوطني أو حكومة الرأسين -كما يطلق عليها- قد اتفقت على أنه «لا بيت في مصير الضفة والقطاع خلال فترة حكومة الاتحاد».

     ومع أن كل الدلائل تشير إلى أن ميزان القوى الدولي والإقليمي هو في صالح دولة العدو الصهيوني بسبب العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة، واحتمالات تطور العلاقة بين العملاقين، الأمر الذي يوفر الفرصة لنجاح سياسة الليكود أو على الأقل تأثيرها على برنامج حزب العمل، فإن المنطق يقول بأن أعلى سقف يمكن أن تصل إليه أية مفاوضات مع إسرائيل هو نظرية حزب العمل، هذا إذا استطاع محور حسين- عرفات- مبارك أن يتغلب على العقبات التي تعترضه، وتقدم للمفاوضات بتصور موحد مدعوم عربيًا ودوليًا.

     وبناءً على ذلك لا يملك المراقب الأمين إلا أن يبين السلامة بأن الدخول في مفاوضات مع دولة العدو الصهيوني في هذه الظروف والملابسات- لا يمكن أن ينتهي إلا بالاستلام الكامل لمخطط العدو الصهيوني المدعوم أمريكيًا ودوليًا. 

     ولقد كان ياسر عرفات مصيبًا عندما قال لضيوفه وهو يستقبلهم في عمان لحضور اجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني: «لو كنت في وضعهم (أي الإسرائيليين) لرفضت التنازل عن أي شيء».

     وبعدما أطلق الملك حسين مبادرته أمام المجلس الوطني الفلسطيني لم يدع المسؤولون الإسرائيليون الناس في حيرة، وإن كانوا لم يعلنوا عن موقف رسمي حتى الآن، فها هو شامير يصرح قائلًا: «إن إسرائيل لن تتخلى أبدًا من الأراضي التي احتلتها في حرب يونيو١٩٦٧»، واعتبر أن العودة لحدود عام ٦٧ «مقدمة للقضاء على إسرائيل».

     أما أبا آيبان رئيس لجنة الشؤون الخارجية بالكنيست فقد قال بأن مبادرة الملك «لم تتضمن أي جديد» وأن فكرة المؤتمر الدولي لا قيمة لها.

      وإذا كانت الأمور تبدو في الواقع على هذا النحو، فلماذا الدخول في مفاوضات مع دولة العدو الصهيوني التي لا يمكن أن تؤدي إلا إلى نتائج استسلامية قال عرفات بأن القبول بها «خيانة».

     ويزداد العجب إذا علمنا أن العرب لا يعملون في نفس الوقت لقلب ميزان القوى لصالحهم، بل الأعجب من ذلك -كما أسلفنا في غير مقال- أنهم يتنافسون أو يتصارعون من أجل كسب ود من لا يريد ولن يريد أن يحبهم: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة:: 120).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 5

180

الثلاثاء 14-أبريل-1970

هل ينبغي فنَاء إسَرائيل؟!

نشر في العدد 17

122

الثلاثاء 07-يوليو-1970

اليهود في روسيا