العنوان إسرائيل تقود حملة العداء الغربي للإسلام
الكاتب عثمان شنيش
تاريخ النشر الثلاثاء 25-مارس-1997
مشاهدات 55
نشر في العدد 1243
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 25-مارس-1997
في ندوة المجتمع وUSAR السفير الأمريكي د. روبرت نيومان:
● فكرة تحالف دولي ضد الإسلام والمسلمين فكرة خاسرة من البداية.
● نهاية حكم صدام أصبحت وشيكة لكن حاكم العراق القادم سيكون دمويًّا وديكتاتوريًّا مثل صدام
أدار الندوة في واشنطن: د. عثمان شنيش
في إطار نشاطها الفكري حول قضية العلاقة بين الإسلام والغرب، نظمت المؤسسة المتحدة للدراسات والبحوث بالعاصمة الأمريكية واشنطن بالاشتراك مع مجلة المجتمع ، ندوة حاضر فيها السفير الأمريكي السابق الدكتور روبرت نويمان وأدارها الدكتور عثمان شنيشن- مدير قسم البرامج بمؤسسة العلوم الوطنية- وشارك فيها عدد من المفكرين الأمريكيين والعرب.
وتأتي أهمية هذه الندوة ليس فقط من موضوعها الحيوي والمهم «رؤية دبلوماسية للحركة الإسلامية»، ولكن أيضًا من طبيعة عمل وخبرات المحاضر الذي يعمل حاليًّا- مستشارًا لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن واهتمامه الطويل- بمنطقة الشرق الأوسط والحركة الإسلامية، ذلك الاهتمام الذي عبر عنه في سلسلة من المقالات المهمة والمثيرة للجدل التي يحرص على نشرها بين الحين والآخر في كبرى- الصحف الأمريكية مثل الواشنطن بوست والمجلات المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط مثل مجلة «شؤون الشرق الأوسط»، وبالإضافة إلى ذلك فقد عمل د. نيومان محاضرًا في الشؤون الدولية بجامعة كاليفورنيا لمدة تقترب من العشرين عامًا، وعايش أوضاع الدول العربية والإسلامية من خلال عمله الطويل سفيرًا لبلاده في كل من أفغانستان والمغرب والمملكة العربية السعودية.
وقد بدأ د. نيومان حديثه بالتأكيد على رفضه الفكرة الغربية المسيطرة والقائمة على أن الإسلام هو العدو الجديد للمغرب، وأن قيام دولة إسلامية يعني قيام إمبراطورية الشيطان، وقال: إن العالم شهد إمبراطورية شيطان واحدة تمثلت في الحكم الشيوعي، ومن منطلق أن السياسة الخارجية لأي دولة هي في التحلل الأخير سياسة آمنة، أوضح د. نيومان أن الاتجاهات والسياسات الغربية نحو الإسلام تؤثر كل منها في الأخرى، وتتسم بالتغير وعدم الثبات، وقال إن هناك اختلافًا واضحًا بين اتجاهات الغرب- على سبيل المثال- نحو إيران، وبين سياساته العملية تجاهها، وهناك اختلاف مماثل بين اتجاهات وبين سياسات الغرب نحو الجزائر فسياسات حكومة الثورة الإيرانية- التي دخلت عامها السابع عشر- شهدت تحولات كثيرة وحققت كثيرًا من النجاحات وكثيرًا أيضًا من الإخفاقات، ومع ذلك فلازال الغرب يصر على النظر إليها على أنها تجربة فاشلة تمامًا، ومع تسليمنا بأن هذه التجربة الإسلامية ليست ناجحة تمامًا، فإن الواقع يقول إنها ليست في الوقت نفسه تجربة فاشلة تمامًا، ونفس الأمر بالنسبة لحالة الجزائر التي لا يزال الصراع فيها على السلطة مستمرًا، إذا انتقلنا إلى البوسنة سنجد الأمر مختلفًا بعض الشيء فعلى الرغم من تدخل الولايات المتحدة الأمريكية في النهاية لوضع حد للصراع الدائر في البوسنة، إلا أن قضية البوسنة لم تدخل حيز اهتمام صانع القرار الأمريكي باعتبارها تتعلق بالإسلام والمسلمين، فالمسلم به في السياسة الخارجية الأمريكية أن دولة البوسنة تضم أغلبية مسلمة ولكنها تنظر إليهم- أي إلى مسلمي البوسنة. على أنهم مختلفون تمامًا عن مسلمي الشرق على أساس أنهم أوروبيون من السلاف اعتنقوا الإسلام في ظروف تاريخية معينة.
وحول مكانة قضية البوسنة في قائمة أولويات المرشحين للرئاسة الأمريكية التي أجريت انتخاباتها في نوفمبر الماضي، قال د. نيومان: إن الفكرة المسيطرة في الوقت الحالي على صانع القرار الأمريكي هي أن السماح للمسلمين بإقامة دولة مستقلة في البوسنة سوف يقود إلى قيام دولة أصولية في أوروبا، وهذا تصور غير صحيح على الإطلاق.
أصدقاء إسرائيل ومزاعم الإرهاب الإسلامي
وقد اتهم د. نيومان إسرائيل وأصدقاءها في الكونجرس الأمريكي بقيادة حركة العداء الغربي والأمريكي غير المبرر للإسلام، وقال: إن مقولة أن الإسلام هو العدو الجديد للغرب بعد سقوط الشيوعية لا تحتل أدنى اهتمام في أجندة السياسة الأمريكية، ولكن الذي يروج لها ويحرص على نشرها داخل المجتمع الأمريكي والمجتمعات الغربية عمومًا هي إسرائيل وبعض أعضاء الكونجرس الذين يأتمرون بأمرها وتستهدف إسرائيل من خلال نشر الرعب عن الإسلام باعتباره خطرًا على العالم أن تحقق التفاف العالم حولها ودعمها ماديًّا وعسكريًّا وسياسيًّا دعمًا غير مشروط، والواقع أنني أرفض هذه الفكرة سواء جاءت من إسرائيل أو من غير إسرائيل، وبصرف النظر عن كونها- أي إسرائيل- حليفة للولايات المتحدة، لأن فكرة تشكيل تحالف دولي ضد الإسلام والمسلمين هي فكرة خاسرة من البداية، ولحسن الحظ فإن حكومة الولايات المتحدة غير مقتنعة بصحتها وغير مستعدة لتبنيها.
وأوضح د. نيومان أن المعالجة المنهجية الصحيحة لعلاقة الإسلام والغرب لا يجب أن تنصرف إلى معالجة جدلية للعقيدة الإسلامية، لأن العقيدة سواء كانت العقيدة الإسلامية أو المسيحية أو اليهودية تتميز بتركيب معقد جدًا، وإنما يجب أن تركز على ما يفعله الإسلاميون أو المسلمون وليس على اعتقاداتهم.
إن السؤال الذي يُطرح وبشدة في هذا- السياق من جانب الدبلوماسية الأمريكية هو: هل يمكن أن يقود الإسلام إلى إقامة نظام ديمقراطي أم أنه بطبيعته- أي الإسلام- ضد الديمقراطية ومعاد لها؟ وهذا في الواقع موضوع شديد التعقيد، فنحن نجد رؤى مختلفة وشديدة التباين بين قادة وزعماء الحركة الإسلامية في الجزائر حيث يرى بعض شيوخ الحركة أن الإسلام يتوافق مع الديمقراطية، بينما لا يرى بعض شبابها هذا التوافق ممكنًا، وكل هذه الرؤى بالطبع قابلة للتغير، وهذا شأن الموضوعات التي تختلط فيها الأمور الدينية بالأمور السياسية، لأن الدين كما هو معروف يمثل حقيقة مطلقة لا تحتاج إلى تأييد أو مساندة من جانب الرأي العام.
موقف أمريكا من الحركات الإسلامية
انتقل د. نيومان إلى الحديث عن موقف الولايات المتحدة من الحركات الإسلامية فأوضح أن المعتقدات الأمريكية الثابتة تؤكد التزام الولايات المتحدة بدعم الديمقراطية في جميع أنحاء العالم، وهذا ما يجب أن تقوم عليه السياسة الخارجية الأمريكية، على هذا الأساس، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل يمكن اعتبار الحركات الإسلامية المعاصرة حركات ديمقراطية ينبغي على الولايات المتحدة- وفقًا للمبدأ الذي تعلن التزامها به- أن تدعمها؟
إن من الصعب التنبؤ بأن الإسلاميين إذا وصلوا إلى السلطة بالطرق الديمقراطية ومن خلال الانتخابات الحرة، سوف يلتزمون بالخيار الديمقراطي ويتركون السلطة في حالة إخفاقهم في الانتخابات، يؤكد هذه الصعوبة حقيقة أن معظم النظم السلطوية الشهيرة في العالم إنما وصلت إلى السلطة بالطريق الديمقراطي ثم تحولت إلى نظم سلطوية ديكتاتورية، مثل النظام النازي الذي استخدم الطرق الديمقراطية للعصف بالديمقراطية، وأيضًا مثل الفاشية، وبالتالي فإنه ليس من الضروري أن تعلن الحركات الإسلامية إيمانها بالديمقراطية لكي تتنبأ بأنها ستلتزم الطريق الديمقراطي عندما تصل إلى الحكم.
وحول موقف الحكومة الإسلامية في إيران من الولايات المتحدة والغرب قال د. نيومان: إن ثبات الموقف الأمريكي المعادي لإيران ليس له مبرر موضوعي حتى وإن كان الموقف الإيراني لازال يحكمه الميراث التاريخي في العلاقات بين البلدين والذي يعود إلى أيام الشاه، فالسياسة الخارجية لدولة مثل الولايات المتحدة يجب أن تتشكل وفقًا للمعطيات الجديدة في المنطقة وفي إيران نفسها، ومن غير المنطقي أن يظل العداء قائمًا بين البلدين وأن تكتفي بالقول في كل مناسبة بأن العلاقات الثنائية بينهما سيئة فالأمر أكبر وأعقد من ذلك، وإذا انتقلنا إلى الوضع في الجزائر فإنني- ولا أعبر هنا عن موقف الحكومة الأمريكية- أقول: إن الولايات المتحدة لها مصالح واضحة في الجزائر، ولكنها لا تقارن بالمصالح الفرنسية الأكثر قوة وإلحاحًا، وخلال حكم الرئيس السابق فرانسوا میتران كانت فرنسا تنتهج سياسة متشددة تجاه الحركة الإسلامية في الجزائر، ولكن هذه السياسة طرأت عليها تغيرات مهمة في الوقت الحالي، وكان أبرز هذه التغيرات مؤتمر روما الذي عقد تحت رعاية الكنيسة الكاثوليكية التي جعلت من مهامها الجديدة جمع الفرقاء من جميع الفصائل حول السلام، الأمر الذي أثمر في مؤتمر المصالحة الوطنية الذي عقد في روما وحضرته جميع احزاب وقوى المعارضة الجزائرية وعلى رأسها جبهة الإنقاذ والجماعة الإسلامية وجبهة التحرير التي سبق وأن حكمت البلاد لأكثر من عشرين عامًا، وقد انتهى هذا المؤتمر إلى توصيات مهمة رفضتها- بكل أسف الحكومة الجزائرية العسكرية.
واستطرد د. نيومان قائلًا: إن من مصلحة السياسة الأمريكية أن تشجع الوفاق الوطني في الجزائر، وهذا ما تقوم به الولايات المتحدة، ولكن كما ذكرت من قبل فإن المصالح الأمريكية في الجزائر ليست كبيرة للدرجة التي يمكن أن تدفع الولايات المتحدة إلى اتخاذ مواقف حاسمة أو إدخال تغيرات ملموسة على سياستها في موضوع الجزائر، في المقابل فإن المصالح الفرنسية الكبيرة في الجزائر هي التي تدفع فرنسا إلى اتخاذ مواقف محددة من الصراع الدائر هناك، والسؤال المطروح على الأمريكيين هو: هل يمكن أن تكتفي دولة عظمى مثل الولايات المتحدة بالسير وراء السياسة الفرنسية في الجزائر على أساس أن المصالح الفرنسية هي الأكبر والأكثر وضوحًا؟، والواقع أن الولايات المتحدة تعمد إلى عدم اتخاذ موقف واضح من الأزمة الجزائرية حتى لا تجد نفسها في موقف- يتضح منه عداؤها للعالم الإسلامي.
أجندة الانتخابات الأمريكية
انتقل د. نيومان إلى الحديث عن أولويات السياسة الخارجية في الدعاية الانتخابية الأمريكية بمناسبة الانتخابات الرئاسية التي تم عقدها في نوفمبر من العام الماضي، وقال: في الواقع أن السياسة الخارجية ليست هي القضية الأولية والأساسية في الحملة الانتخابية، ومع ذلك فإن هناك عددًا من القضايا الخارجية التي قد يكون لها تأثير واضح على هذه الحملة، ولعل من أبرز وأشد الانتقادات التي توجه إلى إدارة الرئيس كلينتون هو أنها بعد أن تقيم الدنيا حول دولة ما في العالم تعود وتتحول في سياستها من هذه الدولة إلى النقيض، وأنها لا تمارس الزعامة المفترضة أن تمارس من جانب القوة الأعظم في العالم، ويضرب المعارضون السياسة كلينتون الخارجية مثلًا على ذلك بالموقف الأمريكي من قضية البوسنة التي أكدت أن الولايات المتحدة دورًا قياديًّا كبيرًا في العالم يمكن أن تقوم به إذا أرادت، ولعل من القضايا التي قد يتم الإتجار بها بين المرشحين للرئاسة الأمريكية تبادل الاتهامات بالتساهل مع الإرهاب الدولي والحركات الإسلامية وهي اتهامات لا يضبطها ضابط ويمكن أن يوجهها كل طرف إلى الآخر دون أن يتوقف ليفهم مدلولها وآثارها في السياسة الخارجية.
إن على السياسة الأمريكية الخارجية أن تأخذ في اعتبارها ضرورة مراجعة الازدواجية في مواقفها الخارجية المتناقضة والتي تمارسها في تعاملاتها مع دول إسلامية مثل إيران والعراق وهي الازدواجية التي وضع أساسها مستشار مجلس الأمن القومي السابق لشؤون الشرق الأوسط الذي أصبح سفيرًا للولايات المتحدة في إسرائيل، ومن وجهة نظري الشخصية فإن هذه السياسة تبدو عادلة بالنسبة للموقف من العراق فليس هناك في الواقع بديل آخر، فاستمرار وجود حكم صدام حسين يبدو أمرًا غير منطقي وغير مجد بالنسبة له أو بالنسبة للشعب العراقي، وعلى هذا الأساس، فإن السياسة الأمريكية تقوم على استمرار الضغط والحصار المفروض على العراق لأطول مدة ممكنة حتى تجبر صدام حسين على التخلي عن السلطة أو تتمكن من الإطاحة به، نعم من الممكن أن يستغرق هذا الأمر سنوات طويلة وأن هناك معاناة مريرة يعيشها الشعب العراقي ولكن ليس لدينا بديلًا آخر للضغط على هذا النظام، والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: ما البديل إذا نجحنا في إسقاط نظام صدام حسين؟ وهل سيكون خليفته أفضل أم أسوا منه؟! وأجاب عن ذلك بقوله: إن الاحتمال الأكبر أن يتم الإطاحة بصدام حسين عن طريق الجيش، وبالطبع فإن أي حكم عسكري في العراق لن يكون أفضل أو أكثر تسامحًا من حكم صدام حسين، ومع ذلك فإن أي شخص آخر يخلف صدام حسين سيكون أكثر إدراكًا وفهمًا لحجم الدمار الذي أصاب العراق، وبالتالي سيكون أقل تهديدًا لأمن واستقرار المنطقة.
إيران والأزمة النفسية
أما في إيران، فإن الموقف يبدو مختلفًا، حيث لم يفقد نظام الحكم الإيراني فاعليته بعد، فهو وإن لم يكن ناجحًا تمامًا، فإنه على الجانب الآخر ليس فاشلًا تمامًا، وهناك نوع من الوسطية أو المواءمة في النظام، فالبرجماتيون أو الواقعيون ليسوا متساهلين في كل الأمور والقضايا، وفي المقابل فإن المتشددين ليسوا متشددين تمامًا في كل القضايا، وهناك مرونة لدى الطرفين، أما الموقف الأمريكي من إيران، فإن له أكثر من وجه، وبالتالي فإنني لا أرى أن هناك مبررًا موضوعيًّا وراء سعي الولايات المتحدة إلى عزل إيران، فليس هناك فجوة نفسية أو سيكولوجية كبيرة في الوقت بين البلدين، لقد كان أشد إجراء استطاعت إدارة الرئيس كلينتون اتخاذه ضد إيران إجراء اقتصادي في الأساس وفي مجال البترول على وجه التحديد في محاولة للتضييق على شركات البترول الإيرانية لمنعها من تصدير البترول إلى بعض الشركات الأوروبية، ومن الضروري لكي: تفهم واقع العلاقات الأمريكية- الإيرانية أن نأخذ في الاعتبار المشاعر النفسية المتبادلة بين الشعبين الأمريكي والإيراني، ومن جانب الأمريكيين فإنني أستطيع أن أقول: إن الأمريكيين لم ينسوا بعد الإذلال النفسي الذي مارسه الإيرانيون عليهم أثناء أزمة الرهائن في بداية الثورة الإيرانية، خاصة وأن وزير الخارجية السابق وارين كريستوفر كان وقتها رئيس هيئة المفاوضين الأمريكيين التي كانت تسعى إلى إنهاء الأزمة وإطلاق سراح الرهائن وعاني هو الآخر من الإذلال الإيراني للكرامة الأمريكية، حيث كان يتولى منصب مساعد وزير الخارجية في إدارة الرئيس الأسبق جيمي كارتر، وبصفة عامة فإن هذا الحادث عمق الفجوة النفسية بين الشعبين أما على الجانب الإيراني فإن الدعم الأمريكي غير المحدود الذي كان يتلقاه نظام الشاه قبل الثورة الإسلامية لازال ماثلًا في أذهان الإيرانيين وتساهم محاولات الحصار التي تتم حاليًّا في تعميق العداء الإيراني تجاه الولايات المتحدة.
والواقع أن الفجوة الحالية بين الولايات المتحدة وبين إيران لن يتم سدها من جانب طرف واحد، وتحتاج إلى عمل مشترك بين الطرفين يتجاوز عن الأخطاء التاريخية التي ارتكبها كل طرف في حق الطرف الآخر.
وأكد نيومان صعوبة أن تأتي مبادرة إزالة الفجوة النفسية بين الولايات المتحدة وبين إيران من الجانب الأمريكي، وقال: إن من الصعب على أي حكومة أمريكية تريد الاحتفاظ بتأييد الناخب الأمريكي للبقاء في السلطة أن تبادر إلى ما من شأنه تنقية الأجواء مع إيران لأنها سوف تتهم من جانب المعارضين بأنها تساند ما يطلق عليه داخل الولايات المتحدة الإرهاب الإيراني، خاصة وأن هناك دلائل كثيرة تشير إلى تورط إيران في أنشطة إرهابية في أجزاء مختلفة من العالم وبالتالي فإن تحقيق الانفراجة المطلوبة في العلاقات بين البلدين تبدو صعبة ولكنها في رأيي ليست مستحيلة، خاصة بعد أن تم إعادة انتخاب الرئيس كلينتون، إذ لديه أربع سنوات أخرى يستطيع فيها إعادة ترتيب السياسة الخارجية الأمريكية دون أن يخشى عدم انتخابه مرة أخرى.
مصر حالة خاصة جدًّا
انتقل نيومان إلى الحديث عن الموقف الأمريكي من الأصولية الإسلامية في مصر- وقال: إذا كانت الولايات المتحدة ليست اللاعب الرئيسي في الأزمة الجزائرية حيث تتقدم فرنسا عليها، فإنها اللاعب الرئيسي في مصر فالسياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط لا يمكن أن تعمل بدون الدور المصري، والقاعدة التي تسير عليها الولايات المتحدة في تعاملها مع نظام الرئيس حسني مبارك هو أنها لا زالت في حاجة شديدة إليه، وبالتالي يجب الحفاظ عليه حتى وإن تعارض ذلك مع المبادئ الديمقراطية التي تدعي دعمها في العالم كله، وذلك لأن غياب نظام مبارك قد يؤدي إلى توقف مسيرة السلام بين إسرائيل وجيرانها العرب تلك المسيرة التي تضعها الولايات المتحدة على رأس أولوياتها في المنطقة، لذلك تتجاوز الولايات المتحدة كثيرًا عن الاتجاهات السلطوية للنظام الحاكم في مصر مثل تزييف الانتخابات البرلمانية لصالح حزب الرئيس مبارك، والعنف غير المبرر الذي يتبعه النظام في ضرب التيارات السلمية في الحركة الإسلامية مثلما حدث مع جماعة الإخوان المسلمين التي تعترف الولايات المتحدة بأنها أقل الحركات الإسلامية عنفًا وتشددًا.
أما بالنسبة لتونس فإن الولايات المتحدة تعلم أن لفرنسا مصالح في تونس كما أن الوضع فيها يتميز بالاستقرار، حيث تقف قطاعات كبيرة من الشعب التونسي موقفًا مضادًا للحركة الإسلامية من منطلقات قبلية وتقليدية، ونفس الأمر بالنسبة للمغرب التي تحتفظ من خلال الملك الحسن الثاني بعلاقات طيبة مع الولايات المتحدة.
حوار مفتوح
وقد أعقب المحاضرة حوار شارك فيه عدد من الباحثين، وافتتحه د. عماد الدين شاهين المحاضر في جامعة جورج واشنطن، وأكد في مداخلته أن السياسة الخارجية الأمريكية لا تضع في اعتبارها مصالح الشعوب الإسلامية، وقال: إن الولايات المتحدة- على سبيل المثال- تدعم بكل قوة استمرار نظام الرئيس مبارك في مصر دون النظر إلى مساوئ هذا النظام على أساس أن بقاء الرئيس وليس الشعب المصري يمثل الضمانة الأساسية لاستمرار عملية السلام العربي- الإسرائيلي، كما أشار د. شاهين إلى تجاهل السياسة الأمريكية المعاناة الإنسانية للشعب العراقي، وإصرارها على استمرار الحصار الاقتصادي المفروض على العراق الذي يدفع ثمنه الشعب العراقي، وليس نظام الرئيس صدام حسين وحده، أما في الجزائر فإن السياسة الأمريكية لازالت تدعم حكم العسكريين على حساب المبادئ الإنسانية المتعلقة بدعم التحول الديمقراطي.
ومن جانبه أكد أحد الحضور أن الجهود الدبلوماسية التي تقوم بها الجبهة لفتح قنوات اتصال مع الدول الغربية قد أكدت عددًا من المسلمات أهمها:
- أن الغرب لازال ينظر إلى الحركة الإسلامية على أنها أحد أشكال المد الإسلامي العالمي أو ما يطلق عليه المؤامرة الإسلامية، ومن هذا المنطلق تَعَمد بعض الدول الغربية إلى جعل العداء للظاهرة الإسلامية أحد مرتكزات سياستها الخارجية، بل والداخلية أيضًا، وهذه واحدة من أهم المشكلات والصعوبات التي تواجهنا في أي مكان في الغرب تتحدث فيه عن الأزمة الجزائرية، فعندما نقول: إن هناك حركة إسلامية ديمقراطية في الجزائر يتجه الغربيون تلقائيًّا للحديث عن تجارب إيران والسودان....إلخ، ومن هنا يصبح من الصعب علينا إيصال رسالتنا الصحيحة إلى الغرب.
- أن الغرب ينطلق في موقفه من الأحداث في الجزائر من منطلق مصالحه الاقتصادية البحتة التي تتعلق تحديدًا بتأمين حصوله على البترول الجزائري، وعلى هذا الأساس يتخذ موقفًا مساندًا للنظام العسكري القائم طالما استمر هذا النظام في حماية هذه المصالح وتأمينها.
وأشار إلى أن عملية السلام في منطقة الشرق الأوسط لا يدعمها إطار ديمقراطي حقيقي فالسلام الدائم لا يتحقق إلا من خلال سلطة منتخبة انتخابًا ديمقراطيًّا حرًا، وقال إن اتفاق السلام الفلسطيني- الإسرائيلي ليس ناجحًا، لأن ما تغير هو إحلال حكم سلطوي أطلق عليه السلطة الوطنية الفلسطينية محل الحكم العسكري الإسرائيلي، ولهذا يشعر الفلسطينيون أن هذا السلام ليس عادلًا ولن يكون سلامًا دائمًا.
وقد عقب د. نيومان على ذلك بقوله: إن الإدارة الأمريكية تضع على رأس أولويات سياستها الخارجية الإسراع في عملية السلام في الشرق الأوسط من خلال الإسراع في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وحل بعض القضايا المعلقة مثل توزيع حصص المياه، وفي رأيي أن الأمر لازال يحتاج إلى تحقيق مزيد من العدل للفلسطينيين، أما فيما يتعلق بديمقراطية السلطة الفلسطينية، فعلى الرغم من اعترافنا بأن السيد عرفات ليس قيادة ديمقراطية، إلا أنه ليس لدينا بديل آخر له، فقد كان علينا أن نتفاوض مع ممثل للشعب الفلسطيني ولم يكن أمامنا إلا القيادة التي تحملت من قبل عبء النضال الفلسطيني المسلح وهنا يجب ألا نغفل حقيقة ندرة النظم الديمقراطية في المنطقة العربية بصفة عامة، فما يقال عن السلطة الفلسطينية يصدق أيضًا على سورية ودول أخرى كثيرة.
أما فيما يتعلق بالدور الأمريكي في عملية السلام، فإنني أعتقد أن الولايات المتحدة يمكنها ممارسة مزيد من الضغط على الحكومة الإسرائيلية، وهذا يبدو صعبًا في ضوء الأوضاع السياسية العامة في إسرائيل، حيث تواجه الحكومة الإسرائيلية ضغوطًا شديدة من جانب الجناح المتطرف في كتلة الليكود، ومع ذلك فإنني أريد أن أؤكد على حقيقة تاريخية تقول: إن البشرية لم تعرف على امتداد تاريخها ما نسميه السلام الدائم والعادل، فهذا السلام الدائم والعادل يمكن أن يتحقق فقط بين طرفين متساويين في القوة، وهذا ليس واقع الحال بين العرب وإسرائيل!!
وقد طرح الأستاذ طارق حمدي الصحفي سؤالًا حول التناقض بين الشعارات الديمقراطية التي ترفعها الولايات المتحدة وبين ما تقوم بتنفيذه في المنطقة العربية من سياسات والمقابلة بين هذه الازدواجية وبين ما ذكره د. نيومان من ضرورة التركيز على ما يقوم به الإسلاميون من أعمال وليس على معتقداتهم الدينية ورد د. نيومان على ذلك بالقول: إن ما تقوم به عناصر متطرفة داخل الحركة الإسلامية لا يخدم هذه الحركة، بل يصيبها بأضرار عديدة، فقد تعدى الأمر حد إباحة قتل المسؤولين ورجال البوليس الحكوميين إلى قتل المدنيين من الكتاب والمثقفين والسيدات كما يحدث في الجزائر وفي مصر، وأضاف أن من المنطقي أن تتجه أعمال العنف إلى الحكومات سعيًا إلى إلى إسقاطها، ولكن السؤال المطروح هو: هل يمكن أن يؤدي هذا العنف إلى إسقاط حكومات قوية مثل الحكومة المصرية والحكومة الجزائرية، وأجاب قائلًا: إن من أهم شروط نجاح هذه السياسة أن تكون الحكومة ضعيفة مثلما حدث من قبل مع حكم الشاه في إيران، أما في مصر والجزائر فإن الأمر يبدو مختلفًا جدًّا.
أما فيما يتعلق بالمقارنة بين ازدواجية السياسة الخارجية الأمريكية وازدواجية الحركة الإسلامية، فإنني أقول: إن الأمريكيين على الأقل حتى الآن لم يمارسوا ما يقوم به بعض الإسلاميين من قتل للأبرياء.
وطرح د. مازن مطبقاني الأستاذ بكلية الدعوة بالمدينة المنورة سؤالًا قال فيه: «لقد قال د. نيومان إن الإسلام كدين يتعامل فقط مع حقائق مطلقة. وبالتالي لا يستطيع أن يتعامل مع قضايا دنيوية جزئية مثل صناديق الاقتراع واستطلاعات الرأي العام، والواقع أن هذا ما يردده الغربيون والعلمانيون داخل العالم الإسلامي الذين تسيطر عليهم فكرة أن الإسلام دين فقط وليس لديه ما يستطيع أن يقدمه في مجال السياسة وهي فكرة مضللة وغير صحيحة على الإطلاق، ويكفي أن أشير هنا إلى عدد المرات التي وردت فيها قصة فرعون والدولة التي أقامها الرسول ﷺ في المدينة وهي قصص تؤكد أن الإسلام دين ودنيا وقادر على التعامل مع كل مناحي الحياة بما فيها السياسة.
وقد عقب د. نيومان على ذلك بقوله: لقد كنت أتحدث عن الأديان السماوية بصفة عامة وليس عن الإسلام على وجه التحديد، كما أنني أرفض مقولة إن الإسلام لا يتلام مع الديمقراطية، وأعتقد أن الأمر لازال في حاجة إلى المزيد من الإيضاح من جانب الإسلاميين الذين عليهم أن يقدموا إجابة شافية عن السؤال التالي: إذا وصل الإسلاميون إلى السلطة بالطريق الديمقراطي، هل سيكون لديهم الاستعداد لأن يتخلوا عن السلطة إذا جاءت الانتخابات بمعارضيهم إلى الحكم؟
وفي مداخلته آثار د. يوجين بيرد رئيس المجلس الأمريكي للمصالح القومية بواشنطن قضية الوجود الإسلامي في أمريكا، وقال: إن الدين الإسلامي يعتبر الآن الدين السماوي الثاني في الولايات المتحدة بعد المسيحية من حيث عدد معتنقيه، ومع ذلك، فإن المسلمين ليسوا ممثلين في الدولة الأمريكية التمثيل الكافي واللائق بهم كثاني أصحاب ديانة في أمريكا، والدليل على ذلك أنه ليس من بين كبار موظفي الكونجرس أو الخارجية أو البنتاجون وزارة الدفاع، شخصية مسلمة كما أنه لا يوجد أي مسلم يشغل منصبًا رفيعًا في السفارات الأمريكية في الخارج، الأمر الذي يؤكد أن الإسلام كدين مظلوم جدًّا في الولايات المتحدة.
وقد نفى د. نيومان في رده على مداخلة د. بيرد أن تكون هناك سياسة حكومية رسمية تستهدف إبعاد الأمريكيين المسلمين عن المناصب المهمة في الخارجية، وقال: إن التقصير يأتي من جانب المسلمين في المقام الأول الذين يجب أن يبادروا يدفع أبنائهم إلى التقدم إلى وظائف الخارجية الأمريكية، وإذا شعروا أن هناك تمييزًا ضدهم لكونهم مسلمين رغم تساويهم في الكفاءة مع غيرهم، حق لهم أن يحتجوا على ذلك، وعلى المراكز الإسلامية أن تقوم بدور في هذا المجال.
وأشار نيومان إلى تجربة الأمريكيين السود في هذا المجال وقال إن وزارة الخارجية الأمريكية من أكثر الإدارات التي لا تنظر إلى اللون أو الديانة عند اختيار موظفيها.
وقد ضرب الشيخ محمد العاصي إمام وخطيب مسجد المركز الإسلامي بواشنطن مثالًا عمليًّا للتمييز ضد المسلمين في الولايات المتحدة، وقال: باعتباري أمريكيًّا مسلمًا فقد سبق أن عملت بسلاح الجو الأمريكي، وبعد فترة تقدمت لشغل وظيفة أمنية شاغرة بإحدى القواعد الجوية، إلا أن طلبي قوبل بالرفض دون إبداء أي أسباب كما قوبل طلب آخر من أخي بنفس الرفض غير المبرر، رغم نجاحنا في جميع الاختبارات المؤهلة لشغل تلك الوظيفة، في نفس الوقت تم قبول مهاجر روماني مسيحي بالطبع في هذه الوظيفة، وعبثًا حاولت أن أعرف أسباب رفض طلبي حتى الآن.
وردًّا على سؤال طرحه د. أحمد يوسف مدير المؤسسة المتحدة للدراسات والبحوث حول مستقبل العراق قال د. نيومان إنني أشعر أن نهاية حكم صدام حسين أصبحت وشيكة وهذا ما نريده، وحاكم العراق القادم قد يكون دمويًّا وديكتاتورًا مثل صدام ولكنه سيكون أكثر ذكاء ولا أعتقد أن تخفيف العقوبات المفروضة على العراق يمكن أن تقود إلى التعجيل بإسقاط حكم صدام حسين.