; نظرية الأدب في التصور الإسلامي (٣)- إسلامية النص الأدبي | مجلة المجتمع

العنوان نظرية الأدب في التصور الإسلامي (٣)- إسلامية النص الأدبي

الكاتب حسين علاوي

تاريخ النشر السبت 22-يونيو-2002

مشاهدات 64

نشر في العدد 1506

نشر في الصفحة 52

السبت 22-يونيو-2002

هل يدخل ضمن الأدب الإسلامي ذلك النوع الذي لا ينطلق من تصور إسلامي، ولكنه لا يتعارض معه؟ اختلف الدارسون حول تلك النقطة.

قد يكون المطلوب بإلحاح: التأكيد على أهمية تشكيل شخصية المسلم المعاصر، الذي يجسد القيم الإسلامية في واقع عملي، ويبرهن على أن خلود الرسالة الخاتمة، وصلاحيتها لكل زمان ومكان إنما يتمثل في قدرتها على إنجاب النموذج المطلوب، وتقديم الحلول الحضارية لمشكلات البشرية الكبرى، وأن معجزة الرسالة إنما هي معجزة تكليفية تتحقق من خلال إرادات البشر، وقدراتهم، وتسير طبقًا للسنن والقوانين والأسباب الجارية، في الكون والأنفس والأفاق، التي قدرها الله وسخرها للإنسان، وأن خلافته وعبوديته إنما تنجح بمقدار ما يبصر الإنسان من هذه السنن، ويفقهها، ويحسن التعامل معها وليست هي المعجزة المادية التي تجري على السنن الخارقة، والتي اقل ما يقال فيها: إنها تلغي الأسباب، وتعطل الإنسان، وتحمله إلى مواقع التعجب والانفعال، بدل أن تمنحه القدرة على الفعل، وإمكانية الإنتاج، وفي ذلك ما فيه من إعطاء الإنسان أمداء من الإرادة والقدرة، والحرية، وقابلية التعلم، والتحكم في تغيير الكون، والارتقاء بذاته ليكون في مستوى الأمانة المنوطة به، فيما استخلفه الله فيه، بعد أن عرضها على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها واشفقن منها، وحملها الإنسان.

وإذا كان الأدب تعبيرًا عن الحياة وكشفًا لها، وتأثرًا وتأثيرًا بواقعها المتغير، فإن الأديب في هذه الحالة إنسان دائم الانفعال، وكثير المراجعة والتدقيق والتحقيق، يحاول باستمرار أن يتجدد ويستكشف ويتطور وصولًا إلى الواقع الأفضل والرؤية الصحيحة التي تحدد العلائق والأحداث، بفضل إدراك واقع الحياة وسيرها الدائب الذي لا يتوقف.

«وحين يراد إبداع نموذج إسلامي مرغوب غير متوافر واقعيًا فإنه بالإمكان بلوغ هذا الهدف بإبراز نموذج عنيد لم ينضج إلى الحد المطلوب، تضاف إليه تفاصيل معنوية وعناصر مثالية أخلاقية ممكنة التطبيق و التجسيد، بشروط ذاتية تفترض نضجًا طبيعيًا ونموًا روحيًا داخليًا للنموذج، وشروط موضوعية تحتم توافر الظروف البيئية المساعدة على هذا النضج والكمال النسبي، فمثلًا قد تكون الصورة الراهنة للمسلم، في زمان ومكان معينين، صورة نسبية بالقياس إلى الصورة النموذجية له، هنا يمارس الأدب دوره ويؤدي رسالته في تكميل هذه الصورة وتجميلها ومل ثغراتها التصورية أو الفعلية، مستعينًا بالقرآن والسنة والتاريخ الإسلامي والحكمة، في انتقاء المادة المناسبة، ومعتمدًا على الحدس الشفيف، ونفاذ الرؤية، ونقاء البصيرة وجمال الفن في أسلوب التكميل والتجميل، على أن يكون الأديب متيقنًا بقدرة هذا النموذج على الوقوف على قدميه في مواجهة تأثيرات القوى المؤثرة المعاصرة له، لكيلا يتضاءل القارئ دونه أو يراه فوق مستوى إمكاناته» (۱).

وشتان بين النماذج الإسلامية التاريخية، وبين النماذج الأسطورية اليونانية والرومانية أو ما سواها..

فالنماذج الإسلامية مدعومة بأصدق وثيقة تاريخية وهي «القرآن الكريم»، بينما تفتقر النماذج الأخرى إلى أثارة من علم أو كتاب منير.

«فنموذجنا العقلاني مؤمن بالله واليوم الآخر، موقن بالعوالم والموجودات المحجوبة عن الحس فهو من ثم أكثر خلودًا وتأثيرًا من النموذج الكلاسيكي «المعقول» بحساب العقل البشري المادي، الوثني، الطبقي، والمصاغ وفق المعايير العلمية البحتة المستخلصة من النظريات البشرية والقوانين العلمية المتخصصة لإنسان عصر من العصور وبيئة ما من البيئات، ذلك النموذج الذي لا يقاوم تغير الأذواق، وتطور العلوم، وترقي العقول، فضلًا عن قصوره الدائم الملازم له لانشداده إلى محور عالم الشهادة وحده، وعدم قدرته على ارتياد الآفاق الرحبة التي يتخيلها ويتصورها الفنان المسلم بفضل إيمانه بالغيب وصوره المعجبة وألوانه المحببة، وشخوصه، وأشيائه» (۲).

وإذا كانت الواقعية الاشتراكية، مثلًا تنبثق عن منظور مادي للكون والحياة والإنسان، فإن الإسلامية، على النقيض تمامًا، ترفض الرؤية الأحادية وتضيف للمنظور بعدًا روحيًا.. بعدًا غيبيًا يتجاوز المحدود إلى المطلق والحسي إلى المعنوي، وعالم الظاهر إلى عالم الباطن، والصراع في صيغة الطبيعة الإنتاجية إلى الصراع في صيغة الإنسانية الشاملة.

وإذا كانت «الطليعية»، تنبثق عن منظور عبثي لا معقول، فإن الإسلامية على النقيض تمامًا، تقوم على الهدفية والمعقولية والجدوى، وترى في العالم والتاريخ والمجتمع فرصة للتحقق بالمصير.

وإذا كانت (الرومانسية)، تبحر بعيدًا باتجاه العاطفة البشرية وتنساق مع منازعها وأشواقها..

وإذا كانت «السريالية» توغل باتجاه الطبقات البعيدة للنفس البشرية حيث تلعب الغريزة دورًا تحكميًا في أنماط السلوك، فإن الإسلامية، تعطي مساحة ما لهذا كله، بل تتجاوزه صوب «الآخر» بعيدًا عن «الأنا» وباتجاه القدرة على السيطرة وصياغة المصير، بعيدًا عن التسيب والضبابية والفوضى التي تتمخص عن إطلاق العنان لغرائز الإنسان في عوالمه السفلية المعتمة..

وإن من أهم خصائص العمل الأدبي الإسلامي قيامه على حقيقة ثابتة هي النظرة المتكاملة للكون والوجود والإنسان.

إن الدعوة إلى جعل التصور الإسلامي الذي هو يراه الله تعالى لنا المجال الوحيد للعمل الأدبي، هو إيمان كلي بأن التصور الإسلامي كفيل وحده بجعل عقولنا وقلوبنا- كما قال الشهيد سيد قطب- على صلة بحقيقة المؤثرات الفاعلة في هذا الوجود، وهو القادر وحده على إعفاء فكرنا من الضرب في التيه بلا دليل، وهو الممكن من تربيتنا على رد كل خيوط الكون والحياة إلى ربنا تعالى. (۳)

إن إسلامية الأدب تعني تبني الأديب الرؤية الإسلامية في معالجة القضايا المختلفة.. ولا نسمي أدبًا إسلاميًا إلا إذا توافرت فيه الشروط الفنية.. وابتعد عن التقليدية.. وقد يطرح سؤال حول إسلامية الأدب، فالنص الذي تتحقق فيه أدبية الأدب متى تعتبره أدبًا إسلاميًا؟ إذا انطلق من التصور الإسلامي؟ أم إذا لم يتعارض مع التصور الإسلامي؟

نوعان من الأدب الإسلامي

إن د. محمد عادل الهاشمي يميز بين نوعين: النوع الأول ويسميه «الأدب الإسلامي»، وهو الذي ينطلق من التصور الإسلامي، والنوع الثاني يسميه «الاتجاه الإسلامي في الأدب»، وهو ذلك النوع الذي لا ينطلق من تصور إسلامي لكنه لا يتعارض معه ويجعله في مرتبة دون «الأدب الإسلامي» أما د. نجيب الكيلاني فهو يجعل دائرة الأدب الإسلامي أوسع ويدخل فيها كل أدب لا يصطدم بالتصور الإسلامي ومن هنا وجدناه يتحدث عن نصوص لطه حسين وتوفيق الحكيم ضمن ما أسماه بالأدب الإسلامي الحديث (٤)

ويتبنى الأستاذ محمد قطب نفس الرأي فنجده في كتابه «منهج الفن الإسلامي»، يتحدث عن الشاعر الهندي طاغور وكاتب إيرلندي، فما يعتبره فنًا وأدبًا إسلاميًا كما يقول «مقيد بقيد واحد أن ينبثق من التصور الإسلامي للوجود الكبير أو- على الأقل- ألا يصطدم بالمفاهيم الإسلامية عن الكون والحياة والإنسان ولا ينحرف عن هذه المفاهيم..

 إن هذا الموقف الثاني من إسلامية الأدب يتقوى ويتأكد بالرجوع إلى مواقف الرسول ﷺ من الأدب ومن الشعر بصفة خاصة، إذ كان يعجب ببعض شعر عنترة ولم يكن أدرك الإسلام، بل الأكثر من هذا أن شاعرًا مثل أمية بن أبي الصلت أدرك الإسلام ولم يسلم.. وعلى الرغم من هذا فإن الرسول ﷺ كان يستنشد أصحابه أشعاره التي قالها قبل البعثة وكانت فيها تأملات حول الحياة والكون..

ويقول بعد سماعها: «أمن شعره وكفر قلبه»، وفي رواية أخرى «لقد كاد يسلم في شعره»، وهذا يدل على أن مبدأ الرسول ﷺ في التعامل مع الأدب- وهو المبدأ الذي يجب أن نتبناه- نابع من معطيات النص ذاته وليس من خلال مبدعه أو كما قال ﷺ عن الشعر: كلام، فما وافق الحق فهو حسن ومالم يوافق الحق فلا خير فيه.

إن مثل هذا الموقف في إسلامية الأدب يفتح الأبواب أمامنا للتعامل مع جميع النصوص الأدبية التي لا تتعارض مع المفاهيم الإسلامية.

النص والمتلقي

 يتكون العمل الأدبي من ثلاثة عناصر: وهي المبدع والنص والمتلقي، والأدب الحقيقي هو الذي يتحقق فيه التواصل بين المبدع والمتلقي من خلال الوسيط «النص» ويستحيل أن تتحقق عملية التواصل دون أن يؤمن طرفا المعادلة الأدبية «المبدع/ المتلقي»، قيمة الفعل الذي يجمعهما.

ونرى أن أول مشكلة تواجه الأديب والأدب الإسلامي هي عموم إيمان المتلقي أو الجمهور فاعلية الأدب، إنها مشكلة على مستوى التلقي انتبه إليها بعض النقاد والأدباء الإسلاميين مثل د نجيب الكيلاني الذي يقول: «والحقيقة التي لابد من الاعتراف بها هنا أن الصحوة الإسلامية لم تعط قضية الأدب الإسلامي القدر المطلوب من الاهتمام وقد لا تكون قدرت كما ينبغي دور الأدب في عملية البلاغ المبين وتأثيره في صياغة الوجدان وتشكيل الأمة الثقافي وبناء ذوقها الاجتماعي المشترك» (٥).

على المستوى الشرعي كان لنا في مواقف الرسول وآل بيته عليه وعليهم السلام مع الشعراء والخطباء، ما يدل على إيمانهم بفاعلية الأدب واستعماله لذلك سلاحًا للدفاع عن الإسلام والتبشير به، أما على مستوى الواقع فنعلم جميعًا أن للأدب سلطانه على النفوس حتى إن المتلقي ينفعل معه «انفعالًا من غير روية».. أي بدون إعمال العقل ومن ثم تتسرب أفكار النص إلى عقل المتلقي لتصبح بعد ذلك فكرًا وسلوكًا ونمط حياة.. وأوضح دليل على عملية التسرب ما خلعته أنواع الفن المائعة على فكر وسلوك مجتمعاتنا.

ودليل آخر ملموس يتمثل في انتقال الفلسفات الهدامة إلى مجتمعاتنا فهي لم تدخل عبر كتب الفلسفات النظرية بقدر ما دخلت عقول الناس من خلال القصص والروايات والمسرحيات.

«إن الدول الكبرى وإيمانًا منها بفاعلية النص الأدبي في تكوين عقليات الناس نراها اليوم في مفاوضات التجارة الدولية تتصارع حول المجال السمعي البصري، ونظرًا لكل هذه المعطيات فإن مسؤولية المجتمع الإسلامي «المتلقي»، كبيرة في إيجاد أدب إسلامي لا يمكن أن يوجد إلا إذا أعتقد هذا المتلقي بفاعلية الأدب».

إن الأدب الإسلامي وهو يحاول التقرب من المتلقي قد ينزلق إلى وضع خطير تنعكس فيه الأمور ويصبح المتلقي نقطة البداية للعمل الأدبي، وخطورة مثل هذا الوضع تتمثل في جانبين- الجانب الأول: إقصاء ركيزة أساسية ينطلق منها الأدب الحقيقي وهي الانفعال الذاتي، فعندما يفرض المتلقي على المبدع موضوع انفعاله فإن هذا الأديب لا يقدم لنا تعبيرًا عن تجربة إنسانية متكاملة وإنما يقدم لنا وصفًا لخلاصة التجربة، أما الجانب الثاني من هذه الخطورة فيكمن في المتلقي نفسه، فالمتلقي الذي يعيش في بيئة أدبية فاسدة يمارس فيها الإرهاب الفكري ويقصى ويضيق فيها على الأدب الهادف والجاد، بينما يروج في إطار واجهات دعائية تسمى مؤثرات أو ندوات أو ملتقيات للأدب المائع فكريًا أو أخلاقيًا، فالمتلقي الذي نشأ في مثل هذه البيئة لن يطلب منك إلا أدبًا فاسدًا.. لهذه الأسباب مجتمعة لا يمكن أن نجعل- في الأدب الإسلامي- المتلقي هو نقطة البداية للعمل الأدبي، فمكانة المتلقي في الأدب الإسلامي والأدب الحقيقي هي «الاهتمام» ولا ينبغي أن تصبح «انسياقًا» (٦).

الهوامش

(۱) الأنموذج الإسلامي مصدر مذكور / ص ٢٦.

(۲) م، ن: ص ۲۷.

 (۳) انظر بدر مقري، الأدب الإسلامي المكتوب بالفرنسية، مجلة المشكاة، العدد ۱۸، ص ٥٣.

(٤) نظرات في الأدب الإسلامي، محمد عبد اللاوي، مجلة المشكاة، العدد ۱۸، ص ۸۰

(٥) نظرات في الأدب، مصدر مذكور، ص ۸۲.

(٦) م، ن: ص 82- 83.

(*) باحث في مركز الغدير- إيران

الرابط المختصر :