العنوان ١٠ سنوات على توحيد اليمن (الأخيرة) - الوحدة وتحديات الحاضر والمستقبل
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يونيو-2000
مشاهدات 53
نشر في العدد 1405
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 20-يونيو-2000
* أبرز التحديات الإصلاح السياسي والقبول وبالديمقراطية - الأزمة الاقتصادية- تحالفات السلطة- العلاقة بالإسلاميين
عندما أعلن عن توحيد شطري اليمن في مايو ۱۹۹۰م، كانت المخاوف من حدوث انتكاسة تتواكب مع أجواء التفاؤل التي غمرت القلوب حينها، فالتجارب الوحدوية العربية انتهت بفصول كوميدية غرست في النفوس لا مبالاة حقيقية تجاه الحديث عن الوحدة، ناهيكم عن قيامها وتجذرها في الواقع العربي.
وفي الحالة اليمنية، كانت دواعي الشك أقوى من التفاؤل فدولة الوحدة نشأت بين نظامين متناقضين سياسيًا واقتصاديًا، كما كان لسنوات التشطير الطويلة والحروب والعوامل التاريخية التي تعرض لها كل شطر، دور في نشوء بؤر متمايزة هنا وهناك، كما أن وجود إرادتين سياسيتين تملكان السلطة والقوة الخاصة بها كان هو التحدي الأكبر الذي ظل سيفًا فوق رأس الدولة الموحدة، وهو بالفعل كان الخطر الحقيقي الذي هدد الوحدة، وخلال أربع سنوات كان الانفصال في الشهرين الأخيرين منها، قرارًا معلنًا وحربًا أهلية تدور رحاها بما لم تعرفه اليمن منذ ٧٠ عامًا على الأقل.
وبانهيار مشروع الانفصال، وهزيمة الحزب الاشتراكي في الحرب الأهلية ١٩٩٤م، توحدت اليمن وزالت مظاهر الازدواج في القرار السياسي والعسكري والتشريعي، وبدا للمرة الأولى منذ عام ۱۹۹۰م، أن اليمن تجاوز التحديات التي تهدد وحدته، ولا سيما بعد توحيد المؤسسات الرئيسة ابتداء بالقوات المسلحة والأمن، وانتهاء بالطيران والعملة ومرورًا بالتوحيد الفعلي للوزارات والمصالح والمؤسسات الحكومية المتشابهة.
إصلاح الوحدة أم اليمن؟ : وفيما تصف السلطة كل تلك المظاهر والخطوات بأنها الصورة الحقيقية للوحدة التي ظلت ناقصة طوال الفترة الانتقالية، فإن هناك تيارًا سياسيًا وإعلاميًا يضم عددًا من الأحزاب، في مقدمتها الحزب الاشتراكي ما يزالون يصرون على أن الأحداث التي تلت حرب صيف ١٩٩٤م، قد شككت بقوة في الأسس التي قامت عليها الوحدة.
ويتخذ أصحاب هذا الرأي مثل هذه الطروحات أساسًا لخطاب سياسي وإعلامي، يستفيد من حالة التأزم الاقتصادي والمعيشي للترويج لأفكاره في المناطق الشرقية، والجنوبية خاصة.. ويصف هذا الخطاب مجريات الأزمة ثم الحرب الأهلية بأنها كانت وسيلة لبسط هيمنة الشمال على الجنوب بالقوة العسكرية مما يعد إلغاء للأسس التي قامت عليها الوحدة، وبالتالي فإن هذا التيار يطرح مطلب بضرورة إصلاح مسار الوحدة والعودة إلى الأسس التي قامت عليها عام ١٩٩٠.
وبالإضافة إلى تبني الاشتراكيين - الذين خسروا السلطة بعد هزيمتهم في الحرب - لهذا الموقف، فهناك أيضًا مجاميع المعارضة الخارجية التي تتفق مع الاشتراكيين في هذا الصرح، وتقدم نفسها على أنها ممثلة للجنوب تجاه حكم الشمال.
ومع أن التأثير الإعلامي لمثل هذه الطروحات قوي غير منكور إلا أن التحدي الذي يمثله التيار المطالب بإصلاح مسار الوحدة لا يمثل حقيقة ملموسة في موازين القوى، فالحزب الاشتراكي يعاني من وجود تيار قوي داخله يعارض أن يكون مطلب إصلاح مسار الوحدة واجهة لنعرة شطرية أو محاولة لترويج مبدأ الجنوب مقابل الشمال ويطالب في المقابل بإصلاح مسار الوطن كله هذا التنازع داخل الحزب الاشتراكي ما يزال يثير إشكالات صعبة داخل أروقته.. وتضطر القيادة الحزبية لمراعاة التيار الأول رغم محدوديته، خوفًا من حدوث انشقاقات على أساس مناطقي تزيد من ضعف الحزب الذي ما يزال يعاني من آثار هزيمته.
ومن جهتها، فإن السلطة تستفيد - قطعًا - من وجود تيار يدعو إلى إصلاح مسار الوحدة لأنه يوفر لها فرصة لتجديد اتهام الحزب الاشتراكي بالانفصالية، ورفض الوحدة بناء على حسابات شخصية ومصالح حزبية وتنحو السلطة في الواقع إلى تنفيذ عملية تنمية غير عادية في المحافظات الجنوبية والشرقية التي عاشت في ظل حكم الاشتراكيين، وترى أن هذا الأسلوب هو أبلغ رد على تيار إصلاح مسار الوحدة.
لكن الحقيقة أيضًا أن هذا التيار سوف يظل يشكل تحديًا سياسيًا وإعلاميًا يستمد قوته من مظاهر الاختلالات التي تحدث في كل المناطق، لكن يتم تسخيرها لاستثارة النعرات العصبية واعتبارها دليلًا على صحة موقف الداعين الإصلاح مسار الوحدة.
تحدي القبول بالديمقراطية: ومن التحديات التي تواجه اليمن الموحد ما يتعلق بجوهر النظام الديمقراطي القائم على التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة، فهناك تحفظات حول جدية الأخذ بما جاء في الدستور حول هذه المسائل، لكن هذه التحفظات تختلف حدتها من حزب معارض إلى آخر، فيما ترى السلطة أن العملية الديمقراطية على خير ما يرام.
ولا شك أن الديمقراطية لا يمكن أن تصل إلى صورتها المطلوبة في بلد كاليمن عبر السنوات القليلة التي مضت وبالنظر إلى المواريث النفسية والسياسية واختلال موازين القوى في المجتمع ولعل هذه الحقيقة هي التي تدفع قوى رئيسة مثل التيار الإسلامي إلى ممارسة نوع من المعارضة الواعية المستوى التطور التاريخي والسياسي والمواريث المذكورة لكيلا تحدث انتكاسة.
ومثلما يتخذ تيار إصلاح مسار الوحدة من وجود الاختلالات فرصة لتبرير وجوده، فإن ضعف الأداء الواضح للتوجه الديمقراطي وتغول السلطة وهيمنتها على كل شيء يمده - كذلك - بزاد مستمر لتأكيد طروحاته في أن الوحدة المشروطة بالديمقراطية قد فقدت ركنًا أساسيًا من شروط صحتها، وهو النظام الديمقراطي القائم على التبادل السلمي للسلطة وحرية الأحزاب والنقابات التي تعاني هي الأخرى من تدخلات السلطة ومحاولات اختراقها أو تفتيتها أو إلغائها أو تهميشها.
تحديات أخرى: التأزم الاقتصادي أيضًا من التحديات التي تواجه اليمن لأنه يوفر فرصة لتحميل الوحدة كل أسباب الحالة السيئة التي يعيشها المواطنون. كما أن أنباء مظاهر الفساد المالي والإداري التي يعترف الجميع بوجودها، توفر فرصة لتوجيه سهام النقد للسلطة على أساس أن هذا يشكل تهديدًا للوحدة ذاتها ويبرر نقمة الناقمين عليها.
بالإضافة إلى ذلك، فهناك مصدر آخر للتحدي يرى أن تحالفات السلطة لها مظهر مناطقي وقبلي يضر بالآخرين، ويستفزهم لتحالفات مماثلة وبالطبع فإن مثل هذا التفسير يثير حساسيات تاريخية وسياسية ومذهبية تستفيد منها قوى إصلاح مسار الوحدة في تأكيد طروحاتها.
ويمكن القول أيضًا إن علاقة الحزب الحاكم. أو بالأدق علاقة الرئيس علي عبد الله صالح بالإسلاميين المنضوين في التجمع اليمني للإصلاح تشكل إحدى ملامح التحدي المستقبل النظام السياسي، فطوال السنوات العشرين الماضية نجح التفاهم بين الطرفين في تجنيب اليمن المشكلات التي حدثت في عدد من البلاد الأخرى.. ونجح تحالف الطرفين في هزيمة التمرد الشيوعي في الثمانينيات، وفي هزيمة الانفصال عام ١٩٩٤م. واختلفا في عدد من القضايا كالاقتصاد والعلاقات الخارجية، وليس سرًا أن هناك تيارات داخل الحزب الحاكم تكن عداء شديدًا للتيار الإسلامي وتسعى جاهدة لتقديمه في الداخل والخارج كصورة من صور الإرهاب» لكن امتلاك الرئيس للقرار الأخير في حزبه يعمل على تحجيم تيار العداء للإسلاميين، وهناك قناعة بين الطرفين بأن الصدام بينهما ليس المصلحة أحد طالما التزم الجميع بالدستور والقوانين المنظمة للعمل السياسي.
ويقود الإسلاميون تيار الداعين لإصلاح الأوضاع سلميًا وبطرق قانونية، وباعتماد الحوار والنصيحة، وتولدت لديهم قناعة بأن المحافظة على الموجود، والسعي لتطويره تدريجيًا هو أفضل وسيلة لتجنيب اليمن أخطار الصراع المجهولة نتائجه، والمأساوية أثاره على الجميع سلطة ومعارضة، وخاصة أن الصدام بين السلطة والإسلاميين - لا قدر الله - أمر يختلف كثيرًا عما يحدث بين السلطة وأي حزب معارض، لأن للإسلاميين وجودًا شعبيًا مؤثرًا، ويحظون بتعاطف قطاعات كبيرة من المواطنين، كما أن الاستعداء ضدهم يفشل مرارًا نتيجة التزامهم بالعمل السلمي والعلني وارتباطهم الوثيق بالمواطنين.