العنوان (سورية) شعب حضاري عريق.. ورئيس طبيب غريب !
الكاتب محمد فاروق البطل
تاريخ النشر السبت 11-يونيو-2011
مشاهدات 59
نشر في العدد 1956
نشر في الصفحة 22
السبت 11-يونيو-2011
● أني لك يا بشار أن تفهم طبيعة هذا الشعب ونفسيته وتاريخه حتى تحسن التعامل معه
● أول إنجاز قام به شعبنا المؤمن الحر في مظاهراته هو تهشيم تماثيلكم وتمزيق صوركم
ثبت علمياً وتاريخياً وحضارياً أن الرئيس والقائد الذي لا ينتمي لشعبه، ولا يعرف قيمه ومثله، ولم يدرس تاريخه وحضارته، ولم يحط بمكوناته وشرائحه، هو قائد فاشل لا يستطيع أن يحكم شعبه إلا بقوة الحديد والنار، بل لا يحس بالأمن تجاه شعبه، وإنما هو خائف مذعور يحيط نفسه بالحرس المدجج بالسلاح، بل لا يكاد يهنا بنوم في قصر واحد ، وإنما هي قصور متعددة يتنقل بينها بين ليلة وأخرى لا يعرف مواقيتها وأماكنها إلا القلة القليلة من الحاشية؛ وذلك خوفا من أن يدركه الثائرون أو الانقلابيون من هنا تأتي أهمية الحرس الرئاسي والحرس الجمهوري عند هؤلاء الطغاة، يعلقون عليه كل أهمية في حماية حياتهم، ويزودونه بكل سلاح متطور فتاك، ويختارون له أنجح القيادات، ويمنحونه أعلى الميزانيات ويجهزونه، ليس من أجل مواجهة الشعب الأعزل فقط، بل من أجل مواجهة الجيش الوطني بكامله، إذا ما فكر بانقلاب أو ثورة.
ومن هنا أيضاً يأتي الحديث عن خطورة الفرقة الرابعة الحرس الجمهوري بقيادة العميد ماهر الأسد الذي هو أشبه ما يكون بالسفاح عمه العميد «رفعت الأسد». وجيشه المسمي: سرايا الدفاع طغيانا وعتوا واستكبارا، وتعطشا للدماء، وتعصبا للطائفة، واستعدادا - وبدون حدود - لارتكاب كل جريمة وكل مجزرة، تمسكا بالسلطة، واستئثارا بالحكم، وحفاظا على مكتسبات الطائفة التي وضعت يدها علي كل مفاصل الحكم في سورية عسكريا وأمنيا وسياسيا وإعلاميا واقتصاديا وتشريعيا . كل هذا يعرفه الرئيس السوري بشار»، ويعرف أكثر منه، وليس بحاجة إلى مثلي حتى يُعرفه بما يمتلك هو وزبانيته من وسائل القمع والإرهاب، وردع الأحرار، وترويع الآمنين، فالحرس الجمهوري جاهز، والفرقة الرابعة جاهزة، والميليشيات المسلحة جاهزة والشبيحة جاهزون طوع أمره. وأقدر أن المدرسة التي تخرج منها قد كونته وأعدته لمثل هذه المرحلة، هذه المدرسة هي أولا مدرسة أبيه حافظ أسد»، فقد ترك له منهج حكم وأسلوب عمل، وسيرة طغيان، ووصايا تسلط واستبداد .
أما المدرسة الثانية؛ فهي مدرسة اللواء محمد ناصيف قائد المخابرات السابق، والمستشار الأمني والطائفي سابقاً ولاحقا لـ «حافظ» وولده «بشار»، وحين عاد بشار» إلى دمشق من بريطانيا، أوكل الأب إلى ناصيف إعداد بشار» للرئاسة أمنيا وسياسيا وطائفيا، ومازال مستشاره في الظل، ولو كان ظاهر منصبه هو مساعد
نائب رئيس الجمهورية فاروق الشرع». ولا ننسى أيضا أن مدارس طفولته في كل المراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية كانت سلسلة مدارس أجنبية، ومن شأن هذه المدارس التنصيرية سلخ مقومات الشخصية العربية والإسلامية من الطالب وسلب القيم والمثل التي تتحلى بها تلك الشخصية، فطريا وتربوياً واجتماعياً وسلوكياً، إضافة إلى أن هذه المدارس تعمل جاهدة على تجهيل طلابها بالتاريخ العربي والإسلامي، في مقابل إبراز التاريخ الأجنبي، وإظهار آثار الحضارة الأوروبية وأفضالها على العالم العربي. وبالتالي، أستطيع الجزم بأن «بشاراً» يجهل تماما تاريخ العرب، وتاريخ المسلمين وتاريخ الحضارة الإسلامية، وتاريخ الشعب السوري في ماضيه وفي حاضره.. أستنتج هذا من المدارس التي أشرفت على تكوين ثقافة «بشار»، وبناء فكره وشخصيته، وهي:
أ - مدرسة الأب الدكتاتورية.
ب- مدرسة «اللايبك» الفرنسية في المراحل الدراسية الأولى.
ج- مدرسة محمد ناصيف المخابراتية الطائفية.
د - كلية الطب في سورية ثم في بريطانيا .
هـ - ولا أدري إن كان أبوه قد اختار له في بريطانيا من الدهاة الإنجليز، ومن الخبراء السياسيين والمستشارين الأمنيين ليدربوه على فن الحكم فيما يحقق أهدافهم واستراتيجيتهم، كما يفعلون دائما مع أبناء العرب الذين يدرسون المستعمرات وطلباته.
الزعماء والقادة لديهم، بل وكما فعل أبوه حين كان يذهب سرا عن الرفاق إلى بريطانيا ليلتقي وزير البريطاني، ويتلقى توجيهاته وبالتالي، فأني لك يا «بشار»! أن تفهم طبيعة هذا الشعب ونفسيته وتاريخه، حتى تحسن التعامل معه، وحتى تسوسه بما يتفق وعقيدته وإرثه الحضاري وتاريخه السياسي، وقيمه الإنسانية، وشريعة الحق والعدل والقانون التي جاء بها دينه؟! ولعلك - يا «بشار»! - كنت طفلاً صغيراً، أو لم تولد بعد حين كان ثمن جهاز الراديو مرتفع السعر في بداية اختراعه، فاقتناه أبناء المدن والأرياف، والأغنياء والفقراء الرجال والنساء، من أجل أن يتابعوا نشرات الأخبار والتعليقات السياسية، سواء منها الأحداث السورية، أو العربية بل والدولية حتى لقد أطلق على الشعب السوري أنه الشعب المسيس، وقد نسب إلى «تشرشل» القول بعد أن شكى من تمرد هذا الشعب وولعه بالسياسة : إن الشعب السوري لا يعرف أن يحكم نفسه، ولا يمكن أحدا أن يحكمه.
وأزيدك من القول: إن شعبنا في سورية نسي تصنيفاته الطائفية والقبلية والعشائرية والعائلية والجغرافية التي كانت فرنسا المستعمرة تجهد في تغذيتها واستثمارها ... ليغلب عليه التصنيف السياسي بين يمين ويسار، وتقدمي ورجعي، فكنت تجد أن القرية الواحدة، والبيت الواحد والعشيرة الواحدة كانت تتوزعها هذه المكونات السياسية .. كل هذا لا تعرفه أنت بالتأكيد ! وكيف تعرفه وأنت لم تكن قد ولدت بعد، وجاء من جهلك بحقيقة هذا الشعب ؟!
هل نسيت أن شعبنا السوري يدين بالتوحيد عقيدة، وبالقرآن دستورا وبالإسلام منهجا ؟ وبالتالي فهو أصيل في ثقافته، عميق في فكره، قوي في عقيدته، رباه الإسلام على العزة والكرامة على العدل والحرية، على الشجاعة والإباء، على التضحية والبذل.. رباه الإسلام على ألا يذل إلا لله تعالى !!
إن أول إنجاز قام به شعبنا المؤمن الموحد الحر في مظاهراته، هو أنه عمد إلى تماثيلكم وأصنامكم فهشمها وجعلها جذاذا تدوسها الأقدام، وعمد إلى صوركم فمزقها . وأخيرا : فإن مما يثبت جهلك يا «بشار»
بهذا الشعب الذي تتهمه بقصوره وعدم أهليته للديمقراطية !! إنك لا تعلم أن هذا الشعب هو الذي علم الدنيا أصول الحكم، ونشر في ربوع العالم قواعد الحضارة، وأجرى في بلاد العالم ينابيع الثقافة، فالعالم كله مدين للحضارة العربية الإسلامية التي انطلقت من دمشق في عصر الخلافة الإسلامية الراشدة وعصر الخلافة الأموية الزاهرة. إن شعبنا في سورية يا سيادة الرئيس هو وريث أعظم دين، وأعظم حضارة، وأعظم حكم ..
وحتى أعرفك يا بشار بحقيقة هذا الشعب الذي تجهله، أذكرك بما يلي:
أ- تأمل في المظاهرات التي تعرض على التلفاز، وانظر في وجوههم، فماذا ترى؟ ترى أن كثرتهم الكاثرة من الشباب الذين تسمونهم «شباب البعث» هؤلاء الذين ربيتموهم في طلائع البعث ونظمتموهم في حزب البعث ولقنتموهم عبادة الفرد، وتأليه الطاغية حافظ أسد»، ثم ها هم يثورون ضدكم ويطالبون بسقوطكم، ويهشمون أصنامكم ... إلا يدل هذا على أصالة هذا الشعب وأنه سيبقى عزيزاً كريماً، حراً أبياً، عبداً لله رغم كل الزيف والتشويه والإفساد الذي ما رستموه خلال أربعين عاما أو يزيد، بل مع كل الاضطهاد والظلم الذي لحقتموه بآبائهم وذويهم ؟! لم تنفع تربيتكم، ولا مبادئكم، ولا
شعاراتكم.. في تغيير عقيدة هذا الشعب وتغيير قناعاته، وتشويه ثقافته، ولم تستطيعوا إفساد قيمه، أو تبديل مثله .. لقد خرج هؤلاء الشباب يهتفون: الله أكبر.. الله أكبر الموت ولا المذلة، ثم يقيمون الصلاة جماعة في ميادين تجمعهم، رغم ما زعمه البوطي أن جباههم لا تعرف السجود !!
ب- وأدعوك أن تتأمل ثانية في هذه المظاهرات، وانظر في وجوه المتظاهرين فماذا ترى؟ بالتأكيد سترى وجوه الفلاحين وأبناء الريف في مختلف الأقضية والقرى والنواحي.. هبوا يتظاهرون.. وقبل أن تتظاهر المدن الكبيرة، وهم الذين نافقتم لهم طويلا، وكذبتم عليهم كثيرا، ووعدتموهم ومنيتموهم كذبا أن الأرض لمن يفلحها وأنها لمن يصلحها ويزرعها، وحسبتم أنكم كسبتموهم إلى جانب البعث، كقوى احتياطية ولكن ماذا حدث العكس.. خرجوا في مظاهراتهم يعبرون عن أصالتهم وانتمائهم العقيدة هذا الشعب مجاهرين بعد اوتهم لهذا النظام وحزبه وظلمه ودكتاتوريته.
وقد كان محل العجب والدهشة أن المدن قد تلكات، وتأخرت في إعلان الثورة واللحاق بركبها، لكن هذه القرى والأرياف تحركت عن بكرة أبيها، من درعا وقراها في الجنوب.. إلى الجزيرة والقامشلي ودير الزور في الشرق !! تفسير ذلك ليس صعباً ولا عسيراً على من أوتي العلم والفهم؛ ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ ( الحج 46)، والحمد لله رب العالمين ..
(*) كاتب سوري
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل