; إشارات.. حقل التجارب | مجلة المجتمع

العنوان إشارات.. حقل التجارب

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 11-مايو-1976

مشاهدات 122

نشر في العدد 299

نشر في الصفحة 17

الثلاثاء 11-مايو-1976

بقلم: ع

منذ مطلع النصف الثاني من هذا القرن والعالم الأفروسي عامة، والإسلامي خاصة، حقل لتجارب قادة الاستعمار الجديد في بلاده يتلمسون خطاهم وصوابهم، وعن طريق كوادره القيادية يصلون إلى أحسن السبل لحماية وجودهم ومستقبلهم، وبالتغيير المستمر لخرائطه وأوضاعه يضعون أيديهم على أسباب انتصارهم وتقدمهم، ولن يكون ذلك كله إلا على حساب أبناء هذا العالم المنكود أنفسهم، لأنهم هم المادة الخام التي يعتمدها الاستعمار الجديد لبناء استراتيجيته المتطورة في صراعه للسيطرة على العالم ووقف الخطر الشيوعي بكتله العديدة المتزايدة.

إن هذا العالم الثالث هو صمام الأمان في هذا الصراع، ولكنه ليس أمان الكتلة الأفروسية ولا سلامها، إنما المراد أمان العالم الغربي وسلامه، ومن ثم كان قادة هذا العالم مستعدين لمعاملة مواقع الكتلة الأفروسية، لا وفق متطلباتها ومصالحها وأهدافها، ولكن وفق متطلبات القيادة الغربية ومصالحها وأهدافها.. وهكذا ينفتح هذا التعامل على كل الأساليب التي يمكن أن تحقق هذه الأهداف بغض النظر عن مقدار الشرف في هذه الأساليب، وهكذا أيضًا كان هذا التعامل يضع في حسبانه كل شيء إلا الخامة البشرية للكتلة الأفروسية التي لا تعدو أن تكون وقودًا يضيء للغربيين سبل انتصارهم وتفردهم في قيادة العالم.. وهكذا أجريت مذبحتا «الموصل» و «زنجيبار» باسم الشيوعية، وتمردا «بيافرا» و «جنوب السودان» باسم التحرر الوطني، وانقلابات الدول الأفريقية التي جاوزت العشرين باسم الديمقراطية.. وهي ليست في حقيقتها سوی تجارب جديدة تجريها القيادات الغربية عن طريق صنائعها في أفروسيا للوصول إلى أضمن الطرائق لوقف المد إلى الشيوعي.

أن الانقلابات العسكرية المتلاحقة التي تشهدها دول هذا العالم يوما بعد يوم وحينًا بعد حين، والمجازر الدموية التي ترافق هذه الانقلابات أو تعقبها، والتغييرات الاقتصادية المتأرجحة كالبندول بين اليمين واليسار، والحرية الضائعة بين مجانية أخلاقية تتميع معها الأشياء والعلاقات وتفقد شكلها وصلابتها وبين بوليسية إرهابية تحاسب الناس حتى على الهواء الذي يتنفسوه، والقلق المدمر الدائم من أن وضعًا ما لا يمكن أن يدوم طويلًا، وأن ما سيعقبه من تغييرات جديدة سيجيء عاجلًا أم آجلًا.. والثقافة والإعلام التي تعاني ازدواجًا خطيرًا بين المثاليات والانتماءات التقدمية الزائفة، وبين ما يحدث فعلًا في عالم الاجتماع من ظهور طبقة جديدة مترفة متنعمة، وفي عالم السياسة من ارتباطات رجعية وتنازلات مخزية.. هذه كلها لا تمثل سوى مساحات محدودة من التجربة التي تمارسها الإمبريالية للوصول إلى الأضمن والأحسن.. الأضمن بالنسبة لتفوقها الاستراتيجي، والأحسن بالنسبة لمستقبلها ووجودها.. 

أما المساحات «الأخرى» اللامنظورة في خارطة التجربة فإنها تضم تعاليم وقيمًا وارتباطات وخططًا لا يسمح لكل أفروسي أن يطلع عليها، وإلا أطاح به الحراس الذين نصبتهم المخابرات الغربية لصد كل الطامحين للكشف والمعرفة وإزالة الأستار  عن الأسرار.. وقلة قليلة من أبناء هذه الكتلة الضخمة هي التي تمنح حق الاطلاع والإسهام، تلك التي ربيت على عين الإمبريالية ورعايتها، وصيغت صياغة خاصة، وأرضعت لبنًا خاصًا تشربته دماؤها وخلاياها، ومن ثم سمح لها أن تصل إلى القمة على حين غفلة، بانقلاب عسكري، أو بقفزة «دستورية» مهدت لها أجهزة الإعلام والتخطيط.

وهناك، في القمة تستطيع أن تحيط علما بأبعاد الخارطة المرسومة ومساحاتها، إذ لا خوف ولا خطر من تراجع أو رفض أو تمرد، لأنها- وهي في القمة- إنما تقف على الخط الدقيق الفاصل بين النعيم والجحيم، بين البقاء في القمة والسقوط إلى الحضيض، بين الدعاية الواسعة العريضة، وبين تسليط شائعات الزراية والامتهان والاحتقار.

باختصار إنها تقف بين الحياة والموت.. وأي إنسان، لا تحصنه العقيدة ولا تحميه من الداخل التزاماتها وضبطها الذاتي، يمكن أن يختار الموت على الحياة، والاحتقار على الشهرة، والجحيم على النعيم، إلا أن يكون ساذجًا أو مجنونًا؟؟

الرابط المختصر :