العنوان إشكالية اندماج المسلمين في الغرب
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الأحد 19-يناير-1992
مشاهدات 154
نشر في العدد 985
نشر في الصفحة 35
الأحد 19-يناير-1992
مع اقتراب موعد الانتخابات الجهوية في فرنسا خلال شهر آذار (مارس) القادم بدأ الحديث من جديد عن المسألة القديمة الجديدة المتمثلة في الهجرة الإسلامية منها بالخصوص ومدى قابليتها للاندماج في المجتمع الفرنسي. ولئن تزامنت هذه الحملة مع الضجة الإعلامية والسياسية حول احداث الجزائر وانعكاساتها على الجالية الإسلامية المقيمة في فرنسا فإن هناك العديد من الملفات الخاصة بظروف المسلمين وأوضاعهم في المهجر مازالت معلقة مثل مسألة الحجاب التي لم يحسم بشأنها بعد مجلس الدولة (أعلى سلطة دستورية)
ومن بين الملفات الجديدة ما يتعلق بالمؤسسات والجمعيات.. وآخرها مشروع
«المعهد الأوروبي للدراسات الإنسانية في فرنسا» الذي فتح أبوابه في الأسبوع الأول
من هذا الشهر (يناير) قرب مشاتو شينون المعقل الانتخابي السابق للرئيس ميتران فما
هي أهداف هذا المشروع؟ وما هي أبعاد الحملة الإعلامية ضده؟
دور متقلص
لكي يفهم الإطار الذي يتنزل فيه هذا المشروع لابد من ربطه بواقع
الدعوة الإسلامية وأوضاع المسلمين في الغرب عموما وفرنسا خصوصا وتكفي قراءة سريعة
لهذه الأوضاع للاستنتاج بوجود مفارقة بين الكم العددي والوزن الحضاري بكل أبعاده
وبين ما تعيشه البلدان الإسلامية من مخاض يبشر بنهضة إسلامية ثقافية وسياسية وبين
الحيز الضيق الذي تحتله الجالية الإسلامية في المهجر على ساحة الفعل السياسي
والاقتصادي والعلمي من جهة والحصار الذي تواجه به المشاريع التي يبادر بها أبناء
هذه الجالية من جهة أخرى.
ونتيجة لهذا الوضع تضخم الجسم الإسلامي المهاجر، في حين تقلص دوره،
فكان هذا المشروع الذي سهر على إنجازه اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا من أجل
سد إحدى الثغرات المهمة التي تعاني منها الأجيال المسلمة والمتمثلة في التوعية
الدينية، وذلك عن طريق تكوين دعاة مقيمين في أوروبا.
يقول الدكتور زفير محمود في هذا الصدد: هدفنا يتمثل في تكوين مختصين
في الإسلام وأئمة عايشوا واقع هذا المجتمع حتى لا يضطر المسلمون إلى الاستعانة
بأئمة من الخارج لا يعرفون أوروبا.
توعية دينية
وفي هذا الإطار فتح المعهد الأوروبي للدراسات الإنسانية في فرنسا
أبوابه لخمسين طالبا ثلثهم من فرنسا منهم اثنان أجنبيان مقيمان هناك، والآخرون
فرنسيون من الجيل الثاني للمهاجرين، والبقية من بلدان أوروبية مثل يوغسلافيا
وبلغاريا ورومانيا والجزء الغربي من الاتحاد السوفياتي.
|
* فتح المعهد الإسلامي أبوابه لخمسين طالبا تلتهم من
فرنسا والباقون من دول أوروبية |
وسيدرس هؤلاء الطلبة خلال دورات على مدى أربع سنوات بنفس النظام
المعمول به في التعليم الفرنسي.. الإسلام وتاريخه ونصوصه والقرآن والسنة، بالإضافة
إلى تعلم اللغة العربية والفرنسية لمن يجهلها إلى جانب الحضارة الأوروبية وبقية
الديانات الممارسة في أوروبا.
وسيقوم على التدريس أساتذة مسلمون ومنهم رئيس اتحاد المنظمات
الإسلامية في فرنسا والشيخ فيصل المولوي وكذلك أساتذة فرنسيون من ديانات مختلفة.
أما مدير المعهد الدكتور زهير محمود فهو من أصل عراقي ويدرس الفيزياء
بجامعة بلفور شرق فرنسا، ومقيم في هذا البلد منذ ۱۹۷۸م وهو مطلع عن قرب عن الواقع الغربي وكذلك
الإسلامي في المهجر وبذلك يكون منسجما مع إستراتيجية المعهد في تكوين أئمة مندمجين
في المجتمعات الغربية.
|
* السلطات الفرنسية تحاول التضييق على المعهد
الإسلامي وتسعى لإنشاء معهد غيره على النمط الفرنسي |
الاندماج
وعلى ذكر الاندماج فهو المحور الذي يدور حوله الجدل الكبير في الأوساط
الإعلامية والسياسية فيما يتعلق بالجالية الإسلامية ومؤسساتها فقد شن «ريمون جانو»
رئيس المجلس الجمهوري في فرنسا حربا على هذا المعهد وأرسل خطابا إلى وزير الداخلية
جاء فيه: وهناك أخبار رائحة تقول إن لهؤلاء علاقات مع أطراف معادية للحضارة
الغربية، كما أثار كاتب الدولة للاندماج كوفي يمنيانش العديد من التحفظات حول
تأسيس هذه المؤسسة الإسلامية، ففي تصريح لصحيفة فرانس سوار يقول: إن العديد من
الشخصيات المكونة للمجلس العلمي أو مجلس الإدارة للمعهد لهم علاقات وطيدة مع حركة
الإخوان المسلمين.. ونفس الشيء بالنسبة لمسألة التمويل التي أثيرت حولها العديد من
التساؤلات.
ويرى كوفي يامينان أن الحل الأفضل والأكيد يتمثل في تأسيس معهد لتدريس
الديانة الإسلامية كما ينتظره الإسلام ذو الطابع الفرنسي واقترح التفكير في فتح
مثل هذا المعهد الذي يمكن أن تحتضنه ستراز بورغ المدينة الأوروبية والمكان المتميز
التعليم الديانات.
|
* شن رئيس المجلس الجمهوري في فرنسا حربا ضد المعهد
وأثار حوله كثيرا من الشبهات |
الهوية
وهنا بيت القصيد فالجهات الرسمية تحاصر كل مبادرة خارجة عن الإطار
الذي وضعته والمسمى «مجلس التفكير حول الإسلام في فرنسا»، وفي المقابل تشجع كل
محاولة تتنزل في إطار إسلام ذي ألوان فرنسية أو ذي طابع فرنسي من أجل الذوبان في
الحضارة الغربية بدل التعايش والاندماج الإيجابي الذي يحترم ويحافظ على هوية
الأقليات ومنها الإسلامية الموجودة في الغرب.
وبالتالي يمكن فهم أبعاد الحملة الهوجاء على هذه المؤسسة الإسلامية
التي وضعت الإصبع على الموطن الحساس وهو موضوع التعليم والتربية الذي يعتبر بمثابة
المفتاح للتعبير عن الحضور والدور الإسلامي في المجتمعات الغربية.