; إصدارات مختارة (العدد 1298) | مجلة المجتمع

العنوان إصدارات مختارة (العدد 1298)

الكاتب يحيى بشير حاج يحيى

تاريخ النشر الثلاثاء 05-مايو-1998

مشاهدات 67

نشر في العدد 1298

نشر في الصفحة 53

الثلاثاء 05-مايو-1998

فلسطين واليهود في مسرح على أحمد باكثير

يرجع اهتمام الأديب عبد الله الطنطاوي بأدب باكثير إلى أكثر من ربع قرن حين أصدر كتابًا عن باكثير في مدينة حلب معرفًا بأدبه، وكاشفًا عن معدنه وأصالته، وفاضحًا الذين كانوا وراء الحملة المتهالكة لحجب الأديب الكبير عن أنظار الجيل، وما يحمله أدبه من قيم إسلامية، واهتمام بقضايا المسلمين وعلى رأسها قضيتهم الأولى القضية الفلسطينية، ويأتي هذا الكتاب اليوم ضمن مشروع كبير ينهض به أديبنا الطنطاوي في تجلية وجه الأدب الأصيل.

ويتوقف المؤلف عند مسرح باكثير السياسي مركزًا على مسرحياته «شيلوك الجديد – مسرح السياسة – شعب الله المختار، إله إسرائيل - التوراة الضائعة» التي تحدثت بشكل واضح ومباشر عن القضية الفلسطينية والصراع مع اليهود المغتصبين، ويكاد يكون علي أحمد باكثير بين كتاب المسرح العربي الذي أهمته الوحيد القضية الفلسطينية في وقت مبكر جدًا، وتنبه لأخطار اليهودية الصهيونية بدءًا من مسرحيته (شيلوك الجديد التي كتبها عام ١٩٤٤م) وهي مسرحيتان في كتاب واحد، الأولى (المشكلة) والأخرى (الحل) ففي الأولى رصد لجو النكبة قبل حدوثها بأربع سنين، وفي (الحل) يستطلع الكاتب المستقبل من خلال دراسة الماضي، وكأنه يتوقع ما سيحدث.

 وفي (مسرح السياسة) جمع باكثير اثنتي عشرة تمثيلية، ست منها كانت تتحدث عن اليهود والقضية الفلسطينية، والست الأخرى تناول فيها قضايا العرب والمسلمين مع الاستعمار البريطاني والفرنسي والروسي الأحمر، ونقف عند تلك التي تعالج القضية الفلسطينية لتشهد فصلًا جديدًا من فصول الصراع مع الصهيونية الخبيثة يرصد له باكثير – رحمه الله – وهو يلاحقه في مختلف الدهاليز التي أدخلت فيها القضية؟ فعن شراء ذمم الوزراء والمندوبين والموظفين في هيئة الأمم المتحدة تحديدًا في أواخر الأربعينيات من هذا القرن، كانت تمثيلية (السكرتير الأمين) الذي لم يكن سوى عميل للوكالة اليهودية والجمعية الصهيونية، لقاء ما يتقاضاه من أموالها، خائنًا لأمانته وأما مسرحية (نقود تنتقم) فقد انتقى لها موضوعًا طريفًا، عندما صور أثر النقود العربية في رجل مسؤول في هيئة الأمم يتعاطف مع أعداء العرب ويقبض الرشوة من اليهود، وقد تحولت إلى عسر هضم استعصى على المسهلات، وحير الأطباء، مما جعل السكرتير العام يطلب من الصراف أن يعزل النقود العربية من راتبه، لأنها انتقمت من جهازه الهضمي، وبدأت تنتقم من جهازه الدموي.

وفي مسرحية «راشيل والثلاثة الكبار» تجري الأحداث في قصر إسرائيل في تل أبيب، حيث تقيم راشيل، ويقيم معها حاجبها دافيد بن غوريون، ووصيفتها جولدا مائير، وراشيل (رمز الصهيونية) حامل، يدخل عليها حجرتها (جون بول) رمز الإمبراطورية البريطانية الذي يعاتبها لأنها اتفقت مع الدب الأحمر (الاتحاد السوفييتي) بدليل اعترافه بها، ومجيء الشيوعيين للقتال معها، ومن ثم الترويج لعقائدهم، ويدعوها إلى الاتفاق مع (العم سام) فتبين له أن مصلحتها فوق الجميع وأن العم سام ليس سوى خادم لديها، وأنها بحاجة إلى دهاء البريطانيين وإلى مساعدتهم لتضع حملها في (۱٥) مايو، وتكمل مسرحية (ليلة ١٥ مايو) الحكاية فعندما تضع راشيل مولودها في الوقت المحدد يسارع العم سام والدب الأحمر وغيرهما إلى التهنئة والتبريك على ما بينهم من خلاف وقد احتوت هذه المسرحية على حوار طريف اطلعنا على التيارات السياسية التي رافقت قيام (إسرائيل) ومع ذلك يبقى باكثير متفائلًا بقدرة العرب على محو إسرائيل من الوجود، حتى في ليلة ميلادها، لو ملكوا الإرادة والتصميم، وتتابع مسرحية «معجزة إسرائيل»، حكاية الحمل والولادة ويدور الحوار بين شخصيات المسرحية السابقة منضمًا إليهم مندوب عن الفاتيكان وسفير جواتيمالا ويظهر من خلال هذا الحوار الاتفاق حينًا، والاختلاف حينًا آخر في تفسير وجود إسرائيل كل حسب خلفيته العقدية.

وفي مسرحية «المقراض»، التي تجري أحداثها في مكتب الرئيس الأمريكي في البيت الأبيض يبدو السفير الإسرائيلي هو الطفل المدلل، ويظهر مدى تحكم اليهود في هذا البيت، وترامي من فيه على خدمتهم من ذلك ما جاء في الحوار على لسان الرئيس الأمريكي: «أستطيع أن أتصور زوال بريطانيا من الوجود، بل أوروبا كلها، بل حتى الولايات المتحدة، ولكن الهلع يقتلني إذا تصورت زوال إسرائيل ويلتفت إلى اليهودي كوهين قائلًا: سجل كلمتنا هذه، وبلغها لحكومتكم ولجميع هيئاتكم في العالم».

وفي حالة من الحزن ومعاناة نفسية عنيفة بعد نكبة عام ١٩٤٨م كتب باكثير مسرحيته «مأساة أوديب»، متذكرًا الأسطورة اليونانية التي كتبها سوفوكليس في مسرحيته أوديب ملكًا، وقد وجد تشابهًا بين شخصية أوديب الذي توالت عليه النكبات، كما توالت على أحرار العرب ومنهم باكثير، الذي ضرب في مسرحيته مثلًا على نوع من الرمز الذي يكون كليًا عامًا شاملًا في المسرحية كلها، بحيث تكون المسرحية واقعية نابضة بالحياة في حوادثها وشخوصها.

وفي مسرحية «شعب الله المختار»، هدف باكثير إلى تسفيه هذه الغربة في ملهاة من أربعة فصول، فتعرض للهجرة اليهودية إلى فلسطين مبينًا أن الكيان الصهيوني يحمل بذور فناته في داخله، كاشفًا عن مادية يهود وعن بخلهم، وفي هذه المسرحية يتوقع قيام ثورة شعبية عارمة، وهي رؤية جديدة لانقراض الكيان الغاصب الدخيل.

وأما مسرحية «إمبراطورية في المزاد»، فعلى الرغم من أنها موجهة بالدرجة الأولى إلى الاستعمار البريطاني (الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس) إلا أن حظ اليهود فيها يبقى وافرًا، إذ يبرز النفوذ الصهيوني في الأحزاب البريطانية حزب العمال، وحزب المحافظين، والحزب الشيوعي، وقد كانت هذه المسرحية إرهاصًا بالمستقبل، وفي مسرحية «إله إسرائيل» استوعب باكثير المشكلة اليهودية منذ أقدم عصورها حتى يوم كتابتها.

وكانت مسرحية «التوراة الضائعة»، آخر مسرحية كتبها باكثير بعد نكبة يونيو حزيران ١٩٦٧م، وتتألف من ثلاثة فصول، وعدة مشاهد خيالية وواقعية، وباكثير في هذه المسرحية ما يزال متفائلًا بالنصر رغم المآسي والكوارث، وطرح فيها حلًا جديدًا للخلاص وهو الحركة الفدائية من جهة وحملة توعية لليهود والأوربيين من جهة أخرى.

وفي السطور الأخيرة من كتابه يدعو الأستاذ عبد الله الطنطاوي إلى إعادة طباعة مسرحيات باكثير، وإلى إخراجها على الشاشات الصغيرة والكبيرة لأنها تحمل المقومات الفنية الغنية بعناصر التشويق الكفيلة بنجاحها فنيًا وجماهيريًا.

الكتاب: فلسطين واليهود في مسرح علي أحمد باكثير.

المؤلف: عبد الله محمود الطنطاوي.

 الناشر: الدار الشامية – بيروت – سلسلة كتب قيمة ١٦٠ صفحة من القطع الصغير.

الرابط المختصر :