; «طرابيش الحداثة الأدونيسية» | مجلة المجتمع

العنوان «طرابيش الحداثة الأدونيسية»

الكاتب خالد محمد عبدالله

تاريخ النشر الثلاثاء 14-فبراير-1989

مشاهدات 63

نشر في العدد 904

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 14-فبراير-1989

لما عقد الحداثيون مؤتمرًا للشعر والشعراء في دمشق منذ ظهور جوقتهم واشتداد نارهم وبروز صيحاتهم، دعوا إليه عددًا من الشعراء والأدباء والكتاب وغيرهم؛ لكي يعرضوا للجمهور آخر ما توصل إليه قطارهم من تطور القصيدة العربية بشكلها ومضمونها وغايتها.

كان من جملة من دعي إلى مؤتمرهم هذا الشاعر الكبير الأستاذ عمر أبو ريشة، ولكن أبا ريشة بكبريائه الشعري والفني، وانتمائه الخليلي وبنظرته الثاقبة البعيدة تغيب عن المؤتمر ولم يحضر، وكيف لا وهو من موطن بلد شعراء الأصالة العربية -من منبج– كالبحتري وعبد الله منلا غزيل وغيرهم، ولما سئل أبو ريشة عن سبب تغيبه عن المؤتمر قال:

من القرف، وعلل أسباب قرفه بقوله: من الموجة الطاغية على الشعر تلك الموجة التي يقودها السفهاء والصبيان الذين حولوا مسار القصيدة العربية بشكلها ومضمونها وهدفها ومزقوها شر ممزق.

لقد ألقم الشاعر أبو ريشة الحداثيين وأنصارهم الحجر عندما تغيب، وعندما علل أسباب تغيبه بقوله: من القرف، كيف لا يكون قرفًا وقد بدأوا بتغيير القصيدة الخليلية في شكلها ومضمونها، وقد أطلقوا على إنتاجهم الفني اسمًا هو الشعر الحر، ثم قالوا: الشعر المنثور، ثم تطور أمرهم فقالوا: قصيدة النثر.

وكل هذه المسميات هجينة ليس لها في قاموس الشعر العربي «الأصيل» أصل ولا دلالة، وليس لها معجم تأوي إليه، فهي هجينة بمولدها، هجينة بتركيبها، هجينة بانتمائها، هجينة بلفظها؛ إذ كيف يكون القصيد نثرًا وقصيدًا؟ وكيف يكون الشعر نثرًا والنثر شعرًا؟ وكيف يجتمع الشعر بأسلوبه ومقوماته وموسيقاه مع النثر وأسلوبه ومقوماته في شكل واحد وثوب واحد؟ فهو اجتماع النقاد ولقاء النشاز وزواج المحارم، فإذا كانت بدايتهم شاذة هجينة غريبة، فماذا سنحكم على مولودها؟

هل هو مولود شرعي يعتز بالانتساب إلى أمته وتفتخر أمته بولادته أم أنه مولود هجين غريب عن أمته ووطنه وشعبه؟ يخجل ويتوارى ويتمنى لو أنه بعيدًا يعيش في المفاوز والفيافي حتى لا يراه أحد.

لقد ركب موجة الشعر أناس لا يحسنون السباحة فيه، فلفظتهم أمواج الشعر، كما لفظ البحر فرعون موسى. وقد فتحت الجرائد اليومية صفحاتها لهم؛ ليزينوا الباطل ويجعلوه حقًّا، ويشيدوا بالكافر ويجعلوه مؤمنًا، ويفتخروا بالمرتد ويجعلوه حكيمًا بطلًا ثائرًا كالحلاج وأبي لهب وامرأته حمالة الحطب، فهؤلاء عندهم رمز الصمود، والتحدي، ورمز القوة، والثبات!!

وكانوا إذا سئلوا ما هذا الذي تكتبون، وبأية لغة تتكلمون؟ قالوا: إنه التطور الفني للشعر، ألا ترون كيف يتطور العالم إلى الأمام، هل تريدون منا أن نقف وغيرنا يسير، وأن نتأخر عن ركب الحضارة والتطور وغيرنا يتقدم، لقد أراد الحداثيون أن يتحولوا وأن يتطوروا نحو الأفضل لما يراه ركب الحضارة الغربية والشرقية، ولكن زلت بهم القدم، فمثلهم كمثل رجل أحب أن يطور طربوشه التركي بطربوش آخر يناسب العصر ويلفت النظر، فأخطأ ولبس مكان الطربوش حذاء، ثم سار بين الناس وهو يصيح: أنه التطور والتمدن في لبس الطرابيش، وبعد ألا يحق لشاعرنا الكبير لنسر الشعراء أبي ريشة أن يقرف منهم ومن أساليبهم وإنتاجهم ومعروضاتهم الفوتوغرافية القبيحة.

وهكذا لما أبعد شعراء الأصالة عن الساحة وكمت أفواههم، وقيدت أقلامهم وصورت حرياتهم وسلسلت أفكارهم؛ ظهر خفافيش الظلام يسرحون ويمرحون واستنر بأرضنا بغاث الطير، ولم يكتفِ الحداثيون مما ابتدعوه من الشعر بشكله الظاهري المضطرب، فأرادوا أن يتقربوا من جمهورهم ليظهروا بمظهر الوطنية والنضال، فتحدثوا عن تحرير فلسطين، ووضعوا لنا أسلوبًا وطريقًا لتحرير القدس طريقًا سهلًا غير شائك، ناعمًا غير خشن، لطيفًا غير عنيف، أنه طريق النساء فهو أفضل طريق لتحرير الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.

لا أدري هل المطربة اللبنانية فيروز أكثر وطنية منهم وأصدق لهجة وأقوى عزيمة وأقوم طريقًا عندما تقول الطريق لفلسطين يمر من فوهة بندقية؟؟

وهكذا يأتوننا من كل طريق ومن كل فج، ويلبسون كل موح لينفذوا إلى لغتنا العظمى فيطمسوها، وإلى ديننا فيهدموه، وإلى تراثنا فيقبروه، ولكن خابوا وخسئوا ﴿فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذهَبُ جُفَآءٗ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمكُثُ فِي ٱلأَرضِ﴾ (الرعد: 17). وأقول كلمة أخيرة: فلو استطاع الحداثيون أن يصلوا إلى أهدافهم ومقاصدهم بغير اللغة العربية -كالفارسية والعبرية واللاتينية- لفعلوا حقدًا وحسدًا وغيظًا، قل موتوا بغيظكم قد كشفت أوراقكم، وبانت سوآتكم، وظهرت أحقادكم، وانكشفت ألاعيبكم، فأخرجوا من أرضنا ولا تتكلموا بلغتنا ولا تكتبوا بألفاظنا، فأنتم عنا غرباء في لغتكم، غرباء في فكركم، غرباء في دينكم، في انتمائكم، فاذهبوا واطلبوا العدة والمدد من أسيادكم وأراذل وسفلة وملحدي الشرق والغرب الذين تهللون وتسبحون بحمدهم، فاذهبوا وتكلموا بألسنتهم، فهم إخوانكم وهم خولكم، وهم مواليكم.

الرابط المختصر :