العنوان الأديب الذي قذفت به العاصفة إلى حلبة السياسة د. حارث سيلاجيتش رئيس وزراء البوسنة الأسبق وزعيم حزب «من أجل البوسنة» لـ المجتمع:
الكاتب عبدالباقي خليفه
تاريخ النشر السبت 15-يونيو-2002
مشاهدات 68
نشر في العدد 1505
نشر في الصفحة 40
السبت 15-يونيو-2002
إطلاق صفة الإرهاب على الإسلام هـو الإرهاب بعينه
قدرنا أننا في خط الدفاع الأول مع الغرب وذلك جعلنا في حالة دفاع دائم عن العقيدة والذات
يعتز بأنه ترعرع في رحاب مسجد الغازي خسرو بك، وهو أكبر وأقدم مسجد في البلقان فقد بدأ منذ طفولته في تعلم اللغة العربية وأصول الدين على يد والده كامل «أفندي»، وهذه الكلمة تعني لدى البوسنيين الاحترام والوقار، وكان والده- كما يقول- يدربه على تعلم العربية بوسائل كثيرة من بينها الاستماع إلى الإذاعات العربية ليصقل لغته العربية، وينمي ثقافته ويطلعه على أحوال العالم العربي الذي كان والده شديد الشغف به.
التحق بجامعة بنغازي «كطالب منتظم»، مثله مثل بقية الطلبة العرب الآخرين.
ومما لا يعرفه الكثيرون عن حارث سيلاجيتش معرفته بعدد من اللهجات العربية، ومن ذكائه وسرعة بديهته أنه يحدد موطن محدثه العربي من بداية الحوار معه وينفي الدكتور سيلاجيتش في رده على سؤال بأنه كان يفكر في أن يكون سياسيًا، بل كان يحلم بأن يكون مفكرًا مسلمًا يعتني بشؤون الثقافة والتاريخ، لكن الظروف الاستثنائية التي مرت بها بلاده البوسنة والهرسك لم تجعله مكتوف اليدين ودفعته للمساهمة في تأسيس حزب سياسي يدافع عن حقوق المسلمين في يوغسلافيا السابقة، وذلك من خلال العمل على تحرير المسلمين والدعوة لإرساء علاقات متكافئة ومساواة تامة بين البوسنيين المسلمين وبقية الشعوب التي تشاركهم الأحياء والمدن والأرض ومن ثم دولة البوسنة والهرسك بعد نيلها الاستقلال، حيث يمثل المسلمون الأغلبية.
وعن مغزى موافقته على تقلد منصب أول وزير خارجية للبوسنة والهرسك بعد استقلالها يذكر الدكتور سيلاجيتش أنه وافق على منصب وزير الخارجية عشية الاستقلال في البوسنة والهرسك رغبة منه في توطيد علاقات البوسنة مع الدول العربية والإسلامية ومع محيطها الدولي بشكل يفتح آفاق انخراطها كدولة وشعب أوروبي ذي هوية إسلامية ويقول إنه حاول استغلال هذه الميزات الفريدة لصالح ربط البوسنة روحيًا مع الشرق مؤكدًا انتفاء التناقض بين شرقية الروح وغربية الملامح، ويؤكد سيلاجيتش أن الإسلام دين عالمي جاء للبشر أجمعين، وهو ليس دينًا دخيلًا على أوروبا، بل هو دين أوروبي أيضًا، وليس من الناحية الروحية أو الفكرية فحسب بل الجغرافية أيضًا. وحول إن كانت دراسته لنيل درجة الدكتوراه في الولايات المتحدة قد أسهمت في تكوين صداقات داخلها لصالح بلاده قال سيلاجيتش: بعد انتهاء دراستي الجامعية استأنفت على الفور دراسة الماجستير في جامعة بنغازي، وكان لدي طموح شديد لدراسة الدكتوراه في الولايات المتحدة، وكان موضوع أطروحتي للدكتوراه «علاقات دول البلقان مع الولايات المتحدة الأمريكية»، وأخذت مني الأطروحة المذكورة سنتين من الزمن، أبحث وأنقب في مكتبة الكونجرس الأمريكي والمعاهد والمؤسسات المتخصصة في العلاقات الدولية بالولايات المتحدة الأمريكية، وقد كسبت صداقات عديدة ساهمت كما ذكرت في خدمة القضية البوسنية ومن أصدقائي السيناتور بوب دول والسناتور جوزيف بایدن والسناتور جوزيف ليبرمان ونائب الرئيس السابق آل غور ووزيرة الخارجية السابقة مادلين ألبرايت ووزير الخارجية الأسبق وارن كريستوفر، ووزير الدفاع الأمريكي الحالي بول ها فلوفيتز وعشرات من الأكاديميين الكبار ويقول الدكتور حارث سيلاجيتش إن له علاقات واسعة مع كبار المثقفين في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، فهو أستاذ زائر في عدة جامعات أمريكية وأوروبية عريقة، وهو عضو مشارك في معاهد دراسات دولية واستراتيجية في القارتين الأمريكية والأوروبية.
وعن اهتماماته الأدبية يقول الدكتور حارث سيلاجيتش: «رغم انشغالي بالسياسة لا أعتبر السياسة مهنتي بل هي قدر وضرورة وطنية وأفضل أن أكون مثقفًا وأديبًا وكاتبًا من أن أكون مجرد سياسي. والمجتمع أول مطبوعة دولية تتحدث عن الدكتور حارث سيلاجيتش الأديب الذي لم يفتح قلبه لأحد من الصحفيين للحديث، وفي هذا المجال ذكر أن له ٣ مسرحيات والكثير من القصائد والروايات لم ينشر غالبيتها حتى الآن، حيث إن كل ما يعرفه البعض هو مسرحيته الشهيرة المعروفة «حمدي بك» التي جرى عرضها مؤخرًا في عدد من العواصم الأوروبية، ويقوم مراسل وكالة الأنباء الكويتية ياسين الرواشدة بترجمتها إلى العربية.
· كنتم من الموقعين على اتفاقية دايتون والآن تطالبون ببوسنة بدون كيانات الفيدرالية البوشناقية الكرواتية والحكم الذاتي الصربي هل فاتكم ذلك سابقًا، البعض يقول لماذا لم تطالبوا بذلك في دايتون؟
o اتفاقية دايتون لا تحقق السلام الدائم والاستقرار المطلوب في البوسنة، لقد رضينا بها في عام ١٩٩٥م لأنها كانت تعني وقف الحرب ووقف حمام الدم في البوسنة، وقد كنا على وعود بأن تكون الاتفاقية مجرد نقطة انطلاق لإعادة توحيد الدولة البوسنية، ولذلك أشارت بنودها الأساسية إلى استمرار وجود الكيان السياسي للبوسنة والهرسك
هل تم تطبيق اتفاقية دايتون في بنودها الأساسية وعلى سبيل المثال عودة المهجرين؟
حتى بنود الاتفاقية المتعلقة بإعادة المهجرين لم تنفذ وكذلك التعددية وإيجاد دولة وكيانين داخلها على أساس العدالة والتوزيع الديمغرافي، حتى الحد الأدنى من المساواة لم يتحقق.
ألا يمثل وجود كيانين في البوسنة خطرًا على مستقبلها كدولة في ظل نزعات الانفصال؟
يتفق عرابو الاتفاقية والمطلعون المحايدون على أن وجود كيانين متناقضين داخل دولة واحدة كما هو الحال في البوسنة أمر غير مقبول، لأنه يحمل في طياته توترًا مستمرًا وربما صراعات جديدة، ونحن لا نريد المزيد من الحروب والصراعات، نريد بناء مستقبل مشرق لأطفالنا والمنطقة.
قام التحالف الذي أنتم جزء منه على أساس تحسين الأوضاع المعيشية وتوحيد البوسنة والهرسك ولكن ما نراه هو نزوع الكروات إلى إقامة كيان ثالث والصرب إلى التقرب أكثر من يوغسلافيا.
لذلك نصر الآن على ضرورة تصحيح الأوضاع بالوسائل السياسية وبمساعدة وضغوط الدول الصديقة، لأننا نشعر أن العناصر المتطرفة لدى الصرب والكروات لم تنهزم بعد، وهي لا تزال مؤثرة هنا وهناك، وبالتالي يجب التدخل الدولي وخاصة الدول الموقعة على اتفاقية دايتون ومنها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والتي ضمنت تحقيق بنود اتفاقية دايتون لتصحيح الأوضاع وإقامة دولة بوسنية ديمقراطية.. دولة عادية مثل بقية دول أوروبا والعالم المتحضر دولة يشعر فيها المواطن بأن حقوقه مصانة والأمن والاستقرار مضمون له ولأسرته.
موقع البوسنة والهرسك يجعلها مثل جزيرة وسط بحر من الجيران لا يرغبون في بقائها في حين تطرحون أنتم البوسنة كجسر بين الشرق والغرب، فالتعددية الثقافية فيها وتاريخها يؤهلانها لأن تكون ملتقى الثقافات والحضارات والحوار.
قدرنا في البوسنة بأن تكون على خط الدفاع الأول أو على الخط المتقدم غربًا في العالم الإسلامي، وهذا القدر وتلك الظروف جعلتنا دائمًا في موقف الدفاع المستمر- الدفاع عن الذات والدفاع عن العقيدة، لقد واجهنا بعد انحسار ظل الخلافة العثمانية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين هجمات من جميع الجهات استهدفت وجودنا انطلقت من الصرب شرقًا ومن الكروات غربًا ومن دول أرادت تصفية حساباتها مع الأتراك على حسابنا، وكانت تركيا في أسوا ظروفها، غير قادرة آنذاك حتى على حماية وجودها فضلًا عن الدفاع عنا، لكننا صمدنا ومرت على البوسنيين ما بين الحربين الأولى والثانية تحديات من أجل البقاء، ما زالوا يواجهونها.
ماذا عن فترة الحكم الشيوعي في ظل يوغسلافيا تيتو؟
ربما كان حكم تيتو الشيوعي يمثل فترة وقف مذابح المسلمين، لكنه كان متسمًا بالتزمت تجاه المسلمين فكانت هناك حملات للضغط والترهيب والتغريب والتجهيل الديني والثقافي، وكل ذلك كان مفروضًا على المسلمين قبل تيتو وبعده.
ماذا كان هدف الحرب الأخيرة من وجهة نظركم ۱۹۹۲- ١٩٩٥م؟
هي واحدة من سلسلة حروب لم تستهدف تراب البوسنة، بل وجود سكانها المسلمين الذين أرادوا قيام نظام تعايش متميز بين الأعراق والطوائف المختلفة فيها، ولكن الجيران لم يكونوا يرغبون في ذلك التعايش.
أين تلتقون وتختلفون مع الزعيم البوسني علي عزت بيجوفيتش الذي عملتم معه فترة طويلة، لا سيما وأنكم تحالفتم مع اليسار البوسني ضد بيجوفيتش في الانتخابات الماضية؟
منذ بدأت في النشاط السياسي لخدمة قضية بلادي، وضعت نصب عيني البحث في كيفية حل مشكلاتها بأفضل الوسائل وأقصر الطرق وهذا عمليًا ليس بالأمر السهل، ولذلك كانت لي وجهات نظر تختلف مع الرئيس الرمز علي عزت بيجوفيتش. بالطبع خلافات حول الوسائل والطرق وليس في الأولويات والمبادئ، كان رأيي أننا نستطيع الحصول على حل سياسي أفضل وعلى مكاسب أفضل مما حصلنا عليه حتى الآن، وما زلت أعمل مع قوى سياسية داخل البلاد سواء سميتها يسارًا أو يمينًا، نحن الآن بمنأى عن الترف الأيديولوجي، فإذا كان الأمر يتعلق بمصير البلاد ومستقبلها فيجب أن تمد يديك للجميع، وفي القضايا المصيرية يجب أن تكون المصلحة العليا هي الأهم، ولذلك وجدت أنه بإمكاني التعاون مع أي فريق سياسي تتوافر فيه شروط معينة منها إيمانه ببقاء الدولة وضمان سيادتها وإعادة حقوق الإنسان والدفاع عن القيم المعاصرة التي في مقدمتها الديمقراطية والتعددية واحترام خصوصيات الآخر.
مع من ستتحالفون في الانتخابات القادمة «أكتوبر القادم»، مع حزب العمل الذي أسسه بيجوفيتش أم مع الاشتراكيين الذين أخفقوا حتى الآن في تحقيق وعودهم الانتخابية؟
تحالفي مع أي طرف اعتبره تحالفًا مع قضية البوسنة، وهذا هو الهدف السامي الذي أقبل من أجله التعاون مع هذا الطرف أو ذاك، طبعًا أنا لن أقبل التحالف مع الشيطان من أجل المصلحة ولكنني اتحالف مع البرنامج الذي يخدم مصلحة البلاد، وسلامتها، ويوفر الحياة الكريمة لسكانها من وجهة نظري هذا ما أسعى إليه بقطع النظر عما إذا سأكون وزيرًا أو رئيسًا، بل يمكن للمرء خدمة قضية بلاده خارج الأطر الحكومية والتنفيذية، نحن نريد تطوير عمل المؤسسات المدنية وقطاع الخدمة العامة بشكل واسع ضمن إطار أوسع لخدمة الاستراتيجية، وليس الأفراد والأحزاب، هذا بالنسبة للبعض غير عادي، ولكنني أريد أن أفرض نوعًا من الخدمة خارج الأجهزة التنفيذية والحكومة التقليدية.
ما المجالات التي تعملون فيها خارج الأجهزة الرسمية؟
أنا أستاذ أحاضر وأعمل القضية البوسنة من خلال عشرات المحافل والمقار الثقافية والسياسية والإعلامية والبرلمانية في العالم، وأمامي برنامج غني من الأنشطة في هذه المجالات.
ماذا عن الحزب السياسي الذي أسستموه وأطلقتم عليه «من أجل البوسنة» وهو حاليًا يشارك في الحكم؟
هو أحد الوسائل والقنوات لخدمة قضية البوسنة في الداخل والخارج، وهو ليس هدفًا بحد ذاته فنحن نريد أن نرسي عقلية سياسية متطورة وهذه القناة «الحزب» ليست الطريق إلى الحكم ولكن الضامن المصالح الناخبين الذين يثقون في وطنيته ونزاهته وخدمة قضايا شعبه وأمته والإنسانية جمعاء، ومن جانبي وبناء على هذه الفلسفة أتبرع بمنصبي لأي شخص يحقق الهدف وينفذ البرنامج السياسي المطلوب وهو باختصار سيادة واستقلال وحرية وديمقراطية تضمن للبوسنيين التطور السلمي المطلوب والارتباط بالعالم الخارجي، وبالطبع مع العالم الإسلامي بالدرجة الأول.ى
بعد أحداث 11 سبتمبر اتخذت عدة إجراءات نالت المؤسسات العربية والإسلامية في الولايات المتحدة وأوروبا وتضرر منها عدد كبير من المسلمين الذين وضعوا في دائرة الاتهام وطالت الإسلام، وكانت البوسنة إحدى المحطات، بصفتكم أحد الأصوات المسموعة في ميدان حوار الحضارات في الغرب.. كيف تقيمون هذا الإشكال؟
المسلمون في الغرب يعيشون مرحلة إثبات الوجود والهوية، لا سيما بعد الحملات الإعلامية الظالمة ضد الإسلام بعد 11 سبتمبر. ولذلك يجب القيام بجهد مشترك يحمل أعباء المثقفون الواعون ورجال القلم والسياسة والاقتصاد كل ضمن مجاله وإمكاناته في إطار خطة متماسكة لمواجهة حملات التشكيك والاتهامات التي تتعرض لها الجاليات العربية والإسلامية في الغرب وأنا لا أقول مثل الآخرين تحسين صورة الإسلام، حيث إن صورة الإسلام ناصعة ولكني أقول تقديم الإسلامي الحقيقي بطرق وأساليب حضارية وعقلانية مقنعة وهناك عشرات من المثقفين الأوروبيين الذين يجرون معي اتصالات يطالبون بضرورة تكثيف الجهود لتوضيح صورة الإسلام الحقيقية وإيجاد خطوط تلاقي مع الأديان والمذاهب والأفكار السائدة في عالم اليوم.
هل يوجد إرهاب إسلامي كما يقولون؟
لا يمكننا بالطبع الدفاع عن المتطرفين والمتشددين في صفوفنا وهم ليسوا أكثر عددًا ولا تطرفًا من الإرهابيين والمتشددين في الأديان والأيديولوجيات الأخرى، فلا يوجد إرهاب كاثوليكي، ولا إرهاب أرثوذكسي، أو يهودي، بل يوجد إرهابيون من مجموعات من تلك الأديان والمذاهب والقوميات، لذلك الحديث عن إرهاب إسلامي هو الإرهاب بعينه.