; إعادة كتابة تاريخ صدر الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان إعادة كتابة تاريخ صدر الإسلام

الكاتب أكرم العمري

تاريخ النشر الثلاثاء 20-مارس-1979

مشاهدات 77

نشر في العدد 437

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 20-مارس-1979

المحاضرة التي ألقاها الدكتور/ أكرم العمري.

الأستاذ بجامعة المدينة المنورة.

في جمعية الإصلاح الاجتماعي.

تعريف بالأستاذ المحاضر.

• هو الدكتور أكرم ضياء العمري، يرتقي نسبه إلى الفاروق رضي الله عنه.

• ولد بالموصل، ودرس ببغداد، ومارس التدريس بجامعة بغداد منذ عام ١٩٦٥.

  • نال شهادة الدكتوراه في التاريخ الإسلاميِّ من جامعة القاهرة عام ١٩٧٤ عن «موارد الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد» ونشرت رسالته بيروت.

• صدر له تحقيق «تاريخ خليفة بن خياط» بجزأين، و«طبقات خليفة بن خياط» بجزء ضخم، وهما من الكتب المهمة، وخليفة من شيوخ البخاري.

• وله تحقيق كتاب «المعرفة والتاريخ» في ثلاثة أجزاء، ليعقوب بن سفيان الفسوي، وهو من المصادر الثمينة في معرفة أحوال رجال الحديث النبوي الشريف، وطُبع ببغداد.

• وله أيضًا «بحوث في تاريخ السُّنة المشرفة» طُبع ببغداد وبيروت. 

  • وهو اليوم من أعضاء هيئة التدريس بجامعة المدينة المنورة.

• وألقى محاضرته هذه في جمعية الإصلاح الاجتماعي بالكويت مساء الاثنين ١٣ ربيع الآخر ١٣٩٩ الموافق ۱۲-٣-۱۹۷۹ خلال الموسم الثقافي الذي اعتادت الجمعية إحياءه مرارًا.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته أبدًا إلى يوم الدين.

أيها السادة الأفاضل، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أولًا، أود أن أعبر عن امتناني لجمعية الإصلاح الاجتماعي لدعوتها لي للمشاركة في موسمها الثقافي؛ حيث أتاحت ليَ بذلك فرصة اللقاء بكم، كما أود أن أنقل لكم تحيات إخوتكم في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وأشكر السادة الحاضرين لتجشمهم عناء الحضور لاستماع محاضرتي المتواضعة.

 والواقع أن هذه المواسم الثقافية لا غنى عنها في تدعيم الأواصر الثقافية وتوحيد المفاهيم والتصورات في القضايا المتنوعة التي تهم المسلمين في الوقت الحاضر، وهي فرصة لمعرفة مستوى ونوعية الأفكار المطروحة في حقل الفكر الإسلاميِّ المعاصر ومدى شمول وأصالة هذه الأفكار واكتشاف الثغرات التي لم يسدها المفكرون المسلمون المعاصرون بعد. ومن هذه الثغرات التي انتبه لها المفكرون المسلمون في بداية الستينيات من هذا القرن قضية إعادة صياغة التاريخ الإسلاميِّ وفق التصور الإسلاميِّ لحركة التاريخ من ناحية التفسير التاريخي، ووفق مناهج المحدثين من ناحية البحث في التاريخ الإسلامي. ولا شك أن تقديم المقترحات والملاحظات حول إعادة صياغة التاريخ الإسلاميِّ خلال أربعة عشر قرنًا أمر في غاية الصعوبة؛ لطول الفترة الزمنية من ناحية، ولتنوع المصادر واختلافها من حيث التنظيم وطرق العرض واختلاف الجوانب التي تستحق التركيز عليها في كل حقبة، وظهور انحراف عن الإسلام في الحياة السياسية منذ فترة مبكرة، ثم انحرافات أخرى في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والتربوية في الفترات المتأخرة، ثم انحراف أخطر عن العقيدة والشريعة في القرن العشرين، مما يؤثر في تفسير دوافع حركة «التاريخ الإسلاميِّ».

ولذلك سأقصر كلامي على إعادة صياغة تاريخ صدر الإسلام، ويشتمل على السيرة النبوية المطهرة وعصر الراشدين، حيث يقوى تأثير العقيدة في دوافع سلوك المسلمين من ناحية، كما أن المصادر تتشابه من ناحية التزامها بسوق الروايات تتقدمها الأسانيد على طريقة المحدثين في الغالب، وكذلك لخطورة تاريخ صدر الإسلام، حيث يمثل التطبيق الصحيح لتعاليم الإسلام الكاملة الشاملة، فهو الصورة النموذجية والمثال الذي نسعى بمجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة للوصول إليه. وسأتعرض اليوم لبعض ملامح التصور الإسلاميِّ للتفسير التاريخيّ، ثم أتعرض لمنهج البحث التاريخي وفق قواعد مصطلح الحديث مع تمهيد لذلك ببيان الحاجة إلى كتابة تاريخنا بأقلام إسلامية.

إن تاريخ الأمم الأخرى كُتب بأقلام أبنائها، وإن أسهم فيه غيرهم، والأصل أن نحمل -نحن المسلمين- مسؤولية كتابة تاريخنا بأيدينا، وأن نعرف بحضارتنا ومبادئنا وقيمنا وفق فهمنا لها، وإن أسهم الآخرون في الكتابة معنا فإنها مشاركة محدودة وليست هي الأصل في تصورنا لتاريخنا ولا في عرضنا له أمام أنظار العالم.

إن ما حدث هو عكس ما ينبغي، حيث إن التخلف الحضاري للعالم الإسلاميِّ ينعكس على تقويمه لتاريخه. إن البعض من المعنيين بالتاريخ ما بين ناكصين عن الإسلام كارهين لتاريخه معتقدين أنه سبب التأخر الحضاري في ديار الإسلام، وهم يحمِّلونه حتى مسؤولية الهزائم العسكرية أمام يهود، وهؤلاء يؤمنون بضرورة إحداث فجوة بين الماضي والحاضر وعزل الأجيال الإسلامية الجديدة عن الإسلام وتراثه الأدبي، أو كسالى احترفوا الكتابة التاريخية، فهم يسودون الصحف البيضاء بما يترجمونه من كتب المستشرقين التي يجدون فيها مادة للتدريس والكتابة لا تكلفهم عناء البحث والتدقيق والتأليف، ولا يبالون بعد ذلك بالسموم التي ينفثونها في المجتمع الإسلاميِّ.

إن مما ساعد على ذلك تخلف الحركة الفكرية في العالم الإسلاميِّ وعدم مواكبتها للحركة الفكرية العالمية، وذلك مرتبط بما حدث من تباين حضاري بين الشرق والغرب منذ عهد النهضة في أوروبا، فقلما تجد دراسة تاريخية جادة كُتبت من قبَل المسلمين في القرن التاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين، فلا غرابة إذا ما كانت معظم الدراسات التاريخية التي قام بها المسلمون في تلك الفترة صدًى وانعكاسًا لآراء وأفكار المستشرقين.

أما المؤمنون بالإسلام، العاملون على توثيق صلة الأجيال الجديدة به، فهم يحملون عبئًا ضخمًا ومسؤولية كبيرة في هذا الميدان، لأنهم وحدهم القادرون على التصور الصحيح للتاريخ الإسلاميِّ والمجتمع الإسلامي، وهم يعيشون الحياة الإسلامية ويتذوقون طعم الإيمان ويحسون بأثره على سلوكهم، مما يمكنهم من فهم دوافع حركة الفرد المسلم والمجتمع المسلم، وبالتالي حركة التاريخ الإسلاميِّ.

إن التفسير الإسلاميِّ منبثق من تصور الإسلام للكون والحياة والإنسان، فهو يقوم على الإيمان بالله تعالى وكتبه ورسله، وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره من الله تعالى، وهو لا يخرج عن دائرة المعتقدات الإسلامية، وهو مبني على فهم دوافع السلوك في المجتمع الإسلاميِّ الأول، مما يجعل حركة التاريخ الإسلاميِّ ذات طابع متميز عن حركة التاريخ العالمي لأثر الوحي الإلهي فيه. وهو ليس تفسيرًا تبريريًّا، بل تبرز فيه خصائص الإيمان المستعلي على ما سواه. كما أنه ليس تفسيرًا ماديًّا يحصر المؤثرات على حركة التاريخ البشري في العوامل المادية، كتبدُّل وسائل الإنتاج، كما في الفكر الماركسي، أو التفسيرات المعتمدة على أثر البيئة الخارجية «من مناخ وجغرافيا واقتصاد…»، كما في الفكر المادي الغربي، بل هو يوضح دور الإنسان ومسؤوليته عن التغيير الاجتماعي والتاريخي في إطار المشيئة الإلهية. وكذلك فإنه ليس عنصريًّا يركز على دور شعب بعينه، بل يقوِّم دور الشعوب الإسلامية وفق حجمها وعطائها الحقيقي. كما أنه ليس طائفيًّا يوجه التاريخ لخدمة مذهب معين أو طائفة على حساب الحقائق التاريخية. وكل هذه الملامـح تحتاج إلى تفصيل كثير لا مجال له في هذه المحاضرة، لكنني سأفصل بعض هذه الملامح فقط، وأرجئ تفصيل بقية الملامح إلى وقت آخر، إن شاء الله تعالى.

ملامح التصور الإسلاميِّ للتفسير التاريخي:

١- مراعاة الحقائق التي قررها القرآن الكريم:

مثلًا «الأصل في عقائد البشر التوحيد لا الشرك»، الأصل في عقيدة البشر التوحيد من لدن آدم، عليه السلام، ثم طرأ عليهم الشرك ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ (البقرة: 213).

أي كانوا أمة واحدة على التوحيد، فلما تركوه وانحرفوا عنه أرسل الله تعالى الأنبياء ليردوهم إليه. هذا ما قرره القرآن الكريم، فإذا راجعنا كتاب التاريخ القديم، وجدنا المؤرخ المنتسب للإسلام يقرر ما يخالف القرآن، حيث يذكر أن الأصل عبادة الحيوان والكواكب والقوى الطبيعية، ثم نتيجة ارتقاء العقل البشري وصل إلى التوحيد. وهم يعتبرون الفرعون «إخناتون» أقدم الموحدين لأنه دعا إلى عبادة الشمس وحدها دون بقية المعبودات عند المصريين. إن هذا التقرير يرجع إلى أمرين:

الأول: إنكار الوحي والنبوة، حيث اعتبر ظهور العقائد الدينية وتطورها، من تعدد الآلهة إلى التوحيد، مجهودًا بشريًّا نتيجة الارتقاء العقلي والثقافي.

الثاني: التأثر بنظرية داروين وتطبيق نظرية النشوء والارتقاء في مجال العقيدة الدينية.

إن المطلوب من المؤرخ المسلم أن يستوعب كليات التصور القرآني للتاريخ البشري، ويلتزم به في الكتابة التاريخية، ولو ظهرت بعض النظريات التي تخالف بعض هذه الكليات فليتهم هذه النظريات ما دامت لم تبلغ القطعية، ومعظم استنتاجات التاريخ القديم مرتكز على علم الآثار والحفريات، وهي تعطي معلومات مشتتة لا تكفي لتغطية الفجوات الكبيرة في التاريخ البشري القديم. وإذا كان المؤرخ غير المسلم لا يستطيع التصور إلا خلال الآثار المادية التي تزوده بالمعلومات، فإن المؤرخ المسلم يستند إلى القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو الكتاب الإلهي الوحيد الذي لم ينَله التحريف والتبديل، وهي نعمة عظيمة أنعمها الله تعالى على المسلمين بحفظ كتابه يتلونه كما أُنزِل في كل عصر، مطمئنة نفوسهم إلى أنه «كلام الله»، مما له أعمق الأثر في نفوسهم وعقولهم وسلوكهم وشخصيتهم وطبيعة مجتمعهم وحضارتهم، وهو أمر لم يتحقق لأمة أخرى غير الأمة الإسلامية.

۲- تفسير دوافع السلوك عند المسلمين في صدر الإسلام: 

إن دوافع السلوك في المجتمـع الإسلاميِّ الذي تهيمن عليه العقيدة تتأثر كثيرًا بالتطلع إلى ما عند الله، إلى الجزاء الأخروي. وصفوة المؤمنين لا يشركون دوافع أخرى في سلوكهم، إذ لا بد من إخلاص النية لله تعالى في كل أعمال المسلم، سواءً كانت جهادًا بالنفس، أو نشاطًا اجتماعيًّا، أو اقتصاديًّا، أو سياسيًّا، فنشاط المسلم في كل مجالات الحياة يدور حول محور «إرضاء الله تعالى». ويعرف المسلم أنه إذا أشرك في نيته فإنه يحبط عمله، كما في الحديث الشريف: «إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا وابتُغي به وجهه». وإذا كان هذا التصور يتحكم في الكثير من المسلمين الواعين اليوم، فكيف كان أثر ذلك في جيل الصحابة والتابعين والأتباع -وهم خير القرون- إذًا؟ إن معرفة أثر الإسلام في تربية أتباعه في صدر الإسلام، وتزكية أرواحهم، وتثقيف عقولهم، وإخلاص عقيدتهم، وتوجههم إلى الله وحده بالعبادة والمجاهدة- تجعل من البدَهي التسليم بأن الدافع لهم في مشاركتهم في الفتوح ونشر الإسلام والتمكين له وتنظيم المناطق المفتوحة والاجتهاد في حل المشاكل والأقضية المستجدة وفق تعاليم الإسلام لم يكن دافعًا دنيويًّا، لا رغبة في التسلط والاستحواذ، ولا طمعًا في خيرات البلاد المفتوحة، ولا فرارًا من شظف الحياة في الصحراء، كما يقول كايتاني وغيره من المستشرقين.

روى الطبري أن: «ربعي بن عامر دخل على رستم قائد الفرس في مجلسه فسأله: ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا، والله جاء بنا، لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه».

إن ما قاله ربعي بن عامر، ممثل المسلمين للفرس، لم يكن يعبر عن شعور فردي، وإنما كان يمثل الفكرة المهيمنة على قيادة المسلمين ومعظم جندها المجاهدين، ولا يمنع هذا القول من مشاركة بعض الأعراب في الجهاد ممن تحفزهم العوامل المادية إلى جانب الرغبة في الجهاد، لكن هؤلاء لا يمثلون قيادة الحركة ولا روحها الموجهة، وإنما أقرر ذلك لأن المجتمع المسلم مجتمع بشري فيه الصفوة الخيرة التي تلتزم المثل العليا وتخلص النية لله وتجعل كل همها كسب رضاه، وفيه عبقات دونها تأخذ نفسها بالحد الأدنى الذي يحقق لها صفة الإسلام.

وينبغي أن يتقرر بوضوح كامل أن تفسير حركة التاريخ الإسلاميِّ في صدر الإسلام لا يمكن أن يقوم به إلا المسلم الذي يردد كل يوم قول الحق تعالى لنبيه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ (الأنعام: ١٦٢-١٦٣)، والذي تفاعل قلبه وشعوره مع القرآن والسُّنة، وأحس بأثرهما في صياغة شخصيته وتحديد دوافع سلوكه. ومن هنا جاءت التفسيرات الغربية والاستشراقية قاصرة عن فهم دوافع السلوك عند المسلمين في صدر الإسلام، فمثلًا عندما يعرض المستشرق «الأب لامانس» لحادثة سقيفة بني ساعدة -وهي سابقة رائعة لتطبيق الشورى الإسلامية؛ حيث اقتنعت الأكثرية برأي الأقلية- فإن صور المؤامرات في البلاط الفرنسي في القرنين الخامس عشر والسادس عشر تشوه رؤيته لأحداث السقيفة فيطلع علينا بصورة مشوهة عندما يقرر تآمر أبي بكر وعمر وعثمان، رضي الله عنهم، واتفاقهم على انتزاع الخلافة والتعاقب عليها فيما بينهم في سقيفة بني ساعدة.

إن الدراسات الاستشراقية وهي كثيرة جِدًّا ومتباينة من حيث المستوى والدقة العلمية والبعد عن التعصب الدينيّ والقوميّ، لكنها على العموم تصدر عن مفكرين عاشوا في بيئة بعيدة عن الإسلام لها حضارتها وفلسفاتها ومقاييسها وأذواقها فيصعب عليهم تذوق الإسلام، وبالتالي يتعذر عليهم فهم دوافع سلوك المسلم في حركته الفردية والجماعية، وهم يقيسون على التاريخ الأوروبي في تفسيرهم لحركة التاريخ الإسلاميِّ رغم اختلاف طبيعة التاريخين، ولا نغفل عن كون الأوروبيين عمومًا ينظرون إلى العالم من خلال موقعهم المتفوق عسكريًّا وتكنولوجيًّا، فهم ينسبون كل مأثرة لأنفسهم وكل منقصة لسواهم. وعندما أرخ توينبي لحضارات العالم أعطى الحضارة الإسلامية مساحة ضيقة لا تتناسب مع حجمها ودورها الحقيقي في التاريخ العالميّ.

بعض الكُتاب المسلمين انجروا إلى استخدام ألفاظ ليست في القاموس الإسلاميِّ:

إن أعظم قصور يواجه الدراسات الاستشراقية هو عجزها عن التصور السليم للإسلام وروحه وأثره في المجتمع الإسلاميِّ وحركته التاريخية، وهو قصور كبير يمنع إمكان الاعتماد على هذه الدراسات، خاصة في عصر السيرة والراشدين؛ حيث تتطابق النظرية الإسلامية مع الواقع التاريخيّ.

٣- تقويم الحضارة يرتبط بمدى ملاءمتها لعبادة الله:

إن المؤرخ المسلم لا يحكم على المستوى الذي تبلغه أية حضارة من خلال منجزاتها المادية فقط، وإنما ينظر إلى مدى تحقيقها للهدف الأساسي الذي وضعه «الخالق» عز وجل لـ«خلقه». قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (الذاريات: 56).

فالحضارة الساحقة في نظر المسلم هي التي تهيئ الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والمادية الملائمة، لتوجه الإنسان نحو توحيد الله وإفراده بالعبودية والتزام تعاليمه في كل ألوان النشاط الذي يمارسه دون أن تعيقه المؤسسات والأجهزة القائمة في المجتمع أو توقعه في التناقض بين «عقيدته» و«سلوكه» ودون أن تضغط عليه لتحرفه عن التزامه أمام رب العالمين. لذلك مهما تقدمت الحضارة في العلوم والمعارف والآداب والفنون، ومهما تفننت في ريادة الدور والقصور، وفي الأثاث واللباس والطعام، وفي تيسير الحياة المادية الرخية للإنسان، أقل مهما وصلت الحضارة في التقدم المادي فإنها تبقى في نظر المؤرخ المسلم متخلفة و«قاصرة» ما دامت لا تهيئ الظروف الملائمة لعبادة الله والوفاء بالالتزام بشرعه. والحضارة الإسلامية نفسها مرت بمراحل تاريخية مختلفة، ولا شك أن التضخم في منجزاتها المادية لم يكن في صدر الإسلام، بل كان في القرنين الثالث والرابع الهجريين، لذلك فإن المؤرخ الغربي آدم متز يرى أن القرن الرابع الهجري يمثل أوج الحضارة الإسلامية، في حين أن المؤرخ المسلم يرى أن عصر صدر الإسلام يمثل أوج الحضارة لأنه أكثر ملاءمة لعبادة الله وتوحيده، وسلوك المسلمين في صدر الإسلام أكثر التزامًا بتعاليم الشريعة من سلوك المسلمين في القرن الرابع الهجري. وهذا ما أشار إليه الرسول الأعظم، صلى الله عليه وسلم، في حديثه: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم». إن هذا المنطق والتصور يبدوان غريبين بالنسبة للمؤرخين غيـر المسلمين لأنهم يخضعون في مقاييسهم لقيم الحضارة الغربية، أما المؤرخ المسلم فإن الأمر يبدو بدَهيًّا أمامه لأنه تمكن من تمزيق طوق القيم والمقاييس والتصورات المنبثقة عن الحضارة المادية الغربية. ولم يتم ذلك إلا بعد الوعي الإسلاميِّ الذي ظهرت آثاره في العالم الإسلاميِّ المعاصر، ومن آثاره التفلت من كماشة الحضارة الغربية والاستعلاء بالإيمان والإسلام عليها والشعور بالذات والاستقلال الروحي والفكري، وهو أمر يمثل الخطوة الأولى الصحيحة على طريق الحضارة إن شاء الله.

كيف يحكم المؤرخ المسلم على المستوى الذي تبلغه أية حضارة؟

٤- رفض منطق "التبرير" كأساس لتفسير تاريخ صدر الإسلام:

إن هذا المنطلق أثر للقهر النفسي والفكري الذي أحدثه الغزو الفكري في عقولنا، ومن ذلك الأسلوب الاعتذاري الذي يستخدمه بعض المؤرخين المسلمين المعاصرين في الكلام عن الجهاد في الإسلام وحركة الفتوح الإسلامية واعتبارها دفاعًا عن حدود شبه جزيرة العرب أمام تحركات الفرس والروم، بل إن غزوات الرسول، صلى الله عليه وسلم، لم تسلم من هذا الأسلوب التبريري وجعلها دفاعًا عن دولة المدينة المنورة «دراسة العلامة محمد شبلي النعماني عن السيرة مثلًا، فهو على فضله وقع في هذا الخطأ». بل إن بعض المؤرخين المسلمين ذهب إلى نفي روايات صحيحة عندما عجز عن التبرير الذي يريده، فقد نفى أحد الكتاب روايات ابن إسحق حول قتل مقاتلة بني قريظة، وهي ثابتة في كتب الحديث والسيرة والتاريخ. وكأنه يشك في عدالة قتلهم! فالتفسير الإسلاميِّ إذًا ليس دفاعيًّا تبريريًّا، بل ينطلق من اعتقاد أن الإسلام حق وما عداه باطل، وأن ما شرعه الإسلام من الجهاد وغيره حق لا يحتاج إلى اعتذار أو تبرير، حتى لو بدا ذلك غريبًا أمام الذهنية المهيمنة على الناس في القرن العشرين، لأننا لا نطوِّع «الإسلام وتاريخه» لأذواق الناس واتجاهاتهم الفكرية في «عصر معين»، فما يحبذه الناس في عصر قد ينكرونه في عصر آخر، وما يحسبه أبناء بلدة حسنًا يراه سواهم منكرًا، والحكم لله ولشرعه وليس لأذواق الناس وأهوائهم، والله غالب على أمره.

٥- استعمال المصطلحات الشرعية في الكتابة التاريخية:

إن استعمال المصطلحات الشرعية ضروري عند كتابة التاريخ الإسلاميِّ من خلال التصور الإسلاميِّ النابع من القرآن الكريم والسُّنة المطهرة، لأن هذه المصطلحات ذات دلالة واضحة ومحددة ولأنها معايير شرعية لها قيمتها في زمن الأشخاص والأحداث.

والقرآن الكريم قسم الناس إلى «المؤمن» و«الكافر» و«المنافق»، ولكل من الثلاثة صفات محددة ثابتة ودقيقة لا تقبل التلاعب فيها، فما ينبغي أن نحيد عن هذا التقسيم إلى مصطلحات نبتت في أوساط غير إسلامية، كوصف الإنسان بأنه «يميني» أو «يساري» أو غير ذلك من النعوت غير الشرعية، والتي ليست محددة بصورة دقيقة ثابتة، وكذلك فإن الحكم على الأعمال والمنجزات الحضارية ينبغي أن تستخدم فيه المصطلحات الشرعية، وهي «الخير» و«الشر» و«الحق والباطل» و«العدل» و«الظلم»، كما حددها الشرع، ولا تستخدم معايير الفكر الغربي كـ«التقدمية» و«الرجعية». لقد انجر بعض الكتاب المسلمين إلى استخدام مصطلحات وألفاظ ليست في القاموس الإسلامي، وفي ذلك يكمن خطر الذوبان في الفكر الجاهلي والضياع وسط مصطلحاته الكثيرة التي تُفقدنا ذاتيتنا المستقلة. إن استعمال المصطلحات الشرعية عند إعادة صياغة التاريخ الإسلاميِّ ضروري جدًّا للحفاظ على استقلال التصور والمنهج الإسلاميِّ وإبراز هويته، بالإضافة إلى أن المصطلحات الشرعية أوضح وأدق من المصطلحات الغربية.

الرابط المختصر :